الحركة الثقافية والفكرية في أوروبا
لقد كان التحرر الفكري أهم ما ميز أوربا في العصر الحديث، وكانت ثورة على الجمود الذي ساد الحياة الأوروبية خلال العصور الوسطى، فأصبح الفرد حرا في اختيار العلوم والثقافة حسب ما يناسب طبيعته وتفكيره غير مقيد بتقاليد الكنيسة وتعاليم رجال الدين الذين سيطروا على العقول وعلى الاتجاهات الفكرية في العصور الوسطى، وكانوا الفئة الوحيدة المتعلمة إلى جانب الطبقة الأرستقراطية في المجتمع، وقد استخدمت الكنيسة مختلف الوسائل لمحاربة الفكر المخالف كالحرمان واللعن والطرد من الكنيسة.
1- الحركة الفكرية:
بدأت الحركة الفكرية بما أطلق عليه الدراسات الإنسانية والحركة الانسانية ولم يبدأ الاهتمام بالدراسات الإنسانية في الجامعات، فقد وجهت جهودها إلى دراسة العلوم التطبيقية كالطب وظلت تنظر إلى الدراسات الإنسانية نظرة عدم تقدير.
وتطلق الحركة الإنسانية (Humanisme) على حركة إحياء الدراسات الإغريقية واللاتينية وما تفرع عنها من حركات أخرى، ويعتبر الدافع على إحياء الدراسات الكلاسيكية هو التغيير الكبير الذي طرأ على الروح الأوربية كنتيجة لنمو علاقات إنتاجية جديدة وما ترتب عن ذلك من تدهور العلاقات القديمة والمؤسسات التي تسندها وخصوصا الكنيسة.
وقد بدأت حركة إحياء الدراسات الكلاسيكية في المدن الإيطالية بتشجيع من حكامها الذين حرصوا على دعم المشتغلين بها ماديا وأدبيا، وقامت منافسة بين تلك المدن بهدف دراسة المخطوطات الإغريقية القديمة ورأوا أن الفرد لا يتبوأ مكانة رفيعة في المجتمع ما لم يكن على حظ وفير من تلك الدراسات، وكانت الكنائس والأديرة تزخر بعدد كبير من المخطوطات، وكانت القسطنطينية عاصمة الدولة البيزنطية مركزا لهذه التجارة وقام عدد من الدارسين الإيطاليين بزيارتها للتخصص في دراسة اللغة الإغريقية وقد جذبت شبه جزيرة إيطاليا عددا كبيرا من العلماء البيزنطيين الذين هاجروا إليها في مطاع القرن الخامس عشر ووجدوا من حكامها رعاية مادية وأدبية.
وفي نفس الوقت كانت حركة إحياء الدراسات اللاتينية تسير نحو الازدهار، إذ كان الإيطاليون ينظرون إلى اللغة اللاتينية على أنها لغة الحضارة الرومانية واعتبروا أنفسهم ورثة حضارتهم ومن أهم الذين برزوا في هذا الميدان:
- بترارك (Petrarque) (1304- 1374م) : أطلق عليه " أبو الحركة الإنسانية " وتوج كشاعر عظيم في الكابتول في روما 1341م، ولد سنة 1304م، سافر إلى أفينيون بفرنسا التي كانت هي مقر البابوية، وحين رحل إلى روما حلم أن تستعيد مجدها فكان من أوائل المتحمسين من الإنسانيين في جمع المخطوطات اللاتينية والعملة القديمة.
ويعتبر جيوفاني بوكاشيو( Boccaccio) (1313- 1375 ) أنشط تلاميذ بترارك، وقد خالفه في أنه كتب بالإيطالية إلى جانب اللاتينية، وترجع شهرته إلى مجموعة قصصه التي أنهاها عام 1358م تحت اسم "ديكاميرون "( Decameron )على طراز ألف ليلة وليلة، وتضم مائة قصة أظهر فيها سخريته من تقاليد وخرافات العصور الوسطى، وتشيع فيها نظرة باسمة للحياة الدنيا، تعتبر نظرة جديدة على العصور الوسطى التي اتصفت بالتزمت واحتقار الحياة الدنيوية.
