- الشوارع:
إنّ الشارع في الإسلام له أحكامه الخاصّة، وشوارع المدينة الإسلامية تنقسم إلى شوارع كبرى وأزقّة ضيقة، وتتفرّع الشوارع الكبرى عن أبواب المساجد الجامعة، بينما تربط الأزقةُ بين الشوارع الرئيسة من جهة وبين الأحياء من جهة أخرى.
يُطلّ كل باب من أبواب المسجد على شارع من الشوارع الرّئيسة، وهي شوارع نابضة بالحياة، فيها سوق المدينة الذي تشكّله مجموعة من الدكاكين المتراصّة والمتقابلة، وتتسم الشوارع الرّئيسة بالاتّساع بقدر يكفي مرور دابتيين محمّلتين بالأثقال، بينما الشّوارع الفرعيّة والأزقّة اتّسمت بالضّيق وكثرة الإلتواءات، لكنّ البيوت والمنازل كانت واسعة ويوجد فيها أفنية وربّما حدائق ساهمت في تهوية البيوت وإضاءتها.
وحرصت السلطة على منع أي تشويه لمنظر المدينة أو اعتداء على شوارعها ومرافقها، إذْ كان هناك محتسبون يمنعون إقامة أيَّ بناء يعترض الشارع حتى لو كان مسجدا، و يمنع أيضا وجود بروزات واضحة في المباني أو مصاطب تؤثر على سعة الطريق أوتضايق المارة، ويؤمر بإزالة مخلفات المطر والطين، ويُمنع القصابون من الذبح في الشوارع، وأيضا ألزم رجال الحسبة السكّان بإزالة المباني المتداعية والآيلة للسقوط. وانتشرت السّباطات في الشوارع الإسلامية كي تقي المارّة من وهج الشمس وحرّها*، فقد كان بين قصر قرطبة ومسجدها ساباط، وآخر بين قصر الزهراء ومسجدها، كما تم استعمال البروزات والأجنحة في الطوابق لتوفير الظلال.
ولا ننكر أنّ ضيق الشوارع في المدينة الإسلامية وأحيانا سوء تخطيطها وكثرة الالتواءات قد أضرّت بجمالها، لكن ينبغي أن لا ننسى أنّ الشوارع في المدينة الإسلامية مرتبطة بنشأة المدينة ومتأثرة بالعوامل الإنسانية والدينية التي تعكس حريّة الفرد التي عاشها في المجتمع الإسلامي، وما يصاحب الحياة الإسلامية من علاقات وقوانين كالميراث والقسمة والبيع والشراء وعلاقة التجاور، إلى غير ذلك من الأمور التي تنعكس بصورة قوية على هيئة الشوارع الخاصة والبيوت والأسواق، تلك النوعية التي تتغير من فترة إلى أخرى، وتتفرع جيلا بعد جيل في إطار المعاملات والظروف التي تحكم المجتمع الإسلامي، وربّما استغلّ ذوو النّفوذ فترات ضعف الدّولة في الاعتداء على الشوارع وذلك بسبب النزعة البدوية التي ربّما تظهر في سلوكيات بعض السّاكنة من تغليب المصالح الخاصة ولو على حساب المرفق العامّ من خلال أولوية البيت على الطريق والمساحات العامّة وهو ما أفرز مثل هذه المظاهر التي شوهت منظر المدينة وغطت على محاسنه.
- القيسارية-:
كان السوق أو ما يعرف بالقيسارية في المدينة الإسلامية أحد أهمّ المرافق الذي به تُقاس درجة تمدّنها، وهو في الحقيقة عبارة عن أسواق مجتمعة في سوق واحد، فتجد سوق العطارين وسوق النساخين وسوق النجارين وسوق الكتان وغيرها من الأسواق، والتي يتمّ تنظيمها وفق قاعدة لا ضرر ولا ضرار، وحسب ما تتطلبه كلّ صنعة، فتتجاور الأسواق حسب اختصاصاتها، فسوق الكتان بجوار سوق الخياطين، وسوق الطعام قريبة من الفرانين، وسوق الحرير لا يُحاذيها فرّان أو حدّاد، فكأنّنا أمام سياسة الصناعات التكميلية التي تنتهجها الدول الحديثة.
إنّ المدينة الإسلامية حاولت جاهدة أن تحمي ساكنتها، لذلك نجد أنّها حرصت على تخفيف وهج الشمس صيفا وزيادة الظل، فكان للشوارع التجارية سقائف تقي الدكاكين من الشمس والمطر معا، وتمّ تسقيف الشوارع أحيانا من خلال إبراز الواجهات لحماية المارة والسلع كالحرير.
ويقوم على كلّ سوق من هذه الأسواق نقيبٌ هو بمثابة شيخ الصِّناعة والحرفة، يمارس سلطته في فضّ الخصومات ومكافحة الغش وحماية الزّبون والبائع من أي شطط أو ظلم. واشتهرت بعض المدن بأسواق بعض السلع ففي بلاد المغرب الإسلامي اشتهر سوق الرقيق بمدينة المهدية، وكان يختص ببيع الجواري الروميات، كما ذاع صيت سوق الغزل بمدينة سوسة*.
وفي المغرب الأوسط وخلال الفترة الرستمية اشتهر سوق ابن وردة وغيره من الأسواق، وكانت نفوسة تشرف على أسواق المدينة، فإن رأوا قصابا ينفخ شاة عاقبوه، وإن رأوا دابة حمل عليها فوق طاقتها أنزلوا حملها وأمروا صاحبها بالتخفيف عنها، وإن رأوا قذرا في الطريق أمروا من حول الموضع أن يكنسه.
وفي الفترة الزيانية كان سوق القيسارية الذي قام السلطان أبو حمو موسى الأول بتأسيسه يقع في مساحة كبيرة بوسط المدينة، بالقرب من قصر المشور، يتكون من مجموعة من البنايات بها دكاكين ومحلات تجارية، وورشات صناعية و مخازن، وفي بعض الأحيان توجد مساكن فوق الحوانيت بها فنادق يؤمها التجار الأجانب، وتتميز سوق القيصارية بسعة شوارعها وأروقتها المغطاة، ولا تزال هذه السوق قائمة إلى يومنا هذا و يقصدها سكان تلمسان وغيرهم.