يظهر تأثير الفتح الاسلامي في بلاد المغرب بفرض الجزية من طرف عمرو بن العاص على هل برقة (لواتة) ، ويعتبر هذا الفعل بداية لفقدان سلطة المغاربة على أراضيهم وفتح الأبواب أمام الاستقرار العربي الإسلامي في المنطقة، كما أن سلطتهم تتأكد بالقضاء على الوجود الروماني بقرطاجنة بعد التخلص من جرجير. ونلاحظ أن ابن عبد الحكم لم يكتف بسرد تلك الوقائع وإنما علق على ابن عبد السرح ونقده كيف أنه لم يتخذ قيروانا، ولم يول على إفريقية أحدا. وبهذا نفهم أن ابن عبد الحكم وهو أحد أعلام القرن 3ه/9م ومؤرخ مطلع على تجارب العرب في الفتوحات استوعب أهمية بناء المعسكرات والمدن وتعميرها بالعنصر البشري للتمكين للوجود العربي بالمنطقة.
ولهذا نلاحظ أن جل المصادر العربية ثمنت بناء معسكر القيروان وأشادت بأهمية هذه المبادرة العمرانية ونعلل ذلك بفتح الباب أمام الهجرات العربية "جنود-نخبة-قبائل" لإعطاء دفعة قوية لنجاح الفتوحات وتوسع دار الإسلام على حساب الوجود البيزنطي في المنطقة. إلا أن الأهم من ذلك أن القيروان في حد ذاتها كانت منطلقا لإحياء شبكة المدن الواقعة على الطريق التلي الداخلي، في حين تم نوعا ما ضمور النشاط الاقتصادي على الساحل، هذا الأمر شجعه استقرار القبائل وهجراتهم نحو هذه المدن وبناء مدن جديدة على الشبكة نفسها، ويعتبر الطريق الداخلي الذي سلكه عقبة بن نافع وأبو المهاجر دينار بداية لفتح الطريق لمعرفة جغرافية المنطقة، كما أن العرب اعتمدوا التقسيم الإداري البيزنطي المرتكز أساسا على مجموعة من المناطق الداخلية، وفي توسعاتهم العسكرية استغل الفاتحون العرب حاميات وحصون قديمة مثل باغاي وباجة وقابس، وقد عوض ذلك ظهور المدن الجديدة مثل القيروان وتونس وساهم في انحطاط مراكز عسكرية أخرى مثل سبيطلة Suffetula وتبسة Tevessta وقرطاج.
إن هذا المنطلق ساهم خلال الثلاث قرون الأولى بعد الفتوحات في تنشيط خط عمراني ديناميكي اقتصادي يمتد من القيروان إلى فاس مرورا بتيهرت، وذلك من خلال تأسيس الدويلات المستقلة الأولى ذات الانتماء المشرقي والتي ساهمت في استقطاب الهجرات العربية إلى المنطقة خاصة العلويين. ونفهم أن هناك عاملا رئيسيا ساهم في هذا الاستقرار أو بالأحرى في التوسع وهو أن "الدولة الإسلامية الناشئة بعدما استعادت أملاك الامبراطورية خاصة الأراضي أقطعتها للأرستقراطية العربية"، ويدعمه في ذلك أيضا تحكمهم في المجالات الحضرية وقد أثبت اليعقوبي ذلك منتصف القرن الثالث في خضم حديثه عن مدينة القيروان وذكر أن بها "...أخلاط من قريش ومن سائر بطون العرب من مضر وربيعة وقحطان وبها أصناف من العجم من أهل خراسان..." وهذا الأمر سوف يساهم في تحول النمط العمراني الموروث عن العمارة البيزنطية إلى نمط وافد من بلاد المشرق وخاضع للأحكام المرتبطة بالعقيدة والدين الجديدين، هذا إذا اعتبرنا أن القيروان ليست الوحيدة التي استقطبت الاستقرار العربي وإنما جل المدن الواقعة على الخط الداخلي المذكور.