ولم يقتصر بوكاشيو على ذلك، فقد درس مؤلفات الرومان، وذهب إلى القسطنطينية بهدف التعمق في الدراسات الإغريقية، فكان أول إيطالي في النهضة استطاع أن يحرز بعض التقدم في دراسة اليونانية، وترجم الإلياذة والأوديسة لهوميروس إلى اللغة اللاتينية .
وقد بلغ من تحمس الناس للغة اللاتينية الفصحى والتراث الروماني أنهم أخذوا يسمون أبناءهم بأسماء رومانية،وحاولوا محاكاة الرومان في ملبسهم وطريقة كلامهم وخصالهم، حتى إن شاعر إيطاليا العظيم دانتي (Dante) الذي كان أول من كتب باللغة الإيطالية القومية الحديثة، درس اللاتينية وكتب بعض مؤلفاته الصغرى بها، مثل كتابه " عن اللغة العامية" وكتابه الآخر عن" الملكية".
2- مظاهر من الحركة الثقافية والفكرية في أوربا الحديثة:
- ظهور اللغات الحديثة (اللغات القومية)
كانت اللاتينية هي لغة العلم والكتابة في العصور الوسطى، وبعد ذلك تضاءل استخدام هذه اللغة بالتدريـج حتى أصبحت مقصورة على رجال الكنيسة وبالتدريج عمد بعض الكتاب والأدباء إلى الكتابة بلغة شعوبهم، وعمد بعضهم إلى استخدام بعض الكلمات والعبارات الجديدة. وبالتدريج أصبحت (اللّغات الوليـــدة) صالحة لكتابة العلوم والآداب بها، بل أصبح الاهتمام بهذه اللغات القومية مظهرا من مظاهر النزعة القومية وعاملا هاما يساعد على نشر الأفكار الجديدة التي أصبحت من مميزات عصر النهضة.
ففي إيطاليا كتب دانتي Dante شاعر إيطاليا كتابه" الكوميديا الإلهية" باللغة الإيطالية.
وكتب منتاني (Montaigne) وغيره من أدباء وكتاب فرنسا باللغة الفرنسية، وفي انجلترا وضع شوير قصص كانتربرى بالإنجليزية، وظهر غير هؤلاء في مختلف البلاد الأوروبية وكتبوا بلغة شعوبهم.
وهكذا بفضل انتشار هذه اللغات ومعرفة الشعوب لها، وتفهمهم لما كتب بها أصبح في مقدور عامة الشعب أن يتقبلوا اآراء الجديدة ويشاركوا فيها.
- اتساع الطباعة وتطويرها لخدمة العلم والمعرفة:
تعتبر الطباعة أهم اختراع ظهر في العصر النهضة، ويرجع الفصل في التطور الهام الذي طرأ على الطباعة إلى الألماني جوتنبرج ثم جاء اختراع ( الورق ) واستخدامه في الطباعة .
ويلاحظ أن صاحب المطبعة لم يكن يلم بفن الطباعة فحسب بل جمع بين إلمامه بفن الطباعة وبين العلم والثقافة.
وبفضل المطبعة أصبحت الدراسات الإنسانية وغيرها من العلوم في متناول الكثيرين، فقد أصبح في الإمكان طبع الكتب بتكاليف قليلة. وأصبحت المطابع مؤسسات تحلق بها أقسام للتجليد بالإضافة إلى أقسام المخطوطات التي تقوم بنسخ المخطوطات وإعدادها للطبع.
- الاهتمام بعلم التاريخ والآثار:
من المظاهر الثقافية لعصر النهضة أن الدراسات التاريخية بالذات تقوم على أسس علمية - فلم يصبح علم التاريخ مجرد سرد لما تناوله الناس. لكنه أصبح يقوم على المصادر الأصلية، فظهرت المدارس في النقد التاريخي العام على أسس علمية، وأصبحت الوثيقة التاريخية تمر بمراحل عدة حتى تثبت صحتها من عدمه وحتى يمكن أن تبني عليها حقائق تاريخية أو أن يشك في صحتها، وظهرت علوم جديدة متصلة بهذه الوثائق متعلقة بدراسة العصر الذي كتبت فيه هذه الوثيقة، والمواد المستخدمة، وأصبحت هذه الدراسات تتسم بطابع حرية الرأي وحرية التعبير وعدم التقييد بالموضوعات الدينية والتحرر من الخرافات والبدع.
