.
الدرس 13: الوحدة الإيطالية
تمتعت إيطاليا بمقومات طبيعية وجغرافية ساهمت في تشكل ونمو قوميتها، فهي تملك جنساً واحداً يدين بدين واحد ولغته وعاداته المشتركة.
1- عقبات الوحدة: تأخرت الوحدة الإيطالية بسبب عوامل متعددة أبرزها:
إبقاء مؤتمر فيينا على أجزاء إيطاليا مقسمة وإعادة النفوذ النمساوي عليها، فنجد بها سبع دول أهمها بيدمونت ونابولي والبندقية، وولايات البابوية.
عودة البابوية إلى سياستها الرجعية السابقة التي تدعم امتيازات الكنيسة وكبار رجال الدين وتحارب الأفكار الحرة.
حرص النمسا بقيادة مترنيخ على إبقاء الإمارات الإيطالية تحت النفوذ النمساوي.
وقد لمس الإيطاليون فوائد الوحدة في عهد نابوليون، وتأثروا بمبادئ الثورة الفرنسية، وقد ساد ايطاليا بعد مؤتمر فيينا 1815م حالة من الفساد وسوء الحالة الاقتصادية، وفرضت الضرائب، وعانى الناس من الملاريا والبؤس يسبب فقدان الأراضي وبقائها بوراً.
2- مراحل الوحدة :شهدت إيطاليا تذمراً واسعا بسبب العوامل السابقة خاصة من طرف المثقفين وخريجي الجامعات لكن مواقفهم لم تكن موحدة وتعرضت للقمع الشديد من طرف الحكومات الرجعية مما دفعها نحو العمل السري.
الجمعيات السرية ظهرت الكثير من الجمعيات السرية التي كان لها الأثر البالغ في التمهيد للوحدة، وأبرزها جمعية "الكاربوناري" وتألفت من المشتغلين بحرق الأخشاب وإنتاج الفحم ومقرها نابولي، وقد ضمت في 1816م حوالي 60 ألف عضو وانتشرت في باقي ممالك إيطاليا، وأهم إنجازاتها قيادة ثورتين في 1830م و 1831 تأثر بثورات فرنسا واسبانيا.
حركة ماتزيني: ولد ماتزيني في جنوة عام 1805 ودرس بها حيث حصل على الدكتوراه في
القانون في 1828م، وكتب عدة مقالات عن الوضع السياسي الإيطالي أكسبته شهرة واسعة وفي 1830م أدخل السجن بتهمة المشاركة في الثورة مع جمعية الكاربوناري، وبعد خروجه هرب إلى كورسيكا ثم مرسيليا حيث أسس بها جمعية "إيطاليا" الفتاة" حيث ضمت الكثير من المثقفين من رجال الفكر والقانون، ومنهم "غاريبالدي"، وطالب ماتزيني بالاهتمام بالأدب القومي وإجراء إصلاحات في التشريع والتعليم تمهيدا للوحدة، وقاد هو وأتباعه عدة حركات ثورية من 1833 حتى 1845، ورغم آنها باءت بالفشل إلا أنها تركا أثراً بالغاً في تحقيق الوحدة.
حركة المعتدلين (جيوبرتي ودازجيليو): تميزت أفكار جيوبرتي (من رجال الدين في بيدمونت) باعتقاده في قيادة الكنيسة للحركة القومية وفي رفضه للعمل الثوري والعنف كوسيلة لتحقيق الوحدة، وفي الشكل الكونفدرالي للربط بين الوحدات الإيطالية بدلا من الوحدة الكاملة.
أما دازجيليو فهو فنان اشتهر برسم اللوحات وكتابة القصص، وأهم كتبه "الحوادث الأخيرة في رومانا" تعرض فيها للثورة في أقاليم البابوية عام 1845م، وطالب الإيطاليين بالالتفاف حول بید مونت لتحقيق الوحدة.
حركة الألبرتين: تنسب لأمير بيدمونت شارل" البرت" متأثرين بأفكار دار جيليو حيث بدأت بيدمونت تظهر كقوة سياسية لها وزنها في قيادة الحركة القومية، وبدأت أراء زعماء الحركة القومية تتقارب لإنجاح الوحدة، كما أن البابا بيوس التاسع بدأ يعمل على إصلاح الأوضاع في الولايات البابوية، فأطلق سراح المعتقلين وساوى بين المدنيين ورجال الدين في دفع الضرائب.
