المحاضرة الرابعة: المقاربات النظرية للمقاولاتية

تمهيد: بالنظر إلى الأهمية التي تكتسيها المقاولاتية في جميع أبعادها كما أشرنا إلى ذلك في المحاضرة السابقة اهتمت البحوث العلمية بها وبتطور أدوارها وحتى وإن لم يقع أجماعا من الباحثين على المقاربات التي تبنتها نظرا لاختلاف تجارب الدول فيها واختلاف الحقول العلمية التي اهتمت بها على غرار الاقتصاد وعلم الإدارة وعلم التسيير والعلوم السياسية وعلم الاجتماع وغيرها من الحقول المعرفية، الإ أنه يمكن إجمالها في ثلاث مقاربات أساسية تبعا للتطور الزمني لهذا الحقل وهي:

1-المقاربة الوظيفية: ساد هذا الاتجاه قبل الستينات من القرن الماضي واهتم بالجانب الاقتصادي للمقاولاتية وركز على وظيفة المقاول القائمة على تحمل المخاطر والعمل في ظروف الشك واللايقين معتمدا على قدراته في تنظيم العمل والتوظيف الأمثل للعمالة وتعبئة الموارد اللازمة وضمان تنفيذ المشروع في الوقت وبالكفاءة والجودة المطلوبة ضمن الميزانية الموضوعة للمشروع مسبقا لتحقيق الأهداف المرجوة والمحددة أيضا مسبقا.

 ومن أهم مظاهره تعدد المحاولات لتعريف المقاول إنطلاقا من وظائفه الاقتصادية وهذا ما أسهم في تطور مفهومه تماشيا مع التحولات التي عرفها النظام الاقتصادي العالمي ، وحتى وإن استعمل لفظ المقاول منذ 1616 لدلالة على المتعهد الذي يبرم عقدا مع السلطات العمومية للقيام بعمل أو ضمان توريد شيء. ويعود الفضل لي "ريتشارد كونتيو" Richard Contillon سنة 1755 و "جون باتيست ساي" Jean Baptiste say سنة 1803 إلى إدخال مفهوم المقاول إلى النظرية الاقتصادية وأصبح ينظر إليه على أنه الشخص الذي يتحمل المخاطر ويقوم بتوظيف أمواله الخاصة في مشروع خاص.

 ركز منظرو هذه المقاربة على الوظيفة الاقتصادية للمقاول وأثرها على السوق كآلية لفهم النشاط المقاولاتي، ما جعل "جوزيف شومبتير" Joseph  Schumpeter يعتبر المقاولاتية عملية تدمير الأخلاق في معنى كسر التوازن الموجود في السوق من خلال قيام المقاول الذي يعتبره فردا مبدعا ومبتكرا بإبتكار منتج أو خدمة جديدة ما يدفع إلى خلق عرض وطلب جديدين (توسيع السوق) وتحقيقه لثروة طائلة من وراء هذا الابتكار.

2-المقاربة السلوكية: ركز هذا الاتجاه على المقاول في حد ذاته من خلال دراسة خصائصه النفسية على غرار الإنجاز والتفوق وتحقيق الأهداف والشخصية على غرار الوسط العائلي والمستوى التعليمي السن والخبرة المهنية، واهتم بدراسة سلوك الأفراد داخل المؤسسة وكيفية تأثيرهم على أداء المشروع. فهذه المقاربة في حقيقة الأمر هي تحليل للديناميكيات الاجتماعية للمقاول وأفراد المقاولة والتفاعلات التي تحدث بينهم، وهذا ما دفع "دافيد كلارونس مككليلوند" D. C. McClelland اعتبار المقاول هو الشخص الديناميكي الذي يخوض مخاطر محسوبة تبعا. كما عبرت دراسات السلوكيون التي بدأت سنوات 1960 وازدهرت بعد سنة 1980 على هذا الاتجاه والذي عمل على تمييز المقاول عن باقي الأفراد من خلال التركيز على خصائصه النفسية التي يمكن التعرف عليها من التنبؤ بالسلوك المقاولاتي على غرار أعمال "لوي فيليو" Louis Jacques Filion. الذي أكد انتشار الاهتمام العلمي بالمقاولاتية في كل حقول العلوم الإنسانية والاجتماعية.

3-المقاربة العملياتية: ينظر هذا الإتجاه إلى المقاولاتية حسب سير النشاط المقاولاتي إذ أشار في ثمانينات القرن الماضي "بيتر دروكر" Peter Ferdinand Drucker إلى التحول الذي عرفه النظام الاقتصادي العالمي والذي حسبه انتقل بفضل روح المقاولاتية من اقتصاد يركز في الأساس على المسيريين إلى اقتصاد مبني على المقاولين بالنظر إلى أهمية الابتكار والإبداع في إنجاح المؤسسة. كما يعرض هذا الاتجاه مجموعة الأنشطة  التي تسمح بإنشاء مؤسسة جديدة لمتغير واحد ضمن هذا النموذج وهي: البحث عن الفرصة المناسبة واقتناصها، جمع وتعبئة الموارد الضرورية، بصميم المنتج، تنفيذ المنتج، وتحمل المسؤولية أمام الغير.

  مثل هذا الاتجاه "وليام قارتنر" William B, Gartner الذي عرف المقاولاتية على أنها ذلك الشكل البسيط من العمل الذي يتمثل في إنشاء مؤسسة مع تحمل المخاطر من خلال ثلاث مراحل: الإنشاء-إعادة بعث المؤسسة-تفعيل المؤسسة. وبذلك يعتبر عملية خلق المؤسسات الجديدة هو لب المقاولاتية وأداة لتحسين كفاءة العمليات وتنظيمها بشكل أفضل ينتج أداء مثاليا من خلال تقديم تلك المؤسسات لمنتوجات وخدمات بجودة عالية. وتشمل المقاولاتية حسب هذا الاتجاه الأعمال التي يقوم بها المقاول بتجديد وتنسيق

الموارد المختلفة (مالية وبشرية وغيرها) لتجسيد فكرة في شكل مشروع اقتصادي مهيكل، كما تعني أيضا القدرة على التحكم في التغيرات التي تحدث في البيئة العامة للمقاولة ومسايرتها بإبتكار أنشطة مقاولاتية جديدة.

 

Modifié le: vendredi 22 novembre 2024, 20:41