المحاضرة الثانية: المقاولاتية والمفاهيم القربية منها

تمهيد: تناولنا في المحاضرة السابقة الجزء الأول من الإطار المفاهيمي الذي خصصناه للتعرف على المقاول والمقاولاتية لغة وإصطلاحا ولنشأة هذا النشاط الإنساني بإمتياز ثم ختمنا المحاضرة بتقديم نماذج عن التعريف المقدمة للمقاول والمقاولاتية واستمرارا لنفس المنهجية وحتى تتوضح لنا الصورة أكثر سنبدأ المحاضرة بمقاربة مفهوم المقاولاتية بمفاهيم قريبة منه.

المقاولاتية والمفاهيم القريبة منها: رغم الدور الحيوي الذي لعبه النشاط المقاولاتي للتأسيس للثورة الصناعية في أوروبا وما تبعها من تطور اقتصادي وتجاري عرفته المجتمعات الغربية وتحول النشاط المقاولاتي نحو اقتصاد المعرفة وتطوير المهارات والابتكار، إلا أن المفهوم لا يزال يشوبه بعض الغموض في أذهان الجمهور العام في مجتمعنا ويرتبط هذا المفهوم غالبا بالمقاول النشط في مجال البناء والأشغال العمومية وفي ذلك إجحاف في حق هذا المفهوم هذا من جهة. أما من جهة قانية فإن التوسع الذي عرفه هذا المفهوم سواء على مستوى الإعلامي أو تحت زخم الاهتمام التي توليه له السلطات العمومية، وأصيح يرتبط استعمال هذا المفهوم بمفاهيم متعددة ذات الصلة به نستعرض مع طلبنا الكرام ثلاث مفاهيم منها على عجالة:

-الروح المقاولاتية: يرتبط مفهوم الروح المقاولاتية بالطموح والمبادرة والرغبة في التوجه نحو النشاط الليبرالي الحر –في مقابل الوظيفة في مؤسسة عمومية أو خاصة- من قبل بعض الأفراد الذي يشكل بالنسبة لهم طموح خلق مقاولة غاية يسعون إليها عن رغبة. ويرتبط مفهوم روح المقاولاتية عند الأفراد وإرادتهم في خوض تجارب جديدة أو القيام بها بشكل مختلف عن الآخرين من خلال إنشاء مؤسسة وتوظيف الابتكار من أجل إنجاحها. وقد ميز "جارنيو ليجي" Jarniou Leger بين روح المقاولاتية وروح المؤسسة فإذا كانت الثانية تعني مجموع المواقف الإيجابية تجاه المؤسسة والمقاول، فإن الأولى تنتقد التصور الذي يعتبرها عملية على الفرص والبحث عن الموارد الكافية والمختلفة من أجل تحويلها إلى مؤسسة وتنظر إلى العملية كنتيجة ممكنة التحقق لروح المقاولاتية وليس كمفهوم مجرد لها. إذا روح المقاولاتية مرتبطة بالمبادرة والعمل والتحول إلى التطبيق إذ أن الأفراد المتمتعون بروح المقاولاتية يتسمون بالعزيمة على تجريب أشياء جديدة والقدرة والرغبة على تحويل الأفكار إلى إلى أفعال وذلك بوجود إمكانية للتغيير خصوصا وأنهم يتمتعون بالمرونة والانفتاح في قدرتهم على التعامل مع التغيير. فروح المقاولاتية لا تنحصر في عملية إنشاء المؤسسات بل هي موقف عام يمكن استعماله بفائدة مضافة من قبل كل شخص حتى في حياته اليومية أو أنشطته المهنية. إنها تترجم التوجه نحو البحث عن الفرصة والمبادرة الخالقة للقيمة وترتبط بسلوكيات معينة لدى الأفراد الحاملين لهذه الروح مثل تحمل المسؤولية. كخلاصة الروح المقاولاتية تعني: الرؤية، الاستشراف، الشجاعة الأدبية، الإقناع، الحيوية والتطور الذاتي.

-التوجه المقاولاتي: يعبر عن إرادة فردية أو واستعداد ذهني وفكري لإنشاء مؤسسة وتطويرها عرفته "باربارا بيرد" Barbara J Bird على أنه حالة العقل التي توجه إنتباه الشخص وعمله نحو العمل الحر بدلا من العمل التنظيمي. فبالنسبة لها هي مرحلة تولد مع الحاجات والقيم والعادات واعتقادات الفرد فإنشاء مؤسسة هو نتيجة مباشرة لتوجهات الفرد التي تتأثر بمتغيرات المحيط الموجود فيه. وتنظر "ك. برييات" Christian Bruyat  إلى التوجه المقاولاتي على أنه إرادة فردية تتحول إلى إنشاء مؤسسة، أي أنها رغبة تنفذ وحلم يتحول إلى حقيقة وفكرة تتحول إلى تطبيق.

 وينظر "تومسون" Neil Haron Thompson إلى التوجه المقاولاتي على أنه اقتناع ذاتي معترف به من قبل شخص يجعله ينوي القيام بمشروع عمل جديد ويخطط بشكل واع للقيام بذلك في وقت ما من مستقبله. إن ذلك يجعل منه توجه فردي نابع عن إرادة فردية في مراحل معرفية وإدراكية في إطار ظروف اقتصادية واجتماعية وسياسية وثقافية.

-الثقافة المقاولاتية: تتضمن الثقافة المقاولاتية مجمل المهارات والمعلومات التي يكتسبها الفرد ويعمل على استغلالها من خلال تطبيقها كاستثمار بإيجاد أفكار مبتكرة إنها تتضمن التصرفات والتحفيزات وردود أفعال ذلك الفرد تتجسد من خلال ايجاد الفكرة المبتكرة والتخطيط لها وصناعة قرار تطبيقها وتنظيمه وتقييم انجازه بفعل الرقابة المستمرة. وتلعب مجموعة من الفواعل على ترسيخ الثقافة المقاولاتية بداية من الأسرة فالمدرسة والجامعة والمعاهد والإعلام وتحفيزات السلطات العمومية.

 ينظر "ادغار شيين" Edgar H Schein إلى ثقافة المقاولاتية على أنها البنية التي تشكل من المسلمات الأساسية التي يتم ابتكارها أو صياغتها أو اكتشافها من قبل مجموعة معينة عندما تتعلم كيف تواجه مشاكل التكيف الخارجي والاندماج الداخلي وهي مسلمات أدت دورها صحيحة في الإدراك والإحساس في التعامل مع المشاكل المطروحة أمام المجموعة.  

 وبالعودة إلى التعريف العلمي لمفهوم الثقافة على أنها ذك الكل المركب الذي يتضمن الجوانب المادية والفكرية والروحية للإنتاج الإنساني وبتطبيقه على الحقل المقاولاتي فإن الثقافة المقاولاتية تكون الك المركب مجتمعي الذي يتضمن المحفزات التي تدفع بالمهارات المكتسبة من قبل الأفراد سواء فكريا من خلال خلق أجواء مجتمعية تحفز الإبداع وتثمنه أو روحية من خلال خلق البيئة المثالية لتطور هذا النوع من المهارات أو المادية من خلال مساعدة النشاط المقاولاتي والمساهمة في أنجاحه           بالنظر إلى أهميته.   

Modifié le: mercredi 20 novembre 2024, 19:38