من الضروري هنا التنويه بجهود حسان بن ثابت في تثبيت الفتح وتحقيق المكاسب العسكرية والعمرانية والمحافظة عليها، وتعتبر جهوده في السيطرة على إفريقية ومنطقة الأوراس تكريس للوجود والاستقرار العربي في المناطق الداخلية، فالكاهنة استوعبت ذلك وقالت للبربر: "إن العرب إنما يطلبون من إفريقية المدائن والذهب والفضة" خاصة أنهم اتبعوا طريق تواجد المدن القديمة، وإن لاحظنا هنا نوعا من تخريب واندثار الكثير من المناطق العمرانية بسبب الصراع بينها وبين وحسان بن النعمان ، إلا أنه ساهم في بناء تونس وإعادة الاعتبار للواجهة البحرية من خلال بناء دار لصناع السفن التي تعبر في حد ذاتها عن الاستقرار العربي بها، ومهما يكن من أمر فإننا لا نشك في هجرة القبائل العربية إليها واختطاط المدينة وفقا للنموذج الإسلامي بدلا من البيزنطي الذي يعتمد على النموذج المربع. ومما يثبت بواعث الاستقرار العربي في المنطقة أن بعض الوفود والهجرات الفردية أو الجماعية جاءت إلى المغرب مباشرة بعد القضاء على الكاهنة .
ساهم الوجود العربي في بلاد المغرب بشكله العسكري أو الاجتماعي إلى تحول في الطبونيم المغربي، وبدأت تظهر الأسماء العربية للمدن رغم ترسيخ الأسماء البيزنطية في المدن، والأسماء البربرية في المجالات الريفية إلى فترة متأخرة من العصر الوسيط ومنها ما بقي إلى اليوم محافظا على تسمياته.
نختصر ونذكر بعض الأسماء:
- قرب برقة وجدت قصور استقر بها حسان بعد هزيمته للكاهنة سميت بقصور حسان .
- في إحدى المدن القريبة من برقة أيضا تحول سوق قديم من سبرت إلى نبارة وهو اسم أطلقه عليه عبد الرحمن بن حبيب .
- تحول اسم قلعة واقعة على ثلاث مراحل من القيروان إلى: قلعة بسر بعد أنتوجه إليها وافتتحها.
وقد أكد بعض الباحثين أم مسألة تعريب المدن المغربية عرفت تحولا سريعاـ فتحولة قرطاج إلى قرطاجنة، وتيفاست إلى تبسة، بوڤاي إلى بغاي أو بغاية، ونوميديا إلى الزاب...، ما يدل على أن التأثير العربي على تحولات الأسماء بدى واضحا منذ البداية، كما يبرز أن نية الاستقرار كانت راسخة مع الفتوحات الإسلامية ولم يكن الهدف غارات عسكرية تصاحبها غنائم محدودة.
أما ما تعلق بالمدن والحصون ومختلف مظاهر العمران فمن خلال نصي ابن حوقل والبكري أحصيت المجموعة التالية:
قلعة ابن جاهل- حصن ابن زيني – مدينة ابن ماما – حصن أبي جنون – منزل باب القصر – جراوة العيش – جراوة لعزيزوا – سوق إبراهيم – سوق حمزة – قرية الصفاصف – العباد – عين الصبحي – الغُزة – قرية فرحان – قرية العلوين الأولى – قرية العلويين الثانية – قصر ابن سنان.
وهذه المجموعة عبارة عن نماذج فقط للتأكيد على ظهور نوع من الطبونيم الجديد، الذي يستعمل الحروف والمعنى العربيين بدل حروف ومعنى اللهجة المحلية واللاتينية، وهذا الأمر يؤكد على أنه في نهاية القرن 4ه/10م أصبحت اسماء المدن المعربة أو ذات المعنى العربي تفرض نفسها بقوة في المجال المغربي -خاصة المغرب الأوسط- خاصة على المستوى الحضري وعلى مستوى الشبكة الممتدة من القيروان إلى فاس، وحتى على مستوى شبكة المدن الواقعة على الساحل.