من خصائص الحضارة الإسلامية دعوتها إلى الاجتهاد في جميع ميادين الحياة، من أجل عمارة الدنيا وحفظ الدّين، وفق مقاصد الشريعة وغاياتها الحميدة، وكذلك هو الشأن بالنسبة للعمارة الإسلامية التي رغم اقتباسها عن الآخر فإنّها لم تُصبح أسيرته أو نسخة أخرى منه، بل سرت فيها روح الإبداع والتّجديد والابتكار وأثمرت الكثير من المُبتكرات في مجال العمارة. و كان المسجد النبوي الشَّريف هو باكورة الأعمال العمرانية للدولة الإسلامية الفتية، فكان هذا المسجد رغم بساطته نموذجا لم يسبق إليه، فهو عبارة عن فناء مركزي محاط بالأروقة ومنها تتفرع الشوارع عبر بواباته، فهو قلب المدينة الإسلامية وتاج العمارة.

-       المئذنة:

 أبدع البناّء والمهندس المسلم في تصميم وإنجاز عدّة أعمال عمرانية لأغراض دينية أو عسكرية أو جماليّة مثل المآذن التي نشأت مع بداية العصر الأموي، وكان الغرض من بنائها دينيا محضا، فالقصد هو أن يبلغ الصوت أبعد مدى ممكن، وكان المسجد النبوي وكذا مساجد البصرة سنة (16هـ/637م) والكوفة سنة(17هـ/641) ومسجد عمرو بن العاص (21هـ/641م) بالفسطاط خالية من المآذن حتى أمر معاوية بن أبي سفيان واليه مسلمة بن مخلد أن يبني لجامع عمرو أربع صوامع للأذان في أركانه، والتي كانت على ما يبدوا عبارة عن أبراج آجرية مربعة قليلة الارتفاع، يصعد إليها بواسطة درج يرتقيه المؤذنون من خارج المسجد حتى نقله خالد بن سعد إلى داخله.

 ثمّ جاءت مئذنة الجامع الأموي بدمشق، والتي هي حقّا أوّل مئذنة حقيقيّة صارت نموذجا يُحتذى به، ومن دمشق انتقلت إلى إفريقية فكانت مئذنة (جامع سيدي عقبة بالقيروان) هي أولى مآذن إفريقية والتي أسست في عهد هشام وهي على شكل برج ارتفاعه 31 متر ومكونة من ثلاث طوابق كل طابق أصغر من الذي تحته، ومثلها مئذنة مسجد الكتيبة بمراكش والمسجد الجامع بإشبيلية، وصومعة جامع أجدابية المثمنة.

وفي الحقبة العباسية بلغ النّبوغ الإسلامي في ميدان العمارة الإسلامية أوجه، فصار مثالا يُحتذى به، خصوصا في العصر العبيدي حيثُ تنوعت المآذن بين الحلزونية أو المشكلة من ثلاث طبقات مربع ثم مثمن ثم اسطواني في العصر العبيدي وغيرها من المآذن.

-       الأبراج والحصون:

تفنّن المعماري المسلم في إنشاء الأبراج والحصون، خصوصا في عهد الدّولة السّلجوقية وما عرفته من انتشار لجماعات الإسماعيلية التي برزت منها طائفة الحشّاشين، وحين قدم الصّليبيّون إلى المشرق كغزاة، سرعان ما هالتهم عمارة المشرق ونعيمه، فاقتبسوا عن المسلمين طرق بناء الحصون بعد أن أبهرتهم الحصون الشامية، وخاصة الأبراج* والممرات الداخلية الملتوية والمزاغل*. واقتبس النورمانديون من المسلمين فنون تشييد الأبراج مثل البرج المسمى برج بيش بالقصر الملكي النورماني في بلرم الذي تمّ تصميمه على نمط قصر المنار في قلعة بني حمّاد الذي شيد في القرن (5ه/11م).

-       المحراب:

من العناصر التي ابتكرها المعماري المسلم المحاريب، التي تستخدم في جدار القبلة لتعيين اتجاهها، وفكرته ظهرت في السنة الثانية للهجرة، كما أنّ الرسول صلى الله عليه وسلم وضع المحراب بنفسه في مسجد قباء، وكان المحراب في البداية عبارة عن تجويفين في الجدار، وتطورت المحاريب بعد ذلك فكان منها المجوف كمحاريب الشام والمغرب أو ذات مسقط من أضلاع متعاقدة في العراق (عباسي)، ومنها المسطح مثل محراب المغارة تحت الصخرة في بيت المقدس.

 بينما في المغرب الإسلامي اشتهرت عدّة محاريب على غرار محاريب رباط سوسة الذي بني عام(205هـ/ 821م)، ومحراب جامع ىالقيروان الذي تمّ تشييده سنة(210هـ/826م) ومحراب جامع الزيتونة المبني عام(249هـ/864م). إنّ طريقة تصميم المحراب وأغراضه تفنّد دعوى إقتباسه عن محراب الكنيسة الذي يختلف عنه قلبا وقالبا، من حيث الوظيفة والشّكل.