قيام الوحدة بقيادة بيدمونت: اندلعت ثورات داخلية في 1848 في كل من فرنسا والنمسا مما شجع الإيطاليين على الثورة ضد القوات النمساوية وطردها من شمال إيطاليا وأعلنوا قيام الجمهورية، كما أعلنت بيدمونت الحرب على النمسا، لكن انقسام الإيطاليين بين مؤيد لألبرت أمير بيدمونت وأنصار ماتزيني (النظام الجمهوري) وأنصار البابوية، أتاح الفرصة للجيش النمساوي على تحقيق النصر في جويلية 1848م واضطر ألبرت لعقد هدنة بشروط قاسية، فاضطر للتنازل على العرش لابنه فكتور إيمانويل لمواجهة الموقف.
قام فكتور إيمانويل بإصلاحات دستورية واقتصادية أدت إلى التفات الوطنيين حوله، واستعان في ذلك بوزيره الأول "كافور"، وفي عام 1858م عقد اتفاقا سريا مع نابوليون الثالث ملك فرنسا من أهم بنوده تعاون فرنسا مع بيدمونت في حال بدأت النمسا العدوان وقيام اتحاد بين الولايات الإيطالية بزعامة البابا ثم تحرش كافور بالنمسا والتي أعلنت الحرب، فحقق الطرفان فرنسا وبیدمونت انتصارات ساحقة ضد النمسا لكن توقف فرنسا وانسحابها نظرا لخسائرها في الحرب وخشيتها من قيام مملكة قوية في ايطاليا تهددها، أدى إلى عقد صلح زيوريخ عام 1859م، حيث تضمن بنودًا أهمها قيام اتحاد إيطالي بزعامة البابا، واحتفاظ النمسا بالبندقية، وعودة الحكام السابقين لولايات الشمال.
ثار الإيطاليون في الشمال رافضين عودة الحكام السابقين، وأعلنوا انضمامهم إلى بيدمونت واستغل كافور ذلك حيث أجرى استفتاء كانت نتائجه مع ضم الشمال لبيد مونت فأعلن في 1860م توحيد إيطاليا الشمالية.
واستعان كافور ب" غاري بالدي" حيث نزل برجاله في صقلية ثم نابولي فاستولى علها، ولما أعلن البابا الحرب على بيدمونت انتهز كافور الفرصة وضم أملاك البابوية ما عدا روما، وفي 18 فبراير 1861م اجتمع أول برلمان إيطالي في "تورين" ضم نوابا عن كل إيطاليا ماعدا البندقية وروما، ونودي ب فكتور ايمانويل" ملكاً على ايطاليا، وفي عام 1866م رجعت البندقية إلى ايطاليا بعد هزيمة النمسا أمام بروسيا، كما رجعت روما بعد انسحاب القوات الفرنسية إثر هزيمة فرنسا أمام بروسيا في معركة سيدان 1870م، وانتقلت العاصمة إلها.
في عام 1871م أصدر البرلمان تشريعاً يحدد العلاقة بين المملكة والبابوية، حيث خصص للبابا مكان في روما يضم مجموعة الكنائس القديمة وقصر البابوية شمال المدينة وسمي ب " الفاتيكان"، ورفض البابا التشريع ولم ترضخ البابوية حتى عام 1929م في عهد موسوليني.
3- مشاكل ما بعد الوحدة: واجهت ايطاليا بعد الوحدة مشاكل متعددة أبرزها:
التباين الشديد بين الشمال المتقدم صناعيا وتجاريا والجنوب حيث تسود الزراعة.
واجهت الدولة مشكلات اقتصادية كثيرة خاصة شح الموارد لإنجاز مشروعات الري والمواصلات والإدارة .............الخ، فاضطرت لفرض الضرائب وزيادة الاستيراد.
زيادة عدد السكان حيث بلغ 26 مليون عام 1870م، والتباين الاجتماعي بين الشمال والجنوب.
مشكلات ما بعد الوحدة مع البابوية حيث وقفت هذه الأخيرة في مواجهة الدولة المدنية، وقد اتجهت ايطاليا نحو الاستعمار لمواجهة المشاكل الداخلية فاستولت على إريتريا والصومال وليبيا.