المحاضرة الخامسة: أشكال وصور المقاولاتية ومحدداتها

تمهيد: كان للتطور الذي عرفه الاقتصادي الدولي والفورة التكنولوجية خصوصا في حقل الاتصالات دورا حيويا في خلق أنشطة اقتصادية جديدة تقدم منتجات مبتكرة وخدمات حديثة لم يسبق تقديمها ما انعكس على تعدد وتنوع أشكال المقاولات والمؤسسات المنشأة، لذلك نخصص هذه المحاضرة لتناول صور تجسيد المشروع الاستثماري المقاولاتي وتحديد المحددات الأساسية لترقية النشاط المقاولاتي.

1-أشكال المقاولاتية: تتعد الصور التي يمكن للمقاول من خلالها تجسيد مشروعه المقاولاتي الذي يمكن أن يتخذ الشكلين أساسيين يحمل كل منهما صور متعددة نوردها فيما يلي:

1-إنشاء مؤسسة جديدة: تحد يرفعه المقاول الحامل للفكرة الخلاقة ويقدم على تجسيدها من خلال إنشاء مؤسسة جديدة من الصفر بعد تحليل مختلف الاحتمالات والبدائل واتخاذ القرار بإنشائها، إذ بعد توفر الفكرة المبدعة القابلة للتنفيذ والتسويق قوم المقاول بجميع الإجراءات الضرورية إداريا وتنظيميا ويحشد المارد اللازمة (المادية والمالية والبشرية) لتنفيذ المشروع ومتابعته ودخوله مرحلة الإنتاج للسلعة أو الخدمة. وقد يتم إنشاء مؤسسة جديدة بعدة صور:

1.1-إنشاء مؤسسة من عدم: يعتبر الشكل الأكثر جاذبية لزيادة مشاريع الشباب المبتكر كما أنه الأكثر انتشار إذ أن المقاول صاحب الفكرة الاستثمارية هو الذي يعمل على تنفيذها بموارد محدودة غالبا، وتتطلب عملية إنشاء مؤسسة من عدم الكثير من الجهد والجلد وتخطيطا كبيرا وصبرا مقاولاتي حتى يخرج المنتج أو الخدمة إلى الوجود.

2.1-إنشاء مؤسسة عن طريق الامتياز: عقد الامتياز هو عقد ينصب على عمليات التسويق يربط بين المؤسسة المالكة للامتياز وبين المؤسسة المرخص لها مستقلة عن المؤسسة الأولى باستعمال موضوع الامتياز الذي يتضمن بيع منتوج أو خدمة مقابل تعويض مالي. وهذا يعطي للمؤسسة المرخص لها حق استعمال العلامة التجارية للمؤسسة مالكة الامتياز واستفادة من خبراتها مقابل رسوم مالية متفق عليها في العقد.

3.1-إنشاء مؤسسة عن طريق التفريغ: في هذه الصورة يعمد صاحب العمل إلى مساعدة ودعم ومرافقة العامل/المقاول الذي يختار إنشاء عمله المستقل ومؤسسته الخاصة خصوصا إذا ارتبط نشاطها بنشاط المؤسسة الأم بما يحقق مصلحة الطرفين، إن هذا الشكل هو إنشاء لمؤسسة من عدم لكن بمرافقة ودعم من المؤسسة التي كانت توظف العامل/المقاول، فهذا الشكل موجه للعاملين المقاولين وليس للبطالين أصحاب الطموح المقاولاتي.

2-شراء مؤسسة قائمة: لما كانت المقاولاتية هي اقتناص للفرص المتاحة بالمبادرة فإن هذا الشكل يترجم ذلك بإن يقبل المقاول على اقتناء عمل قائم بعد دراسة تحليلية للفرص المتاحة من خلال عملية الشراء هذه، ويأخذ هذا الشكل صوراتان:

1.2-شراء مؤسسة قائمة في حالة جيدة: بالنظر إلى النتائج المرضية التي تحققها هذه المؤسسة فقد تكون محط اهتمام الفرد المقاول بالنظر إلى قدراتها الفرص التجارية التي تتيحها فيعند إلى شرائها لكن في الغالب ذلك يتطلب المعرفة الحقيقية لحالة المؤسسة وقدرات مالية معتبرة.

