1- ثنائية القضاء بين المالكية والأحناف في الجزائر خلال العهد العثماني:

تميز القضاء بالازدواجية في الجزائر خلال العهد العثماني، إذ يتّضح لنا وجود ثنائية في الهياكل والأحكام القضائية، فكما هو معلوم أنّ مؤسسة القضاء في الجزائر قد استمدت تعاليمها من الشريعة الإسلامية وفقا للمذهب المالكي، وذلك منذ الفتح الإسلامي وإلى غاية دخول العثمانيين إلى الجزائر وإلحاقها رسميا بالخلافة العثمانية سنة 1519م. غير أن هؤلاء العثمانيين استقدموا معهم المذهب الحنفي، الذي كانوا قد اتخذوه مذهبا رسميّا للدولة العثمانية و يمكننا الوقوف على بعض الملامح التي تؤكد ذلك من خلال النقاط التالية:

- وُجود محكمتان شرعيتان بمدينة الجزائر خلال العهد العثماني، الأولى للمالكية وهي موجودة وسط المدينة بالقرب من المركز الاقتصادي، والثانية للحنفية مقرها شمال محكمة المالكية، وتحديداً في الرحبة القديمة.

- الجمع بين ممثلي المذهب المالكي والحنفي ضمن الهيئة العلمية للمجلس العلمي الكبير، الذي كان يعدّ بمثابة المحكمة العليا في الجزائر خلال العهد العثماني.

- وُجود قاضيين ومفتيين من مذهبين مختلفين ضمن أجهزة القضاء في الجزائر خلال العهد العثماني،

- حرية تقاضي أفراد المجتمع في الجزائر خلال العهد العثماني بحسب المذهب المالكي الذي يختارونه، دون تدخل السلطة الحاكمة في ذلك

2- مؤسسات القضاء في الجزائر خلال العهد العثماني:

من أهم مؤسسات القضاء المعروفة في الجزائر خلال العهد العثماني نجد:

2-1: المجلس القضائي العلمي: ويعرف أيضا بالمجلس الشرعي أو المجلس الشريف. وهو بمثابة المحكمة العليا أو محكمة الاستئناف أو ديوان المظالم، إذ يستند إليه الفصل في الخلافات والنزاعات العالقة التي عجز قضاء المحاكم العادية عن الفصل فيها، و قيل أن هذا المجلس قد أنشأ لتجاوز التضارب بين المذهبين؛ المالكي والحنفي وتقريب الرؤى بينهما.

ينعقد المجلس العلمي للقضاء كل يوم خميس بالجامع الأعظم بمركز مدينة الجزائر، برئاسة المفتي الحنفي، وتضم هيئته العلمية كل من: القاضيان المالكي والحنفي، والمفتيان الملكي والحنفي، وضابط الإنكشارية برتبة باش آيا باشي، ممثلا عن الباشا لأجل فرض الأمن والانضباط داخل المجلس. هذا فضلاً على جماعة الموثقين التي تهتم بتوثيق كل ما يجري في المجلس. أمّا عن المهام الأساسية لهذا المجلس فهي تتمثل أساسا في النظر في القضايا العالقة المستعصية على الحاكم والمحكوم، وإصدار الفتاوى المتعلقة بالقضايا العامة وتسيير الأحباس، هذا فضلاً على الحكم في النزاعات التي تحدث بين أهل الذمة والمسلمين حسب أحكام الشريعة الإسلامية، ومعالجة القضايا التي تحدث بين الهيئات الحكومية وموظفي الدولة من جهة وأفراد المجتمع من جهة أخرى.

