1- أنواع الوقف في إيالة الجزائر:
يمكن التمييز بين نوعين من أنواع الوقف في إيّالة الجزائر، وهذا باعتبار الغرض من صرف المنافع المترتبة عليه، إذ نجد الوقف الخاص والوقف العام.
1-1: الوقف الخاص: يُعرف أيضا بالوقف الذري أو العائلي أو الأهلي، وهو أن يحبس المالك غلة ملكه على واحدٍ أو أكثر من أقربائه أو غيرهم، بحيث لا يتحوّل صرف منفعته على المصلحة العامة التي حُبس على أساسها؛ إلا بعد انقراض العقب أو انقطاع نسل صاحب الحبس أي الواقف، وقد ظل هذا النوع شائعاً في إيّالة الجزائر مقارنة بالوقف العام.
1-2: الوقف العام: ويُعرف أيضا بالوقف الخيري، وهو أن يحبس المالك غلة ملكه على جهة خيرية معينة، بحيث تعود منافعه على المصلحة العامة. وقد شمل هذا النوع من أنواع الوقف عدة مجالات نذكر منها:
- الوقف على المؤسسات الدينية كالجوامع والمساجد، حيث أوقف القائد عبد الله صفر (العلج) معتوق خير الدين بربروس على الجامع المعروف بجامع صفر وقفا بلغ عشر زويجات من الأرض، ومثله أيضا أوقف خير الدين بربروس قطعة هامة من الأرض على نفس الجامع.
- الوقف على عيون الماء، من ذلك مثلاً ما فعله الداي أحمد باشا (1805 - 1808)؛ الذي أوقف حانوتاً من ملكه الخاص على ساقية الحامة على أن يستفيد من مياهها.
- الوقف على الجند والمنشآت العسكرية، حيث أوقف حسن بن السيّد حسين، الذي كان يعمل وكلاً للخرج في الأوجاق رقم 138 بثكنة باب عزون سنة 1765 جزءاً من ممتلكاته على أوجاقه. كما أوقف الداي محمد باشا (1718-1724) قطعة أرض من ملكه الخاص على أوجاقه المعروف بداغ دوران الموجود بثكنة الخراطين، لتكون بذلك مقبرة لجنود أوجاقه.
- الوقف على طلبة العلم مثلما قام به السيّد أبو عبد الله السيد الحاج محمد الدولاتلي، الذي أوقف داراً من ملكه، على أن تُصرف مداخيل كرائها على طلبة العلم.
2- الجهاز الإداري للأوقاف في إيالة الجزائر:
اتخذت تنظيمات الأوقاف في إيّالة الجزائر شكل إدارة محلية مميزة وجهاز إداري مستقل محدّد الصلاحيات، يتميز بمهارة المشرفين عليه وكفاءة القائمين به، فرغم أن العديد من موظفي الأوقاف كانوا يخضعون مباشرة للسلطة الحاكمة؛ بعد أن يُعينوا بأمر من الباشا (الحاكم)، أو بإقرار منه بعد تزكيتهم من طرف أعضاء الديوان وكبار الموظفين، إلا أن التصرّف في شؤون الأوقاف واتخاذ الإجراءات العملية المستقلة المتعلقة بها؛ كانت تعود إلى المجلس العلمي. وهو ما يجعلنا نميز بين هيئتين مختلفتين ضمن الجهاز الإداري للأوقاف هما:
2-1: هيئة المجلس العلمي التشريعية: يعتبر المجلس العلمي بمثابة الهيئة التشريعية لمؤسسة الأوقاف، حيث يمتلك صلاحيات واسعة ومطلقة للتصرّف في شؤونها ومراقبة القائمين عليها، فهو يحافظ بذلك على الأوقاف من الضياع والإلغام والتغريم. وللإشارة فإن المجلس العلمي كان يفصل في القضايا المتعلقة بالأوقاف أثناء اجتماعاته الدورية؛ التي كانت تعقد كل يوم خميس في الجامع الأعظم بمدينة الجزائر.
2-2: هيئة الموظفين التنفيذية: وتضم في عضويتها كل من:
*القاضي: هو المكلف بكتابة المبدأ الشرعي (الصيغة القضائية) الذي كانت تقوم عليه الأوقاف في إيّالة الجزائر، بحضور الواقف والشهود، مع تحديد قيمة الوقف، وتعيين أغراضه وكيفية الاستفادة منه، وانتقاله، وعوامل نموه وتخصيص المشرفين عليه وشروطهم. هذا بالإضافة إلى ذكر تاريخ الوقف وتوقيع الشهود والقاضي، بحيث تكون للوقف وثيقة شرعية؛ يستند عليها ويلتزم باحترامها الواقف وأهله والمستفيدون منه والسلطة. هذا وتُشير بعض الدراسات إلى وُجود "قاضي المواريث" -مثلما ورد ذكره في مختلف العقود-، الذي تمتع بسلطة مطلقة في رعاية الوقف الخيري المخصّص للإنفاق على المصالح العمومية، حيث كانت له اليد الطولَى على باقي موظفي الأوقاف الذين يخضعون ويعملون تحت مسؤوليته.
* الوكيل الناظر (الشيخ الناظر): يعتبر الشيخ الناظر أو المتولي أو الوكيل العام-كما جاء ذكره في بعض المصادر-، الموظف الرئيسي بمصلحة الأوقاف، فهو المكلف بالإشراف على أوجه الإنفاق، وحفظ مصادرها، ومراقبة دفاتر الحسابات الخاصة بالمؤسسة التي تقع تحت رعايته مباشرة. وبجملة واحدةٍ هو الذي يلتزم بتطبيق مضمون وثيقة الوقف (المبدأ الشرعي) السابق ذكرها. هذا مع العلم بأن الباشا أو الباي في الأقاليم هو الذي كان يُعين الوكيل بناءاً على مواصفات معينة كالنزاهة والعلم والأخلاق، ومن الممكن تغييره عندما تشتهر عنه أمور مخلة بنظام الوقف أو بالأخلاق العامة.
*وكلاء المدن الكبرى والأحياء الرئيسية: وهم المكلفون بجمع المحاصيل، وقبض المداخيل، وصرف المرتبات، وصيانة الحبس، وتقديم حساب مفصل عن ذلك لناظر الأوقاف كل ستة أشهر. كما كانوا ملزمين أيضا بضبط حسابات كل سنة وتسجيلها في الدفاتر الرسمية بعد طرح مصاريف شؤون الصّيانة والخدمات المختلفة. وقد جرت العادة على أن يقدم هؤلاء الوكلاء عرضاً عن خدماتهم بمحضر وكيل بيت المال وشيخ البلد؛ لكي يتمكن المجلس العلمي من الإطلاع عليه بعد أن يتكلف الشيخ الناظر بتقديمه له.
* الكتاب: عُرف الكاتب باسم "خوجة أو سايجي"، وتمثلت مهمتهم الأساسية في ضبط حسابات الأوقاف التي يشرف عليها الشيخ الناظر، وحفظ الأوراق.
* العدول: تتمثل مهمتهم في القيام -عن إذن القاضي– بالشهادة بين الناس فيما لهم وما عليهم، وبهم تحفظ حقوق الناس وأملاكهم وديونهم وسائر معاملاتهم.
* الشواش: مهمتهم حراسة الأوقاف وصيانتها.