2.2-شراء مؤسسة تواجه صعوبات أو مفلسة: قد يعمد المقاول لتجسيد مشروعه إلى شراء مؤسسة تواجه صعوبات أو مؤسسة كانت قائمة وأعلنت إفلاسها وتصفيتها وذلك لأنه يقدر أنه أما في حاجة سريعة وملحة لهذه المؤسسة حتى تكون قاعدة مشروعه المقاولاتي ولا يبدأ من الصفر أو أنه يقدر أن المؤسسة واجهت الصعوبات لسوء السلعة أو الخدمة التي تنتجها أو لأسباب متعلقة بتنظيم وتسيير هذه المؤسسة أو لأي أساب أخرى يقبل المقاول فيها هامش المخاطرة.                                        

2-محددات النشاط المقاولاتي: إن النجاح في بعث النشاط المقاولاتي وريادة الإعمال يتطلب مناخ أعمال مستقر وبيئة تثمن هذا النشاط وتدعمه بالنظر إلى أهميته الاقتصادية والاجتماعية وما ينتظر من مساهمته في التنمية المستدامة وهذا ما يعبر عنه بمحددات المقاولاتية التي نوجزها في النقاط التالية:
1-المحدد المؤسساتي: تلعب المؤسسات دورا حيويا في التأثير على القيم والمعايير المتبناة من قبل المجموعات الإنسانية فهنالك مؤسسات تسوق للمنطق الاقتصادي وتدفع إلى الاقتناع بأن الربح الاقتصادي والحدية الاقتصادية والبحث عنه يمثل قيمة محورية يجب أن تكون محرك النشاط المقاولاتي، لكن بالمقابل هنالك مؤسسات أخرى تنقل للمجتمع قيم ومعايير اجتماعية والتي تثمن الملك العام –أي المحيط العام- مثل قيم المحافظة على المحيط البيئي كملك جماعي هذا من، ومن جهة ثانية فإن توفر مؤسسات –إطار مؤسسي تنظيمي- تدعم وترافق وتساهم في إنشاء المؤسسات وتمويلها يمثل محفز حقيقي وفعال لزيادة كثافة النشاط المقاولاتي في النسيج الاقتصادي للدولة على غرار الدار المقاولاتية في الجزائر ومؤسسات ANGEM ANSJ.

2-الإطار التشريعي: إن سن القوانين الداعمة والمسهلة والدامجة للمقاولاتية في القطاع الاقتصادي ييلعب دورا حيويا في تنشيط المقاولاتية لذلك تصدر الدول التشريعات التي تحث خصوصا الشباب على استحداث مؤسساتهم الخاصة واستغلال قدرات الابتكار والدفع باقتصاد المعرفة وهذا ما سعت إليه السلطات العمومية في الجزائر بإصدار نصوص قانونية متعلقة بالمؤسسات الصغيرة والمتوسطة والمؤسسات الناشئة وقانون المقاول الذاتي.

3-محدد القيم: تحكم كل مجتمع مجموعة من القيم  يصنع منها صرحا لتكون هادي أفراده في حياتهم ومنها تلك القيم التي تكرس الطموح والنجاح والحياة الكريمة وغيرها والتي يتشبع بها أفراده منذ الصغر، فيبحث كل فرد عن النجاح في حياته ويخطط لذلك حالما يبلغ سن الحلم ويسعى بذلك لتحقيق ذاته فمن منا لم يسمع السؤال الموجه للصغار "ماذا تريد أن تصبح عندما تكبر" ويأتيك الجواب فمن الأطفال من يحلم أن يكون طبيبا ومنهم المحامي ومنهم الدركي ومنهم الرياضي ومنهم من يريد أن يكون فنانا وغيرها من الأجوبة، لكنك لن تسمع وإلا في حالات خاصة من يقول لك أريد أن أكون مقاولا ناجحا وصاحب مشروع لكون أن المجتمع والدولة بمؤسساتها على حد سواء لم يطوروا قيمة الروح المقاولاتية.

 لذلك من الضروري على الدولة أن تبعث من خلال استراتيجيات علمية على غرس روح الطموح والمبادرة والابتكار بين أفراد المجتمع كقيم اجتماعية عالية باستعمال وسائل الإعلام وفضاء الانترنت وفي المدارس والمعاهد والجامعات والمساجد بحث تتحول تلك الصفات إلى قيم يقدرها المجتمع وذلك ما سيساهم في كثافة النشاط المقاولاتي.  

Last modified: Saturday, 23 November 2024, 4:35 PM