ماهية الموازنة التقديرية
عادة ما ينظر إلى الموازنة على أنها عملية مالية بحتة ، لكن في حقيقة الأمر التدوين فقط هو ما يمثل الجانب الرقمي في هذه العملية ، لأن القرارات المتعلقة بالموازنة هي في مجملها قرارات قيادية، فلموازنة قد تُقرأ بصيغة الأرقام لكن في حقيقتها فإن القرارات المرتبطة بالموازنة تكتسي طابع القرارات القيادية والتي تقوم على عملية توزيع الموارد والتي غالبا ما تكون نادرة بما يضمن تحقيق الأهداف المنشودة وذلك من خلال وضع وترتيب للأولويات . وعلاوة عن ذلك هي تمتاز بكونها :
ü أداة تشخيص وتخطيط تنتهي وفق قياسات خاصة من أجل عملية التحسين الأداء عبر مختلف أجزاء التنظيم من وحدات وأقسام
ü تعبير كمي لخطة الأعمال وحسر رابط فيما بين عمليتي التخطيط والرقابة
ü أسلوب للتقدير وذلك بعملها على تحديد الصعوبات المستقبلية ، وإختيار برامج الأنشطة مع الأخذ بعين الإعتبار للمتغيرات الممكنة وحالة عدم التأكد. بحيث تعتبر الموازنة فرصة للقيام بالدراسات و الإطلاع على وضع السوق وعلى إمكانيات المؤسسة الداخلية؛
ü أداة للرصف الاستراتيجي صعودا ونزولا وذلك بعملها على ترجمة القرارات المتخذة من طرف الإدارة إلى برامج عمل على مستوى خطوط التنفيذ بحيث تعتبر الموازنة كمصدر ومنبع للإستراتيجيات التكتيكية ، وهي إستراتيجيات للتعديل في الأجل القصير مع الحفاظ على الأهداف العامة في الأجل الطويل .
ü أداة من أدوات السياسة الداخلية ، فهي إذا ما تم إستغلالها جيدا تعتبر كفرصة لإشراك المتعاملين الداخلين أثناء إعداد الموازنة وذلك من أجل عملية التحفيز وتجديد الإلتزام بالإستراتيجية ، خصوصا فيما يتعلق بالمستويات الدنيا والقائمين على البرامج التنفيذية والتي تعاني نوع من التهميش ، وفي حالة عدم إستغلالها جيدا فهي ستظهر كوسيلة للتعارض وتضارب المصالح داخل المؤسسة ؛
ü أداة تنسيق يتم من خلالها التأكد من أن مختلف الوظائف تتحرك وفق نسق واحد نحو تحقيق الهدف العام للمؤسسة ، بحيث تسمح عملية الرقابة الموازنية من معالجة أي خلل يظهر على مستوى هذه الوظائف؛ كما تعمل الموازنات على اشراك مختلف المسؤولين والفاعلين مع ما يتطلبه الأمر من تحديد المسؤوليات عبر مختلف الأقسام والمصالح ، ووضع مختلف الموارد المالية والبشرية تحت تصرف هؤلاء المسؤولين وتوجيههم ضمن الإطار العام لإستراتيجية المؤسسة ؛؛ مع ربط الأداء بنظام المكافآت ، وتدعيم نظام التغذية العكسية؛
مراحل إنجاز الموازنات التقديرية
يختلف الحيز الزمني لإعداد الموازنة من مؤسسة لأخرى ،حيث يرتبط ذلك بعدة عوامل ، منها حجم المؤسسة ،عدد وحداتها وأنشطتها ....إلخ ، إلا أن عمليات إعداد الموازنة عموما تتشكل في الغالب حول أجندة سنوية تمتد من سبتمبر إلى ديسمبر. وذلك مرورا على المراحل الآتية :
1- إرسال السيناريوهات العامة للعمل إلى مختلف الوحدات و الوظائف و المجسدة بواسطة مصلحة التخطيط أو مصلحة مراقبة التسيير ، إضافة إلى إستحضار التوجيهات المثبتة بواسطة الإدارة العامة المنحدرة من مرحلة التخطيط ،خاصة فيما يتعلق بالأهداف ، الإستثمارات المنجزة ، العمالة المقدرة ...الخ . ومختلف المعلومات عن دوران العمليات ، أجندة العملد و المسؤوليات ، بحيث تحدد هذه المعطيات إطار العمل الموازناتي
2- إنجاز الموازنات الأولية داخل الفروع ، وذلك حسب درجة المركزية المأخوذ بها ، بحيث تُناقش الأهداف على مستوى كل مركز مسؤولية ، و تُجرى دراسات على هذا المستوى بهدف تحصيل التقديرات الضرورية و محاكاة مختلف الخيارات الممكنة ، بعدها ترجع الوثائق الموازنية إلى مراقب التسيير من أجل تجسيد التناسق وإنجاز المصادقة الأولية .