2-2: المحاكم الحنفية والمالكية: تميزت المدن الكبرى على غرار الجزائر العاصمة وقسنطينة والمدية ووهران...، بوجود محكمتين شرعيتين؛ إحداهما للحنفية يتولى القضاء فيها القاضي الذي يعمل بأحكام المذهب الحنفي، والأخرى مالكية يعمل فيها القاضي طبقا لتعاليم المذهب المالكي، ولم يخول لهذه المحاكم النظر في القضايا السيّاسية والجنائية فحسب، بل كانت تتولى الفصل في القضايا المدنية أيضا؛ كالبيع والشراء والإيجار والرهن والزواج والطلاق والمواريث.... وللإشارة فإن هذه المحاكم كانت تتولى النظر في القضايا التي تُعرض عليها يومياًّ ما عدا يوم الجمعة، كما أن إجراءات المحاكمة كانت تتم باللغتين العربية والتركية، وذلك اعتباراً للطريقة المتبعة والحاضرين، وكان قاضي الحنفية يمضي الرسوم والأحكام بالمداد الأسود، بينما يُمضيهما قاضي المالكية بالمداد الأحمر، وذلك لأجل التمييز في أوّل نظرة بين ما صدر عن المحكمة الحنفية وما صدر عن المحكمة المالكية.

2-3: القاضي الشرعي: عُرف القاضي في الجزائر خلا العهد العثماني بالقاضي الشرعي، الذي كان له دور هام على مستوى المحاكم الناظرة في القضايا المتنازع فيها، وهو ممثل للسلطة، وينتمي لأحد المذهبين؛ المالكي أو الحنفي، وهذا بحكم أن المجتمع الجزائري كان يضم حينذاك أشخاص ينتمون للمذهب المالكي وأشخاص آخرون ينتمون للمذهب الحنفي، وبالنسبة لمسألة تعيين القضاة، فإنها كانت مع بداية العهد العثماني من صلاحيات الباب العالي، حيث كانت مدة تولّيهم في المنصب محدّدة بادئ الأمر بسنتين تنتهي بالعزل من الوظيفة، ثم أصبحت مهمة تعيينهم خلال عهد الدايات من اختصاص الداي والباي.

ولم يكن القاضي مجرد حكم، بل هو موظف سامي له مسؤوليات إدارية واقتصادية، فالقرارات الصادرة عن السلطة المركزية (الباب العالي) والمتعلقة بالحياة الاقتصادية كانت توجه إلى القضاة. كما اتسعت دائرة مهام القاضي بشكلٍ ملحوظ في إيّالة الجزائر، فهو قاضي الأحوال الشخصية والمشرف على الأوقاف وعلى البيع والشراء، فبالمحكمة يتم تسجيل عقود البيع والشراء والقروض؛ لإضفاء الشرعية على تلك المعاملات.

وللإشارة، فقد اعتمد قضاة الشرع على مجموعة من المساعدين في تأدية مهامهم ، ومن بين هؤلاء المساعدين نجد: الباش عدل، والعدل، والكُتاب، والمحضرون، والشواش (جمع مفرده شاوش أي الشرطي)؛ وذلك لتأمين جلسات المحاكمة، كما كان القضاة يستعينون في كثير من الأحيان، عندما تُعرض عليهم المنازعات العقارية بأهل الخبرة الذين يعاينون المواقع ويقدمون رأيهم التقني للقضاة، ويضطر القضاة أحيانا أخرى إلى الاستعانة بآراء الجيران؛ باعتبارهم شهود عيان لفض النزاع بين الأطراف المتنازعة.

وعن مجريات التقاضي، يمكننا القول أن النظر في القضايا كان يتم يومياً باستثناء يوم الجمعة، إذ يَعرض المتحاكمون قضاياهم على قاضي المحكمة، ويقومون بالمرافعة والدفاع عن قضاياهم بأنفسهم .

أما في الحالات العارضة أو القضايا المختلطة ( يختلط فيها المتحاكمون من المذهبين)، فإن استئناف الحكم لم يكن إلاّ من حق الطرف التركي (الحنفي)؛ الذي يمكنه رفع قضيته أمام القاضي التركي، واستئناف الحكم أمام المفتي الحنفي. وهذا ما يُعدّ في نظرنا إجحاف حقيقي من قبل حكومة الأتراك في حق السكان الأصليين.

