المحاضرة الأولى: المحور الأول: الإطار المفاهيمي للمقاولاتية

تمهيد: يسجل في إطار السياسات الاقتصادية المنتهجة من قبل السلطات العمومية ذلك السعي إلى تشجيع المقاولاتية خصوصا بين الأوساط الشبابية الجامعية بالنظر إلى الأهمية الاقتصادية التي أصبح يكتسيها النشاط المقاولاتي خصوصا في ميدان الابتكار والتكنولوجيات الحديثة ومدى اسهامه في تحقيق التنمية في جميع أبعادها الاقتصادية والاجتماعية والبيئية، وعليه سنخصص المحاضرة الأولى من هذا المقياس في محوره الأول للتدقيق المعرفي لهذا الحقل محاولين فهم جذوره التاريخية والتدقيق في دلالاته.

-المقاولاتية كحقل معرفي: يستخدم لفظ مقاول لدلالة على حقائق تختلف بعضها عن بعض إذ أن استعماله في بعض المجتمعات يشير إلى الفاعل الاقتصادي في العصر الحديث بينما يستحضر الضمير الجمعي في بعض المجتمعات الأخرى صورة الرأسمالي المستغل للطبقات الكادحة، ويوعز هذا التباين في النظرة "للمقاول" إلى اختلاف الثقافات والتجارب التاريخية للمجتمعات، وكان ذلك وراء زخم علمي كبير اهتم بحقل المقاولاتية والمقاول جسدته البحوث والإصدارات العلمية التي تناولته بداية من الرواد الاقتصاديين الأوائل "شامبتر" Schumpeter و"ساي" Say و "كوتيو" Cantillon مرورا بمساهمة السلوكيين إلى غاية ثمانينات القرن العشرين حيث أصبح محط دراسات علمية لكل التخصصات في العلوم الإنسانية، وقد زاد هذا الزخم العلمي فعل عاملين أساسيين في رأينا: الأول مرتبط بالفورة التكنولوجية خصوصا في حقل تكنولوجيا الاتصال ما يحفز الابتكار والثاني مرتبط بتنامي الأصوات المنادية باقتصاد أخضر وأنشطة اقتصادية محافظة على البيئة بعد التدهور المناخي الذي أصبح يعرفه العالم.

-المقاولاتية لغة: لغويا المقاولة والمقاولة في المعاجم العربية من فعل "قاول" يقاول مقاولة فهو مقاول والمفعول مقاول، ونقول قاول صاحبه أي باحثه وجادله وقاوله في الأمر أي فاوضه وجادله وقاول بناء في معنى أعطاه العمل مقاولة على تعهد منه بالإلتزام بالقيام به، والمقاولة اتفاق بين طرفين يتعهد أحدهما بأن يقوم للآخر بعمل معين في مدة معينة مقابل أجر محدد. وفي لسان العرب لإبن منظور وردت اللفظة في باب قاول وقال والقول الكلام على الترتيب، وهو عند المحقق كل لفظ قال به اللسان تاما كان أو ناقصا، مع ما يحمله الجذر اللغوي لفعل قال من تحادث وتفاوض حول موضوع محدد. واللفظة في اللغة الفرنسية "Entrepreneur" من فعل Entreprendre الذي يقابله في اللغة العربية أفعال: باشر وإلتزم وتعهد مع ما ينجم عن ذلك من تحمل المسؤولية. بينما يستخدم لفظ Entrepreneur وEntrepreurship في معنى ريادة الأعمال، كما تستخدم لفظة undertaker للدلالة على الشخص الذي يعمد إلى استغلال الفرص التي تمتاز بالمخاطرة.

-الجذور التاريخية للمقاولاتية: ترى "الين فيرا" Hélène Verin أن لفظة المقاول ظهرت أول ما ظهرت في فرنسا في القرن السادس عشر  للدلالة على الشخص الذي تربطه علاقات تعاقدية مع الحكومة (الدولة) يتعهد بموجبها بتنفيذ مشاريع عمومية في مجالات البناء والأشغال العمومية وتوريد المؤن للجيش أو غيرها من التعهدات التي أصحبت تصنف كصفقات عمومية في العصر الحديث، وانتشرت في القرن السابع عشر في فرنسا لينتقل استعملها فيما بعد إلى اللغة الإنجليزية. إذا نستنتج من هذا المنظور التقليدي للمقاول عامل المخاطرة، إذ أن المقاول يعتمد على التنبؤ بكلفة المشروع ومدة تنفيذه مع ما قد يرافق ذلك من تغير ظروف السوق، ويبرز أكثر هذا العامل في اللفظة باللغة الإنجليزية Undertaker، لذلك عرفه "دافيد كلارونس مككليلوند" D. C. McClelland بأنه الشخص الديناميكي الذي يخوض مخاطر محسوبة تبعا.