3- مبادلة المعلومات فيما بين الفروع والإدارة ممثلة في مراقب التسيير بهدف التحرك لإقامة التحكيم عبر المديرية العامة والتحول إلى الموازنة النهائية ، وهنا يتجسد مفهوم ديناميكية الموازنة وذلك عبر التفاعل الذي ينشأ عموديا وأفقيا بهدف معالجة عدم التناسق الذي يظهر على مستوى الموازنات الأولية فيما بين مختلف الفروع و فيما بين الفروع والمديرية العامة كما يسمح بإجراء التناسق العام فيما بين هذه الأخيرة و مخطط الأعمال .
4- المصادقة النهائية على الموازنات .
أنواع الموازنات التقديرية
هناك العديد من أنواع الموازنات التقديرية ، بحيث يتعلق نوع الموازنات بنوع التقسيم الذي تعتمده المؤسسة والمتعلق أساسا بنمط تسييرها ، فمثلا المؤسسات التي يقوم تسييرها على نمط القيادة بالأنشطة تقوم بإعداد موازناتها إنطلاقا من هذا المستوى بحيث يدعى هذا النوع من الموازنات ب" الموازنات على أساس الأنشطة " ، كما قد تعتمد المؤسسة التقسيم على أساس المنتجات ، قنوات التوزيع ، المناطق الجغرافية ...إلخ ، إلا أن التقسيم الأكثر شيوعا هو التقسيم على أساس الوظائف وفي هذا المستوى تظهر موازنتين أساسيتين هما : الموازنة التجارية والموازنة المتعلقة بمستلزمات برنامج الإنتاج ، إضافة إلى الموازنات المكملة والمتمثلة أساسا في : موازنة الاستثمار ، موازنة التمويل ، الموازنة الإدارية .
1- الموازنات التجارية - موازنة المبيعات -
تظهر الموازنة التجارية في المؤسسة على مستويين ، موازنة المداخيل – المبيعات التقديرية - وموازنة النفقات التجارية
ا - موازنة المداخيل : يتم إعداد موازنة المداخيل إنطلاقا من الأهداف التجارية للمؤسسة ، بحيث يتم إحتساب مستويات رقم الأعمال التقديرية للمؤسسة على مختلف فترات الدورة القادمة من خلال تقدير كمية المبيعات وأسعار البيع المقدرة ، مع الأخذ بعين الإعتبار لأداء المؤسسة خلال الفترات لاسابقة و المستجدات الممكنة كتلك المتعلقة بتطور حجم السوق ، المنافسين ، التوجهات الإقتصادية ، إطلاق أو إسترجاع المنتجات من وإلى السوق في الفترة القادمة ، إضافة إلى الأعمال الترقوية المنظورة ، سعر البيع القاعدي ، تطوراته المحتملة ، التخفيضات المحتملة ، وردة الفعل المحتملة من السوق ، وجميع العناصر ذات التأثير على هذا الجزء من الموازنة بهدف وضع النموذج المرجعي الذي يجب أن تراعى فيه الواقعية قدر الإمكان . هذه المتغيرات هي في غالبها تتضح من زاوية رؤية قريبة من الواقع قدر الإمكان والتي قد لا تكون ضرورية أثناء الأخذ بمخطط الأعمال عند برمجة الأنشطة أو قد تكون قد أخذت ببعض الضبابية لذلك يجب تجديد النظرة أثناء إعداد الموازنة.
في هذا المستوى ( مستوى الموازنة ) يتم التفصيل في المسؤولية ، فعلى مستوى المبيعات مثلا يتم إعداد تقديرات جزئية لرقم الأعمال على مستوى كل ناحية أو وحدة ، إذ أن تثبيت الأهداف الخاصة بكل مسؤول هي جد ضرورية من أجل تحفيز قوى المبيعات من خلال إعطائهم جزء القيمة المساهم بها في المداخيل الكلية المقدرة ، كما يستحب من الرفع من الأهداف المقسمة على مستوى الوحدات على ما تم تقديره على المستوى الكلي وذلك لإعطاء تحفيز أكبر والرفع من حظوظ بلوغ هذه النتائج.
