رغم الدور الكبير الذي قام به العثمانيون في تسيير شؤون الإيّالة الجزائرية ضمن منظومة إدارية محكمة، إلاّ أن ممارسة العمل الإداري لم تكن تخلو من العيوب والمساوئ، سواء على المستوى المحلي أو المركزي، ومن أبرز العيوب التي طبعت الإدارة العثمانية في الجزائر نذكر ما يلي:
- احتكار العثمانيين للمناصب والرتب العليا في أجهزة الإدارة بإيّالة الجزائر، حيث عملوا منذ مجيئهم إليها على إبقاء العنصر المحلي بعيداً عن أيّة مساهمة جديّة في شؤون الحكم. الأمر الذي جعل المؤرخ أبو القاسم سعد الله، ينعت نظام حكمهم – ممثلاً في مختلف الأجهزة الإدارية- بالنظام الجمهوري العسكري المغلق. فهو جمهوري؛ لأن منصب الحاكم انتخابيا وليس وراثيا، وعسكري؛كون الحاكم من العسكريين. أما عن ظاهرة الانغلاق فيه، فهي تكمن في اقتصاره على العنصر التركي، إذ لا يُسمح فيه إلاّ للوجق بممارسة السلطة، مع العلم أن وظيفة الوجق كانت تقتضي العزوبة مدى الحياة. وإذا تزوجوا من أهل البلاد فإن نتاجهم يعتبر أدنى مرتبة منهم، ومن ثمة لا يمكنه (النتاج) الوصول إلى الحكم والمسؤولية.
وممّا لا شك فيه أن سيّاسة حرمان العناصر المحلية من مناصب الإدارة والحكم ، قد كانت قائمة منذ الوهلة الأولى لاستقرار العثمانيين بالبلاد الجزائرية، على التخوف من سكانها الأصليين، ثم تطور هذا التخوف إلى أن بلغ درجة هستيرية، إذ لم يعد الأتراك يثقون حتى في الكراغلة الذين يعتبرونهم جزائريين أكثر مما هم أتراك. وعلى هذا الأساس راحوا يجندون باستمرار الجنود من الخارج (من أزمير ومن قرمان)، ممّا جعل الطبقة العسكرية الحاكمة تتجدّد مع كل جيل.
- استقدام الجنود الأساسيين للإدارة المركزية من الخارج، جعل الأتراك مجبرين على اعتماد المرونة في إدارتهم، تفاديا لإثارة غضب الأهالي، وهي المرونة التي حالة دون تحقيق الوحدة المعنوية لمجتمع إيّالة الجزائر، ودون أن تتطوّر الجزائر تطوّراً منسجماً مع كيانها كدولة ذات وزن دولي هام. كما أن استقدام الجنود من الخارج، جعل عددهم محدوداً إلى درجة تجعلهم عاجزين عن فرض سلطتهم بالقوة على كامل الجزائر.
- عجز الإدارة العثمانية عن وضع القطر الجزائري كاملاً تحت يد حاكم واحدٍ، باعتبار أن هناك من الجزائريين من كانوا ضدّ حكم الأتراك، بحيث لم يتمكن البايات من فرض سلطتهم على كل المناطق التابعة لأقاليمهم، فلم يعترف على سبيل المثال سكان المناطق الجنوبية لبايلك الغرب، الذين كانوا تحت حكم زعماء قبائل أولاد سيدي الشيخ (وهم من الأجواد المرابطين) بسلطة الباي، كما لم يعترف أيضاً سكان المناطق الجبلية ببلاد القبائل، الذين خضعوا لنظام حكم الجماعة بسلطة باي قسنطينة.
- كان النظام الإداري يعكس واقع الطبقية والتهميش في المجتمع الجزائري خلال العهد العثماني، فالمناصب ذات الدخل الوفير كانت محصورة في العصر التركي، والمناصب ذات الدخل المتوسط كان ينفرد بها جماعة الكراغلة، والوظائف ذات المردود المتواضع كانت من نصيب الحضر، بينما تُوكل الخدمات الشاقة عديمة الأهمية للجماعات الأخرى المتواجدة في المدن (البرانية)، ولعل أبرز دليل على ذلك أن مهنة المزوار الشائنة كانت مقتصرة على الحضر دون الأتراك رغم مردودها الكبير. أما باقي شرائح المجتمع الجزائري، فقد كانت مهمشة، وحتى القوانين والتشريعات التي سنها بعض الحكام لم تكن عادلة؛ بل كانت قاسية ولا تخدم إلا شريحة معينة.
- سيّاسة التسلط الإداري التي مارسها الحكام العثمانيون في الجزائر، إذ يقول العنتري في هذا الشأن: "... الأتراك في بدء أمرهم عدلوا بين الناس، ولم يظلموا أحداً، وحين تمكنوا صاروا يظلمون الناس ويسفكون دماءهم ويأخذون أموالهم بغير حق، ويعدون ولا يوفون...، ولم يزل ظلمهم يزداد حتى تم وجاوز الحد...". هذا فضلاً على سيّاسة التمييز التي طبقها الحكام بين الأتراك العثمانيين والسكان المحليين خاصة فيما يتعلق بقضية الأسر، ذلك أنهم كانوا يهتمون بفك أسر الأتراك مقارنة بغيرهم من ساكنة المجتمع الجزائري خلال العهد العثماني.
- سّياسة التسلط الإداري التي كانت تمارسها طائفة الإنكشارية، الذين انفصلوا من المجتمع الجزائري واحتقروا باقي الفئات المكونة لمجتمع الإيّالة، في محاولة منهم للحفاظ على امتيازاتهم السيّاسيّة والعسكرية.
- واقع الطبقية الذي كانت تكرسه إدارة القضاء في إيّالة الجزائر، فقد كان قضاة العسكر (الانكشارية) بالجزائر ينطقون بالأحكام في حق الجنود سرا بدار الآغا الإنكشارية، وكذلك الأمر بالنسبة للأحكام الصادرة في حق الأتراك من طرف القضاة الحنفية أو حتى المالكية إن لجأوا إليهم، والتي كانت ذات طابع سري حفظاً لكرامتهم، أما الأحكام الصادرة في حق الجزائريين. فإنها كانت تُعلن على الملأ من طرف البرّاح بالمدينة، ويحمل المتقاضون من الجزائريين على ظهور الحمير، ويُطاف بهم في شوارع المدينة إهانة لهم على ما فعلوه. هذا فضلا عن حق الاستئناف في القضايا المختلطة بين الأحناف والمالكية؛ الذي كان يتمتع به الطرف التركي (الحنفي) دون غيره.
- سيّاسة التسلّط الإداري التي مارسها البايات على المستوى الإقليمي، خاصة فيما يتعلق بجمع الضرائب، والتي ولدت العديد من التمردات والثورات.