طريقة عمل الجهاز النفسي

    الطاقة الليبيدية تتمركز على مستوى اللاشعور، مصدر الليبيدو ثابت لا يتحرك وظيفته انتاج الطاقة، وعندما تصل هاته الطاقة إلى منطقة الغرائز تبعث فيها الحياة والدوافع (غريزة الحياة والموت). وعندما تتحرك الغرائز تنتج لنا الرغبات والنزوات التي تصبح مطلبا وضرورة ملحة تطلب وتستلزم تلبيتها.

    فحسب التحليل النفسي هناك مسالك تنساب منها الطاقة الليبيدية سواء على مستوى الرغبات أو النزوات. والفاصل بين الشعور واللاشعور هو افتراضي، فعندما نصطدم بأرضية الواقع، فهذا الأخير قد يسمح أو لا يسمح بتجسيد الرغبات. إذن متى يحدث الخلل؟

    الخلل يحدث سواء في مرحلة الأزمة "1" (السنة 3) –بهذف التمايز الأنوي- أو الصراع الذي يقع في المرحلة الشرجية أو الأوديبية او المراهقة أو ما بعدها. فعندما يصطدم تحقيق الرغبة مع الواقع، تبقى الطاقة الليبيدية على مستوى ما قبل الشعور ثم تتراجع عائدة إلى مصدرها (أي اللاشعور) وهنا تتراكم ولكن لا تقبل أن تبقى حبيسة اللاشعور، فتبحث عن منافذ ومسالك ثانوية عوض المسالك الطبيعية المسدودة، والمشكل الذي يحدثه الانحرااف الليبيدي هو إثارة الغرائز أكثر فأكثر، وهاته الاخيرة عندما تصلها الطاقة تصبح أكثر إلحاحا وقد تكون سخيفة وشاذة (كالرغبة في اشعال النار أو التعري أمام الاخرين).

    عندما تصل الرغبات إلى الشعور يستحضر الأنا مختلف الميكانيزمات الدفاعية لتحقيق هذه الرغبة أو طمسها و تثبيطها. وهنا نستخدم الميكانيزمات الدفاعية بطريقة عقلانية، لكن عندما يستمر التوتر على مستوى الأنا، فإن الفرد يستخدم الميكانيزمات بشكل مفرط فيفقد وظيفته ويصبح سلبيا (مثال: عندما نستخدم النفي بشكل مفرط كما هو الحال في الذهان، حتى أنه يصل به الحد إلى نفي الواقع).

    فالسواء من منظور S.Freud هو ان المسالك المستخدمة من طرف الطاقة الليبيدية يجب أن تكون طبيعية وفقا للعقل، فكلما كان التنظيم سيد الموقف كلما كانت الشخصية  تتمتع بالسواء والاتزان. فكل ما اتفق معه "العقل" اتسم بالعقلانية وبالاتزان وكل ما اختلف معه اتسم بالشذوذ واللاتوازن.

    ولكن العقل لا يكون هو الحاكم الوحيد لأنه سوف يصطدم بالدين والنصوص الشرعية (التي حاربت ولاتزال تحارب الطرح الفرويدي). ف "فرويد" يعتبر السلوك الديني سلوك عصابي. والسبب الذي جعل فرويد يتشبث بالعقل كحكم هو أن الدين يتماشى مع ما هو غيبي، في حين أن العقل لا يتقبل ذلك. وبالتالي أين تكمن النقاط الفاصلة بين العقل عند "فرويد" والدين:

    نحن نعلم أن فرويد اعتمد على الخرافات والاساطير، فأين هو العقل والمنطق، وهو ايضا ينظر للمكون اللاشعوري (الطاقة الليبيدة) كمكون مادي، وهذه المحتويات المادية التي يتضمنها اللاشعور قد تصبح شعورية إذا سمح لها بالظهور والتجسيد وإن كانت ستظهر بطريقة مقنعة كما هو الحال في الاحلام التي لا تتجزأ عن اللاشعور، ونفى ان هناك مكون من مكونات الشخصية والمتمثلة في المكون الروحي.وهنا يكمن المفصل والنقطة الجوهرية للاختلاف.

    والطرح الديني الصوفي يقول بأنه لا يمكن الولوج لجانب النفسي الروحي إلا من خلال تخطي العقول. فبالنسبة للدين والمتصوفة المحرك البشري هي "الروح" (الطاقة الروحية) التي تمدنا بوسائل الحياة، والانسان المتزن بالنسبة لهم هو الذي وظف الطاقة الروحية من خلال سلوكات الولوج والوقوف على الروحانية.

آخر تعديل: الأربعاء، 27 نوفمبر 2024، 8:33 PM