يعد تقدير حجم المبيعات أهم أركان هذه الموازنة اذ أنه وفي هذه المرحلة من التقديرات ومع الأخذ بعين الإعتبار لجميع المتغيرات والمعطيات السابقة الذكر يتم الأخذ بالأدوات الكمية للتدقير والمعبر عنها أساسا بالسلاسل الزمنية والتي يتم من خلالها تقدير المبيعات المستقبلية بناءا على المعطيات التاريخية – المحاضرة اللاحقة-
ب - موازنة النفقات : تشتمل الوظيفة التجارية على العديد من الوظائف والأنشطة ، والتي تجتمع معا من أجل تحقيق الهدف المنشود على مستوى هذه المصلحة ، هذه الوظائف قد تتجسد مثلا في وظيفة التسويق والتي تهتم بأنشطة الترويج و الإشهار والبحوث التسويقية ، إضافة إلى الإدارة التجارية والتي تهتم بعميلة التنسيق والإدارة ، مصلحة التوزيع والشحن والتي تتكفل بأنشطة إيصال المنتجات إلى العملاء ، ومصلحة خدمات ما بعد البيع والعلاقات مع العملاء من خلال تكفلها بالأنشطة التي تضمن راحة العميل ، هي كلها مصالح تتكاتف معا من أجل تعظيم القيمة إلى العميل والمؤسسة ، وفي عملها على تحقيق هذه الغاية تستهلك هذه الوظائف مصاريف مختلفة عبر مختلف مراحل سير عملها منها الثابت ومنها المتغير ، لذلك فمن المهم على مستوى هذه الوظائف أن تقيم المؤسسة مقارنات فيما بين المداخيل والنفقات المستهلكة وذلك من أجل عملية الرقابة فيما بعد لتقييم أداء هذه المراكز ومصلحة المبيعات ككل
2- موازنة مستلزمات برنامج الإنتاج
تحديد موازنة الإنتاج تأتي بعد عملية تحديد موازنة المبيعات ، بحيث تهدف خطة الإنتاج إلى تخطيط العمليات الإنتاجية والتنسيق فيما بينها بشكل يضمن تدفق الإنتاج بمعدل ينسجم مع معدل طلبات الزبائن على المنتج ، ولهذا فإن موازنة الإنتاج تتأثر أيضا بسياسة المخزون في المؤسسة سواء فيما يخص المواد الأولية ، أو فيما يخص المنتجات النهائية ، ذلك لأن المخزون سيؤثر بشكل مباشر على حجم الإنتاج اللازم لمواجهة المبيعات ، بحيث تعطى موازنة حجم الإنتاج بالشكل التالي :
موازنة حجم إنتاج الفترة = المبيعات المخططة + المخزون المرغوب فيه في آخر الفترة – المخزون المرغوب فيه في بداية فترة الموازنة
بعد تحديد حجم الإنتاج تأتي عملية تحديد التكاليف المباشرة والغير مباشرة لعملية الإنتاج وذلك من خلال تحديد البرامج والأنشطة اللازمة لعملية الإنتاج ومختلف التكاليف المباشرة والغير مباشرة لتحقيق المستوى المطلوب من الإنتاج ، وعلى هذا المستوى تعد نوعين أساسين من الموازنة هما : موازنة مستلزمات برنامج الإنتاج المباشرة والمتمثلة أساسا في إستهلاك المواد الأولية و اليد العاملة و موازنة المصاريف الغير مباشرة.
ا - موازنة مستلزمات برنامج الإنتاج المباشرة : تقوم هذه الموازنة بتحديد متطلبات الإنتاج من التكاليف المباشرة والمعبر عنها غالبا في المادة الأولية واليد العاملة المباشرة ، وعليه فإن الموازنتين الرئيسيتين اللتان تتفرعان عن هذه الموازنة هما موازنة التموين الخاصة بالمواد الأولية و موازنة المستلزمات من اليد العاملة المباشرة .
أولا؛ موازنة التموين الخاصة بالمواد الأولية : كما تتحدد موازنة الإنتاج نسبة إلى المبيعات وسياسة التخزين ، فإن موازنة التموين تتحدد نسبة إلى حجم الإنتاج والكميات اللازمة من المواد الأولية مع الأخذ بعين الإعتبار لسياسة التخزين الخاصة بالمواد الأولية ، بحيث تتحدد موازنة المشتريات من المواد الأولية بالصيغة التالية:
مشتريات المواد الأولية = إحتياجات الإنتاج من المواد الأولية + مخزون آخر الفترة من المواد الأولية – مخزون أول الفترة
بتحديد كمية المشتريات اللازمة ، تقوم المؤسسة بتقدير قيمة هذه المشتريات نسبة إلى أسعارها في السوق وهي نفسها القيمة التي يتم إعتمادها في احتساب تكلفة الإنتاج المباشرة ، إضافة إلى قيمة المواد الموجودة في المخازن وطريقة تسيير الإخراجات من هذه المواد المعتمدة من قبل المؤسسة ( FIFO , LIFO , ...إلخ ) ، ويكون تحديد القيمة أكثر دقة عندما تكون المؤسسة تتعامل مع خطوط توريد ثابتة ، إذ يساعدها ذلك أيضا في التوزيع الدقيق للموازنة على مدار الدورة الإنتاجية.
