-       الأسوار:

المتأمل في المدينة الإسلامية سيجد أنّها أحيطت مركزها بسور، هذا السور هو جدار عال ضخم يحيط بالبناء لحمايته، وتعلوه ممرّات تخصّص للحرّاس ورماة النّبال والسّهام. وقد حقق العصر العباسي تطورا ملحوظا من حيث تصميم الأسوار كأسوار قصر الحير الغربي التي امتدّت إلى ما يقرب من ست كيلومترات، وأبراج مدينتي الرقة وبغداد التي تمّ تدعيمها بأبراج وبوابات منكسرة لم يعرفها اليونان ولا الرومان، وحتّى المنشآت الدينية مثل كنائس سورية كانت تحاط بالأسوار المبنية بالآجر والمطلية بالجص.

 وفي القاهرة بنى جوهر الصقلي سورا باللبن حول المدينة الجديدة من جهاتها الأربع سنة (359هـ/970م)، ثم بنى بدر الجمالي سنة(470هـ/1170م) في الشمال والجنوب تتمّة للسور الأول، وفي عهد صلاح الدين الأيوبي قام بتوسعة أسوار القاهرة حتى أدخل فيها الفسطاط والعسكر والقطائع سنة (566هـ/1170م).

توجد بداخل الأسوار ممرات ترتبط ببعضها البعض عن طريق فتحات تساهم في إنارتها وتهويتها، كما تتوفر على أبراج مراقبة، والأبراج تتدعّم بدرجات للصعود إلى الممرات العلوية، وكثيرا ما تكون هذه الأسوار هي تتمّة أو بناء على أنقاض أسوار قديمة من بناء الأوائل أي البيزنطيين أو الرومان، أو سور مُستحدث بناهُ المسلمون من حجارة مجلوبة من الجبال أو صخور البحار، أو مخلفات الأمم السابقة.

كانت الأسوار تنوب عن وعورة التضاريس، فهي تلعب دور الجبال والمرتفعات الشاهقة والمنحدرات الوعرة، أو الأودية والأنهار الكبيرة التي تُعيق حركة الغزاة الرّاغبين في اقتحام المدينة، وغالبا ما يلجأ إليها السلاطين أو سكان المدن عند تدهور الأوضاع والخوف من غارات الأعداء، لذلك استجاب علي بن يوسف أمير الدولة المرابطية لنصيحة أبي الوليد بن رشد، حين نصحه ببناء سور مراكش عقب خروج المهدي بن تومرت، وقال له: (لا يحل لك سكنى هذه المدينة دون سور) فبناه وأنفق في بنائه نحو سبعين ألف دينار كما أنفق ألفي دينار لإصلاح سور سبتة وبناء سور إشبيلية سنة (528ه/1133م)ـ.

 وفي عهد الدولة الموحدية تمّ بناء سورٍ لمدينة تلمسان والذي إبتدأ بناءه السيد موسى بن يوسف العسري من أحفاد ابن عبد المومن بن علي سنة (566ه/1170م)ـ، وكمله السيد أبو الحسن بن أبي حفص بن عبد المومن سنة (581ه/1185م)، وذلك عندما استولى ابن غانية على بجاية والجزائر والمدية.

-       البوابات:

البوّابات أو مداخل المدن هي عبارة عن أبواب شاهقة، والتي قد تتوفّر المدينة الواحدة على أكثر من باب فمثلا كان لمدينة القيروان أربعة عشر بابا، فيما كان لمدينة صبرة* خمسة أبواب، أمّا تيهرت فلها أربعة أبواب هي باب الصف وباب المنازل وباب الأندلس وباب المواجن. ولها قصبة مشرفة على السوق يقال لها المعصومة. ومدينة المهدية كان لها بابان من حديد أمّا مدينة تلمسان فحظيت بخمسة أبواب خلال القرن الرابع الهجري وهي باب الجياد في الجنوب وباب العقبة شرقا أمّا شمالا فباب الحلوي والقرمدين بينما وُجد غربا باب كشوطة.

وتألّفت الأبواب من مصراع أو مصراعان أو أكثر وهو ما يغلق على الباب، وهذه المصاريع بسيطة متواضعة من خشب عادي ساذج بغير زخارف أو من خشب الساج أو الجوز المحفور أو المُطعَّم بالعاج والصَّدف ونحوهما أو المغطى بالرقائق النحاسية أو الفضية أو الذهبية المكفتة أو المخرمة بأشكال نباتية وهندسية وكتابية. وتفنن المسلمون في عمل الأبواب الخشبية والمعدنية كما نبغوا في تزيين كل جزء من أجزائها حتى صارت هذه الأبواب تُحفا فنية، وكانت الأبواب مُزوّدة بالمفاتيح والأقفال والسقاطات والمطارق، ولأنّ هذه الأبواب عالية وضخمة ويتعذر فتحها بشكل يومي، لذلك لجأ الصناع إلى عمل باب صغير في وسط هذه البوابات العظيمة للاستعمال اليومي، بينما يقتصر فتح البوابة الأمّ للجند عند خروجهم للقتال أو عند الضرورة، ويسمى هذا الباب الصغير بالخوخة.