2-4: المفتي: احتل المفتي بالجزائر العثمانية، سواء كان حنفيا أو مالكيّا، المرتبة الأولى في صف العلماء، وهو أحد أبرز أعضاء التشكيلة القضائية لإدارة القضاء في إيّالة الجزائر. فزيّادة على عضوية المفتيين الدائمة في المجلس القضائي العلمي، فإنهما كانا يعقدان جلسات للنظر في القضايا التي كانت تُرفع إليهما مرتين في الأسبوع، خصوصاً ونحن نعلم أن المتحاكمين الذين كانوا يطعنون في قرارات القضاة، كانوا يتوجهون مباشرة للمفتي الحنفي أو المالكي، كل حسب مذهبه للنظر في قضاياهم من جديد، ليكون بذلك حكم المفتي حكماً نهائيا.

وقد جرت العادة أن يقوم السلطان العثماني بتعيين المفتي الحنفي في إيّالة الجزائر، بينما يقوم الداي بتعيين المفتي المالكي، ثم أصبح تعيين المفتيين معاً من صلاحيات الداي مع بداية عهد الدايات. ورغم اعتراف القضاة في الجزائر العثمانية بالمفتيين الحنفي والمالكي، إلاّ أن المفتي الحنفي ظل هو المفضّل لدى حكومة الأتراك إلى غاية الاحتلال الفرنسي للجزائر سنة 1830م، فهو الذي كان يتولى الإشراف على تسيير جلسات المجلس العلمي؛ الذي كان يجتمع تحت رئاسته كل يوم خميس بالجامع الأعظم المالكي لمدينة الجزائر، كما أن حكام الأتراك كانوا يتدخلون في كثير من الأحيان لصالح المفتي الحنفي على حساب نظيره المالكي، وخير مثال على ذلك ما حدث مع المفتيين محمد النيار الحنفي وأحمد قدورة المالكي. خلال مناظرة علمية بينهما، وقد قيل أنهما اختلفا اختلافا شديداً وصل إلى حدّ تبادل الاتهامات بينهما، وبعد انعقاد المجلس الشرعي بالجامع الكبير، دعاهما الباشا عنده في قصره، بحضور العلماء، وقرّر أخيرا الأخذ برأي المفتي الحنفي النيار وعزل المفتي المالكي قدورة. وهو ما يعد في نظرنا أيضا إجحاف من قبل حكومة الأتراك في حق فقهاء المالكية وعلمائها.

3- واقع القضاء في الأرياف الجزائرية خلال العهد العثماني:

عمل سكان الأرياف على إيجاد هيئات قضائية؛ تتولى مهمة الفصل في الخصومات والنزاعات التي كانت تحدث بينهم من حين إلى آخر، ومن أبرز هذه الهيئات نذكر:

* هيئة قضاء المرابطين: الذين كانوا بمثابة القضاة الشرعيين والجنائيين في آن واحد، وفي نطاق حدود نفوذهم، أين يتولون النظر والفصل في شتى المنازعات التي تحدث بين أفراد القبيلة أو العشيرة، وقد كانت أحكامهم فورية ونهائية غير قابلة للطعن، وهذا راجع إلى الثقة الكبيرة والسمعة العالية التي كان يتمتع بها هؤلاء المرابطين.

* هيئة قضاة الطرق الصوفية وزواياها: التي لعبت دور المؤسسة القضائية في فضّ النزاعات وإنهاء وتقليل الخلافات والمشاكل بين سكان الأرياف، وذلك بفضل مكانة شيوخها ومقدميهم ووكلائهم.

* قضاء شيوخ القبائل والجماعة: هؤلاء الشيوخ الذين يستمدون شرعية سلطتهم من التعقل والحكمة والسلوك الحسن دينيا ودنيوياً، ورضا الناس عنهم، حيث مارسوا دور القاضي انطلاقاً من موقعهم ومكانتهم الاجتماعية، فكانوا يتنقلون إلى الأسواق لتلقي الشكاوي والاحتجاجات للنظر فيها،أما في الأيام التي لا توجد فيها أسواق فإنهم يبقون في ديارهم لاستقبال الشكاوي، وغالبا ما كان يتم الفصل في النزاعات والخلافات في حينها خاصة عندما يتعلق الأمر بالقضايا البسيطة، بينما تؤجل القضايا المعقدة إلى وقت لاحق.


Modifié le: mardi 19 décembre 2023, 11:11