ثانيا؛ موازنة اليد العاملة المباشرة : توضح موازنة العمل المباشر الإحتياجات المطلوبة للوفاء ببرنامج الإنتاج من كل نوع من أنواع العمالة المباشرة عبر جميع مراكز الإنتاج ، حيث تتحدد العمالة اللازمة نسبة إلى الكمية المخططة للإنتاج وإلى الدراسة الفنية الهندسية لمعدلات إستخدام هذه العمالة في العملية الإنتاجية
ب - موازنة المصاريف الصناعية الغير مباشرة : إضافة إلى موازنة مستلزمات برنامج الإنتاج المباشرة ، المؤسسة عليها أن تعد موازنة المصاريف الصناعية الغير مباشرة ، حيث تهدف هذه الموازنة إلى بيان عناصر الكلفة التي لا تدخل في تركيب المنتج مباشرة ولكنها ضرورية للعملية الإنتاجية أنشطة ضمان الجودة وأنشطة البحث والتطوير وغيرها.
في الأخير تجد الإشارة هنا إلى أن هذا النوع من الموازنات تعوضه في المؤسسات التجارية موازنة التموين ، هذه االأخيرة هي أيضا يتم إعدادها نسبة إلى موازنة المبيعات عبر مختلف فترات الدورة المحاسبية .
3-الموازنة النقدية
تهدف الموازنة النقدية أو بمسماها الآخر موازنة الخزينة إلى توفير المعلومات اللازمة للإدارة لتفادي أي عجز أو فائض في النقدية ، وعليه تعتبر أداة لتخطيط المتحصلات والمدفوعات النقدية للمنشأة خلال فترة زمنية معينة بما يضمن إستمرارية أنشطتها وعملياتها والوفاء بالتزاماتها وإدارة مواردها النقدية بصورة صحيحة وملائمة ، وهي تظهر بجانبين ، جانب يمثل متحصلات المؤسسة ، والجانب الآخر يمثل مدفوعاتها ، والفرق بينهما يعطي وضع الخزينة بالسلب أو الإيجاب ، ويتم إعداد هذه الموازنة بعد إعداد مختلف الموازنات الأخرى للمؤسسة
4- الموازنات الإستثمارية
الموازنة الإستثمارية هي عبارة عن التعبير الكمي للبرامج الإستثمارية ، والتي قد تتعلق بأحد المواضيع التالية :
ü إنتاج منتوج جديد أو التوسع في المنتجات القائمة ؛
ü إستبدال التجهيزات الرأسمالية الحالية ؛
ü مشروعات البحوث والتطوير؛
ü النهوض ببعض المشروعات الخاصة التي تتطلب موارد مالية كبيرة نسبيا وتؤثر على القدرة الإرادية للمنشأة مستقبلا .
نظرا للحيز الزمني لهذه المشاريع فإن إعتمادها يكون في إطار مخطط الأعمال والذي يتم من خلاله المفاضلة فيما بين الإستثمارات وفق الطرق المتعارف عليها ، كمعدلات العائد الداخلي وفترة الإستراداد وذلك وفق مخطط الإستثمارات ، أما إطار الموازنة فهو يهتم بدراسة التدفقات النقدية الداخلة والخارجة . حيث تتمثل التدفقات النقدية الخارجة في التكاليف المبدئية للإستثمار التي تتحملها المؤسسة في سبل إقامة المشروع والتي قد تتمثل في إقتناء الموجودات الثابتة ، تكاليف ما قبل التشغيل ، رأس المال العامل والذي يمثل في هذه الحالة الحد الأدنى من الموجودات المتداولة اللازمة لدورة تشغيل واحدة ...إلخ وتتمثل التدفقات النقدية الداخلية في الفرق فيما بين المقبوضات النقدية الناتجة عن مزاولة النشاط خلال الفترة والمدفوعات النقدية الخاصة بتكاليف التشغيل خلال نفس الفترة ، حيث تتحدد هذه النفقات في تدفقات نقدية سنوية.
5- الموازنة الادارية
تختص الموازنة الإدارية بالمصاريف الإدارية التي تتعلق بنشاطات الإدارة العامة ، مثل رواتب الموظفين في الإدارة والمدير العام وغبرها من المصاريف التي تضمن السير الحسن للإدارة والتي تعتبر واجهة المؤسسة وضمانتها في السوق.