كذلك شهدت النهضة الفكرية اهتماما خاصا بدراسة الآثار والتنقيب عنها واعتبارها رمزا لدراسة حضارة وتطور شعب من الشعوب.
- الفنون الجميلة:
كانت الفنون مزدهرة في العصور القديمة، لكن فرضت عليها القيود في العصور الوسطى مما أدى لانحطاطها، وكان الفنانون الإيطاليون أصحاب الفصل في ابتكار الفن الحديث.
فبعد أن كانت الفنون تتجه لخدمة الكنيسة والأغراض الدينية فحسب، وتتقيد بقيود شديدة- تحرر الفنان الإيطالي فقد نمت في الفنون روح متحررة مشغوفة بالمظاهر الطبيعية، ومن أهم الفنون:
أ- فن الرسم والتصوير: فقد تميز كثيرون من الفنانين بنزعة التحرير فأخرجوا صورا تنبض بالحياة
وممن برز في هذا الفن روفائيل Rophael (1483 - 1530)، وتمثلت عبقريته في صورته عن أسرة المسيح والعشاء الرباني، ثم ليونارد دافنشي L. Devinche (1452 – 1519 )، وقد برع في الموسيقى والهندسة ومن أشهر صوره صورة الجوكندا La Jocanda وهي لسيدة إيطالية من نابلي تدعى مونالويزا.
ثم ميشيل أنج (M. Ange) (1475 - 1564)، وكان أيضا متعدد الثقافة، والبعض يغتبر روفائيل، وليونارد دافنشي، وانج ثالوث الفن.
ب-في النحت: لم يتقيد فنانو عصر النهضة بقيود العصور الوسطى، فأبرزوا مفاتن جسم الإنسان بدون التقيد بالقيود التي كانت مفروضة في العصور الوسطى.
ت- فن العمارة: برزت فلورنسا في فن العمارة، ثم البندقية، وروما
- العلوم الحديثة والمنهج العلمي في البحث:
يعتبر التقدم العلمي من أبرز مظاهر النهضة الحديثة، وقد أتاح لهذا التقديم المنهج الذي أصبح سائدا في البحث العلمي، وهو ما يطلق عليه (المنهج العلمي في البحث). وكانت المعامل والجامعات هي أماكن البحث والتجريب للنظريات العلمية المتعلقة بالصناعات المختلفة، وشمل التطور الفكري والعلمي جميع النواحي في المجتمع الأوروبي، فتقدمت المواصلات ووسائل الاتصال.
- النتائج الثقافية للكشوف الجغرافية:
كان لحركة الكشوف الجغرافية أثر كبير في نمو وتطور بعض العلوم، فعلى سبيل المثال، كانت قد تغيرت المبادئ الجغرافية القديمة تغيرا جذريا، فنجد هناك معلومات جديدة عن الأرض من حيث حجمها وشكلها والقارات الموجودة عليها وعدد المحيطات، وحدثت تغيرات في علم الفلك ، فقد ظهرت لعلماء الفلك نجوم جديدة لم يتوصلوا إليها إلا عن طريق الإبحار إلى الجنوب، وما كانوا ليصلوا إليها بمراصدهم في القارة الأوربية.
وفي المجال التاريخي لم تعد المعلومات التاريخية مقصورة على القارات القديمة فقط (آسيا – أوربا - أفريقيا)، بل شملت القارات الجديدة المكتشفة. وفي الزراعة كشفت محاصيل زراعية جديدة لم تكن أوربا تعلم عنها شيئا، من نتائج الكشوف الجغرافية أنها أدت إلى إدخال عدد كبير من سكان المستعمرات إلى المسيحية، فقد كانت الحملات تخرج من أوربا ومعها مبشرون مسيحيون يعملون في المستعمرات على إدخال أهلها إلى المسيحية، وقد نجحت هذه المحاولات بشكل جدي في العالم الجديد خاصة .