-       المشربيات والقباب والمقرنصات وعناصر أخرى:

من العناصر المعمارية التي أبدعها المُسلمون المشربيات وهي حاجز خشبي يوضع في الجهة الخاريجة للنافذة يمنع رؤية أصحاب الشارع لمن بداخل البيت، دون أن يمنع أهل البيت من النظر إلى الشارع، ودون منع النوافذ من إدخال قسط من التهوية والإضاءة، وأثبتت الحفريات وجود المشربيات في قصر الحير الشرقي على مقربة من الرصافة في سورية الذي يرجع تاريخه إلى سنة (111هـ/729م)، الأمر الذي ما يؤكّد خطأ المستشرق مارتن برجز الذي زعم أن المسلمين أخذوا فكرة المشربيات عن الصليبيين.

وتفنن المهندس والبناء المسلم في إنشاء عدّة تصاميم كالقباب التي كانت أحد أهمّ العناصر الهندسية التي استخدمت في الجوامع والأضرحة مثل قبة الصخرة التي بناها عبد الملك بن مروان سنة (692م/72هـ) وهي تمتاز عن القباب الرومانية والفارسية بعنقها المتسامي نحو السماء، ومن أقدم القباب الباقية إلى اليوم قبة الأخيضر بالعراق، أما أقدم القباب المغربية فهي قبة محراب مسجد القيروان(221هـ/836م). وتنوعت القباب الإسلامية فكان منها القباب النصف أسطوانية، والقبة التقاطعية، والقبة البيضاوية، والقبة المشطوفة، وقبة المرآن. ومن أجل الرّبط بين جدران الغرف أو الفراغات الخاصة بالبوابات والأبراج والسلالم والدهاليز والحمامات والصهاريج بدأت تظهر القباب المشيدة من الآجر محل القباب المشيدة من الخرسانة ومن الحجر، وهو الذي ظهر في عمارة الموحدين والناصريين في مملكة غرناطة، وهو أخف من الأقبية المبنية بالحجر.

وتميّز المعماري المسلم أيضا بطريقة تصميمه للأعمدة والتيجان مُستعملا في البدء مُخلَّفات الحضارات السابقة وذلك لانشغاله بالجهاد والفتوحات، ونلاحظ ذلك في جامع عمرو بالفسطاط الذي توجد به أعمدة مختلفة الطراز، لكنّه ومنذ المرحلة الأموية برزت الأعمدة والتيجان المختلفة عن سابقاتها.

ومن أهمّ العناصر الهندسية التي أوجدها المسلم المقرنصات* التي أخذ الفنان المسلم فكرتها من التحجر الطبيعي في الكهوف، وتظهر المقرنصات في عدّة مبان بالقيروان، والمقرنص يأتي على عدّة أنواع منها المقرنص المعقود الذي انتشر استخدامه في إفريقيا والأندلس، وأصبح المقرنص خطا هندسيا بعد أن كان كتلة كروية ثم أصبح له استعمال زخرفي بحت مثلما هو الشأن بالنسبة لقبة مسجد تلمسان وفي قبة أبي الغضنفر في القاهرة الفاطمية الذي أصبح يتكون من ثلاثة طوابق.

وممّا تميّزت به العمارة الإسلامية مداخل المدن، والتي كانت عميقة وشاهقة العلو، قد تتجاوز سطح المبنى نفسه، وتكون في قمة المدخل ربع كروية، ومحمولة على مقرنصات أو نصف قبة، وسعى العرب إلى تحديث البوابات الخاصة بالمدن التي تأسست على عهد الرومان، وهذا مُلاحظٌ بالنسبة لبوابة إشبيلية في سور قرمونة، وفي كل من بوابة جيان وبوابة سان بدر ودي قورية، إضافة إلى بوابات أخرى في يابرة وباجة في البرتغال، وقد احتفظت معظم البوابات بصندوق الحاجز الحديد أو الباب المتحرك الموروث من العصر الروماني.

ومن أجل تحميل السقف والقباب، ودعم الجدارات، وأيضا الربط بين الأعمدة أدخل المسلمون بعض عناصر التحميل مثل الأقواس والعقود والتي اختلفت حسب كلّ عصر ومصر، وحسب الإمكانات والذوق العام فبلغت أنواع الأقواس في العمارة الإسلامية اثنان وأربعين قوسا- اشتهر منها العقد المدبب ذو مركزين، وعقد نعل الفرس أو حدوة الحصان ويتألف من قطع دائرية أكبر من نصفها ويكثر في الأندلس والمغرب وفي جامع القيروان عقد بين الدبب ذي المركزين وحدوة الحصان والعقد ذو الفصوص الذي يتألف من أقواس متتالية ويكثر هذا النوع في الأندلس كما في رواق قرطبة، والعقد المزين بالمقرنص مثل الموجود في قصر الحمراء وفي مدارس فاس والمرينية وأضرحة السلاطين في مراكش.




 

 

 


Last modified: Saturday, 17 December 2022, 7:37 PM