-       المسجد:

إنّ الداخل إلى المدينة سرعان ما يلمح صومعة المسجد، التي كانت أعلى بناء في المدينة، ليؤكّد قوّة الدين في تشكيل المجتمع المسلم وصياغته، فالمسجد يتوسّط المدينة كأنّه قطب رحاها ومركزها الذي تتولّدُ عنه وتنطلق منه، وهو أوّل ما يبدأ المسلمون ببنائه في المدن الجديدة، أما المدن المفتوحة فيشارك المسلمون النصارى في جزء من كنائسهم كما حدث في حمص حين أخذ المسلمون ربع كنيسة القديس يوحنا، وأيضا تمّ هذا الأمر في حلب ببلاد الشام وفي قرطبة ببلاد الأندلس. وليست الكنائس وحدها التي تمّ تحويلها أو تحويل جزء منها إلى مساجد فالمعابد الوثنية في العراق وإيران أيضا ربما حول بعضها الفاتحون إلى مساجد ، وفي سنة (85ه/704م) عندما أسلم أهل المغرب الأقصى، حوّلوا المعابد التي كان قد بناها المشركون إلى القبلة وأدخلوا إليها المنابر، وهو ما حدث أيضا في السّودان الغربي بمدينة جنّي التي أسلمت أيام السلطان كُنبُر وبني فيها المسجد مكان دار السّلطنة بعد تخريبها.

إنّ المسجد في المدن الكبرى يكون جامعا، ويتّسم بالاتّساع أفقيا، وله المكان المخصص للصلاة والذي يكون مسقّفا ثمّ يليه فناء فيه ميضأة تتوسّطه، وله أبواب تتوزّع عبر مختلف جوانبه، وكلما زاد عدد السكان دعت الحاجة إلى زيادة مساحته لتوسعته كي يسع لصلاة الجمعة، مثل مسجد عمرو بالفسطاط الذي حظي بزيادة عام(53هـ/673م) بعد أن شكى الناس ضيق المسجد فسارع مسلمة بن مخلد والي مصر إلى الزيادة فيه وبناء مئذنته الشاهقة وصوامعه الأربعة.

وكلّ زيادة تحاول أن تنفرد بطابعها المعماري وطرازها في الزخرفة والنحت والتزيين، وبذلك تحوّلت جوامع المدن الإسلامية إلى لوحة فيها ثراء زخرفي وتنوع معماري يجمع بين نسيم الماضي وعبق الحاضر، ويزاوج بين القيم الزهدية والمتطلبات الجمالية.

وقد أبدى كثير من علماء الغرب إعجابهم بعمارة المساجد الإسلامية فيقول جاستون فييت Gaston wiet)) الذي عاش عمره كله يدرس آثار الإسلام وفنونه في كتابه عن مساجد القاهرة: (المسجد هو في العادة بناء لا تتساوى أضلاعه...فإنّ اتساعه أكبر من عمقه، والمؤمنون الذين يصلون فيه يقفون صفوفا جنبا إلى جنب، والبناء محاط بسور تختلف ارتفاعات أجزائه بعضها عن بعض، وقد تكون له نوافذ وقد لا تكون، فإذا وجدت نوافذ كانت وظيفتها زخرفية خالصة، لأن إضاءة المسجد تتأتى عن طريق صحن مكشوف تحيط به بوائك* تقوم على أعمدة أو دعامات، والبوائك التي تتجه أروقتها صوب مكة أعمق دائما من بوائك النواحي الثلاث الأخرى).

ويرى مانويل جوميث مورينو أنّ المسجد رغم كونه صرحا معماريا مهمّا فإنّه ليس على شاكلة الكنيسة فهو يسعى إلى إزالة كلّ ما يشغل المسلم عن عبادة ربّه من رسوم وزخارف، وحتّى لا يكون العلّو إلا لله سبحانه، ابتعد المسلمون عن البناء العمودي، حتّى يتساوى النّاس في وقوفهم بين يدي ربّهم سبحانه.

ولم يكن المسجد فقط دار عبادة تُقام فيه الصلوات، بل كان ينوب عن مؤسّسات كثيرة، فهو مسجد ودار قضاء ومنبر دعاية ومدرسة إبتدائية بل وجامعة متعددة الاختصاصات، ومكان لجمع التبرعات وفض الخصومات وتعبئة النّاس. ولأهميته كانت تُقام دار الإمارة قريبا من المسجد الجامع، وغالبا ما يتمّ الربط بينها وبين المسجد الجامع بساباط يُخصّص للسلطان أو الأمير في صلوات الجمع والأعياد.

ولم تكن كلّ مساجد المسلمين مساجدا جامعة فقد وجدت مساجد بسيطة تشبه المصليات في القرى أو بداخل التجمعات العمرانية التي نشأت بجوار المدن الكبرى. فلم تكن عمارة هذا النوع من المساجد ذات أهمية بالغة لكونها أنشئت لغرض الصّلاة وليس لتكون علامة على قوّة السّلطان وأبّهة الدّولة.

Last modified: Saturday, 17 December 2022, 7:33 PM