وقد أخذ صورا وأشكالا مختلفة على مر تاريخ إذ مثل لب النشاط الإنساني الهادف إلى تغيير وضعه وهو قديم بذلك قدم تأسيس الأنشطة على غرار المقايضة والتبادل بين الأفراد والجماعات، وكان له دورا محدد بكل فترة تاريخية إذ اتسم القرن بالسابع عشر بالمقاول/التاجر من خلال إنشاء المؤسسات الزراعية والمانيفاكتورية والتجارية واعتبرته دراسات الاقتصاد السياسي سنة 1616 بأنه الفرد الذي يمضي عقدا مع السلطات العمومية لإنجاز أعمال مختلفة، ثم بدت البذور الجنينية للمقاول/الصناعي في القرن الثامن عشر وشهد القرن التاسع عشر بدايات المقاول الخدماتي (الأجير) إلى أن أصبحنا نتحدث عن المقاول البيئي والمقاول الاجتماعي في عصرنا الحديث مع زيادة أهمية اقتصاد المعرفة. وخرجت لفظة المقاول عن الدائرة التقليدية التي كانت تربطها بالتعهدات الحكومية لترتبط أكثر في العصر الحديث بقطاع الأعمال وتصبغ  نوع من حب المغامرة لشخص يأخذ ويتحمل الأخطار، يعبئ ويحشد الموارد بصورة فعالة ليستخدمها في ابتكار سلع أو خدمات بطرق إنتاج حديثة ومبتكرة، يأخذ في مخاطرته بعين الاعتبار لا يقين البيئة التي ينشط فيها وتقلبات الأسواق والمخاطر التي قد تنجم عن ذلك، يحدد الأهداف التي يريد بلوغها ويخصص الموارد اللازمة لتحقيقها، وكأنه الشخص الذي يحاول تحويل حلم العمل، الشهرة، القوة الاقتصادية إلى حقيقة. إن هذا النشاط المقاولاتي يشكل في نظرنا القاعدة التي أسست عليها الدول المتقدمة تطورها الاقتصادي والتكنولوجي والذي انعكس على الحياة الاجتماعية والسياسية لمجتمعاتها، فكبريات الشركات في القطاع الاقتصادي والتكنولوجي والخدماتي بدأت أفكار صغيرة لتحول إلى مشاريع تطورت ونمت مع الوقت والجهد. وهذا ما تؤكده الدراسات منذ القرن التاسع عشر لكل من "كاتيو" Catillon سنة  1755 و"ساي" Say سنة 1841 والتي وضحت أهمية المقاول للاقتصاد عموما ودوره في عملية الإنتاج. وزاد زخم الدراسات والاهتمام العلمي بالمقاول والمقاولاتية

-تعريف المقاول والمقاولاتية: يمكننا أن نميز تاريخيا على عجالة بين مقاربتين لدراسة النشاط المقاولاتي: المقاربة الوظيفية approche fonctionnelle التي تنظر إلى المقاول من منظور وظيفته ومثلتها الدراسات الاقتصادية، والمقاربة الثانية إرشادية approche indicative التي تركز على خصائص المقاول ومثلتها دراسات السلوكيون التي بدأت سنوات 1960 وازدهرت بعد سنة 1980 وعملت على تمييز المقاول عن باقي الأفراد من خلال التركيز على خصائصه النفسية التي يمكن التعرف عليها من التنبؤ بالسلوك المقاولاتي على غرار أعمال "لوي فيليو" Louis Jacques Filion. الذي أكد انتشار الاهتمام العلمي بالمقاولاتية في كل حقول العلوم الإنسانية والاجتماعية. وحتى لا نخوض في اختلاف الرؤى المعرفية للمقاولاتية بين المقاربتين لأن المقام لا يتسع لذلك نكتفي بالقول أن "وليام قارتنر" William B, Gartner عرف المقاولاتية على أنها ذلك الشكل البسيط من العمل الذي يتمثل في إنشاء مؤسسة مع تحمل المخاطر من خلال ثلاث مراحل: الإنشاء-إعادة بعث المؤسسة-تفعيل المؤسسة. وعرفها "دولنق" Dollin سنة 1995 على أنها عملية خلق منظمة اقتصادية مبدعة من أجل تحقيق الربح أو النمو تحت ظروف المخاطرة وعدم التأكد والاستفادة من فرص جديدة عامة. لكن لا يجب أن ننسى الدور الذي لعبه "جوزيف شومبتر" Joseph Schumpeter في التأسيس للفكر الاقتصادي المقاولاتي الذي ربط مجال المقاولاتية بالابتكار وتؤكد أعماله الدور الحيوي للمقاول في التنمية الاقتصادية.

Last modified: Wednesday, 20 November 2024, 2:23 PM