.
الدرس رقم 03: وقائع الثورة الفرنسية -
1- أسباب الثورة:
تعددت السباب التي أدت إلى الثورة الفرنسية، وشملت مجالات متعددة سياسية، فكرية، اجتماعية،
واقتصادية، حيث كان الشعب الفرنسي يعاني من الظلم والفساد وسوء نظام الحكم.
Ø العوامل الفكرية: كان للمفكرين الذين برزوا في المجتمع الفرنسي الأثر الفعال في إثارة الدافع
نحو الثورة لدى المجتمع الفرنسي، وفي مقدمتهم نجد:
أ. فولتير 1774-1694: تميزت كتاباته بالأسلوب الساخر حيث هاجم الكنيسة وانحرافها عن
المسائل الروحية، ونادى بإصلاح القضاء ونظام الضرائب.
ب. مونتسكيو 1755-1689: ألف كتاب روح القوانين سنة 1748 وناقش فيه النظريات السياسية السائدة في عصره وأشاد بالنظام الإنجليزي وهاجم الاستبداد.
ت. ج جاك روسو 1778-1712: يعتبر كتابه "العقد الاجتماعي" سنة 1762 بمثابة إنجيل الثورة
الفرنسية، حيث يرى أن أساس المجتمع السليم هو العقد الاجتماعي بين أفراد متساوين في الحقوق والواجبات.
Ø العوامل السياسية: ورث الملك لويس 16 أوضاعا صعبة في فرنساء وقد خيب الآمال المعلقة عليه بسبب ضعفه وخضوعه لزوجته ماري أنطوانيت (من أصول نمساوية) والتي عرف عنها البذخ والإسراف الشديد والبعد عن مصالح الشعب. وقد اضطربت أحوال الإدارة وزادت سلطة الأقاليم على حساب السلطة المركزية.
وفي المقابل لم يكن في فرنسا برلمان قوي مثل إنجلترا، بل كان برلمان باريس بمثابة هيئة قانونية مهمتها
تسجيل القوانين، بينما لم ينعقد مجلس طبقات الأمة (الأشراف رجال الدين والعامة) منذ 1614م
(150عاماً)، كما أن نجاح الثورة الأمريكية بدعم من فرنسا 1783م، وانتشار أفكار الحرية والعدالة
ومقاومة الامتيازات قد أثر في أوضاع فرنسا وساهم في التعجيل بقيام الثورة.
Ø العوامل الاجتماعية: كان المجتمع الفرنسي يعاني من الطبقية حيث نجد ثلاث طبقات هي:
أ- الأشراف: تراجعت مكانة هذه الفئة لصالح ملوك أقوياء خلال العصور الوسطى، وخاصة بعد تعطيل مجلس الطبقات، ولكنهم حافظوا على امتيازاتهم.
ب. رجال الدين: كانت الكنيسة تملك مساحات كبيرة من الأراضي الخصبة، وكان كبار رجال الدين ينعمون بالثراء الفاحش بينما صغار القساوسة يعانون من الفقر والحاجة ولذا فقد انضموا لدعاة الإصلاح.
ت. العامة: شملت هذه الطبقة عدة طوائف منهم المتعلمون والمفكرون ورجال القانون والحرفيون والفلاحون وجنود الجيش، لم يكونوا راضين عن أوضاعهم وساخطين على بقية الطبقات.
Ø العوامل الاقتصادية: كانت أحوال فرنسا الاقتصادية سيئة للغاية، حيث تعددت الضرائب وتنوعت وأعفي منها الأغنياء والنبلاء ورجال الدين، وفرضت القيود على حركة النقل، وأهملت الزراعة.
كما أن إسراف الملك وحروب فرنسا الخارجية ودعمها للثورة الأمريكية، قد أغرق البلاد في الديون، مما
اضطر الملك لطلب عقد مجلس الطبقات لفرض ضرائب جديدة.
2- اندلاع الثورة:
طالب ممثلو العامة بزيادة عدد ممثليهم، وتحويل مجلس الطبقات إلى جمعية وطنية، بحيث تمثل جميع فئات الشعب بعدالة، وقد لقي هذا الاتجاه مقاومة من النبلاء ورجال الدين، وقد انتصر العامة في ذلك بسبب تشتت مواقف منافسيهم، فاضطر الملك إلى إصدار الأمر بغلق قاعات الاجتماعات أمام ممثلي العامة، فانتقلوا إلى ملعب تنس مجاور وأعلنوا قيام الجمعية الوطنية (600 عضو) وأقسموا على عدم المغادرة حتى يتم إنجاز الدستور، بينما تشرت الفوضى في جميع أنحاء البلاد، وفقدت الحكومة هيبتها، حيث تشكلت هيئات في المدن خاصة باريس تخضع لزعماء سياسيين بهدف الضغط على الملك والجمعية الوطنية.
هاجمت الجماهير سجن الباستيل رمز الاستبداد والظلم وهو من حصون العصور الوسطى وكان لسقوطه في 1789/07/14 الأثر البالغ في تقوية الثورة حيث توطد مركز الجمعية الوطنية. واعترف الملك بسلطة بلدية باريس والحرس الوطني، ثم اتجهت المظاهرات بقيادة النساء إلى قصر فرساي مطالبة بالخبز، وأرغم الملك على الإقامة بباريس.
وقد نجحت الجمعية في إلغاء الحقوق الإقطاعية، واعلان حقوق الانسان حيث نصت على احترام طبيعته، والحرية والمساواة، كما وضع دستور للبلاد ينظم السلطات ويحد من سلطة الملك، وقسمت البلاد إلى 80 إقليما حسب الاعتبارات الجغرافية والعلمية، وأصبح القضاء مستقلا، أما في المجال الديني فألغيت امتيازات الكنيسة وصودرت الكثير من أملاكها واتجهت البلاد نحو التسامح الديني بما يكفل للبروتستانت وغيرهم حرية العبادة.
حاول الملك لويس 16 الهروب إلى النمسا، إلا أن فشل المحاولة أدى إلى اندلاع حروب خارجية أدت إلى تراجع الجيش الفرنسي، مما أغضب الثوار وأدى إلى عزل الملك، وسجنه ثم إعدامه لاحقا في 1793م.
حقق الجيش الفرنسي بعض الانتصارات الخارجية على النمسا خاصة في بلجيكا، لكن إعدام الملك
وإعلان النظام الجمهوري، قد ساهم في توتر العلاقات الفرنسية الأوروبية وإعلان الحرب مع هولندا.
إسبانيا، بروسيا، النمسا وإنجلترا.
أما في الداخل فقد شكل الثوار لجنة الأمن العام 1793م، حيث ستحكم فرنسا حتى 1795م وأبرز قادتها دانتون" و"رويسبيير"، وانتشرت الخلافات بين الثوار وأدت الاتهامات المتبادلة بالخيانة والتآمر على الثورة إلى تشكيل محاكم ثورية وإعدام المتهمين فيما عرف بعصر الإرهاب في فرنسا.
تولت حكومة الإدارة ما بين 1795 و1799م الحكم في فرنسا، وخاضت حروبا كثيرة ضد الدول المجاورة، وشهدت اضطرابات داخلية، وبرزت شخصية الجنرال نابوليون بونابارت خاصة في الحملة على إيطاليا، وإخضاع النمسا للصلح، كما برزت إنجلترا كعدو ومنافس للثورة الفرنسية، فصدر الأمر لنابوليون بتسيير حملة إلى مصر لضرب المصالح التجارية الإنجليزية عام 1798م.