يقول ابن حزم : "يأخذ السلطان الناس بالتجارة، وكثرة الغراس، ويقطعهم الاقطاعات في الارض الموات ويجعل لكل احد ملك ما عمر، ويعينه على ذلك، لترخص الاسعار، ويكثر الاغنياء.."

فابن حزم يؤكد انه من واجب الدولة ان تفتح امام الناس مجالات للكسب والاستثمار، وأن تساعدهم على البناء والتعمير، ليكون ذلك سببا في رخص الاسعار، وانتشار مظاهر الرفه.

ويقول ابن خلدون في "المقدمة" : "فصل في أن تفاضل الامصار والمدن في كثرة الرفه لأهلها، ونفاق الاسواق إنما هو في نفاضل عمرانها في الكثرة والقلة.."

الى ان يقول : "ومتى  زاد العمران زادت الاعمال، ثم زاد الترف تبعا للكسب، وزادت عوائده وحاجاته، فما كان عمرانه من الامصار أوفر، وأكثر، كان حال اهله في الترف أبلغ من حال المصر الذي دونه.."

وهو يشير هنا الى ان ارتفاع مستوى الدخل الفردي يزيد بازدهار العمران، ويعطي ابن خلدون المثال من واقع الحياة، ومما هو مشاهد عنده فبقول : "واعتبر ذلك في المغرب مثلا بحال فاس مع غيرها من أمصاره الاخرى"، حيث كانت في أوج عزها ومجدها ايام ابن خلدون، وتنافس ملوكها في بناء القصور، والمدارس، والمساجد، والحصون، والطرق، والقناطير... وما تزال الاثار المرينية تشهد بازدهار الفن المعماري الجميل، على عهد هذه الدولة، ويعد من الاثار الفنية البديعة التي احتفظ بها الزمان في جهات مختلفة من بلداننا العربية والاسلامية.

ثم قارن ابن خلدون بين بجاية وتلمسان وسبتة، وفاس، ليقرر في النهاية انه كلما ازدهر العمران نمت الحركة الاقتصادية وزاد الدخل الفردي، والرخاء والنماء، وتحسن مستوى المعيشة,, الى ان يقول :

"وحيث الدخل والخرج اكثر تكون الاحوال اعظم، وهما بفاس اكثر لنفاق سوق الاعمال بما يدعو اليه الترف، فالأحوال اضخم,, ومتى عظم الدخل والخرج اتسعت احوال الساكن، ووسع المصر، وكل شيء يبلغك من مثل هذا فلا تنكره، واعتبره بكثرة العمران، وما يكون عنه من كثرة المكاسب التي يسهل بسببها البذل..."

وهذا الفصل- الذي اقتطفنا منه هذه الفقرات- يعد من أمتع فصول المقدمة يعالج موضوع العمران معالجة مبنية على الخبرة والتجربة والمشاهدة.

ويقول ابن الازرق في كتابه  "بدائع السلك في طبائع الملك" : "ان الدولة والملك والعمران بمنزلة الصورة والمادة، وهو الشكل الحافظ لنوعه لوجودها، وانفكاك أحدهما عن الاخر غير ممكن على ما تقرر عند الحكماء، فالدولة دون العمران لا تتصور، والعمران دونها متعذر، وحينئذ فاختلال احدهما مستلزم لاختلال الاخر، كما أن عدمه مؤثر في عدمه".

ثم يقول بعد ذلك : "وتقرر عند الحكماء : الملك بالجند والجند بالمال، والمال بالعمارة.." فكل من ابن خلدون وابن الازرق يؤكدان : ان ازدهار العمران من اسباب تعدد مصادر الكسب ونمو الاسواق وتنوعها..

يقول ابن الازرق : "تعدد الاعمال من اسباب الكسب، وهو مما يفضي الى وجود الثروة، وينشأ عن ذلك شموخ الملك بنمو الجباية، وصرف ما يفضل منها الى اتخاذ المعاقل والحصون، واختطاط المدن والامصار"

وينقل عن ابن خلدون قوله : "اقوى الاسباب في الاعتمار تقليل مقدار الوظائف- الضرائب- على المعتمرين ما أمكن، فبذلك تنشط النفوس اليه ليقينها بإدراك المنفعة فيه..." وهو يومئ  بهذا الى وجوب تسهيل امور السكن والمعيشة، ليقبل الناس على البناء والعمارة، وعلى تعاطي اسباب الحصول على الرزق والتوسع في البناء.

ويذكر ابن الازرق ان العمارة تحفظ بالعدل الذي تقوم به السماوات والارض، ويقول : "قالوا لا جباية الا بعمارة، ولا عمارة الا بالعدل".

ينقل عن ابن رضوان انه قال :   "بالعدل عمرت الارض، وقامت الممالك"

فالتوسع في العمران عند علماء المسلمين، ليس مظهرا حضاريا فحسب، بل هو اساس التقدم والازدهار في سائر مجالات الحياة : العلمية، والفنية، والاقتصادية، والاجتماعية، والسياسية، والعكسرية.. كل هذه المرافق يجب أن ينال حظه من العمران الدال على رسوخ الملك، وعلى جدارة الدولة بالتسيير والبقاء والاستمرار.. كلما كان العمران متينا وواسعا، وشامخا وجميلا، وفي هندسة تبهج العيون، وتأخذ بالالباب.. كلما دل ذلك على رقي الامة، وعلى سلامة ذوقها، واصالة حضارتها.

فحضارة العرب العمرانية يجب أن تؤطر في اطارها الصحيح، لا على انها مظهر من مظاهر البذخ والترف في فترة من الفترات.

فالفن المعماري العربي الاسلامي فهم عند كثير من المتحدثين عنه على أنه كان نتيجة تفسخ وانحلال.. لا على أنه ضرورة من ضرورات أبهة الملك، وعظمة السلطان، وماتزال كثير من القاعات في قصور غرناطة وفاس، وغيرها تحمل اسم الوظيفة التي كانت تمارس فيها، كقاعة السفراء، وقاعة العرش، والديوان، وبيت المال، ودار السلاح، وغيرها من الوظائف التي تحتاجها الدولة في ممارسة اعمالها.

وبصرف النظر عن القصور والبنايات السلطانية فإن ابرز مظاهر الفن المعماري العربي الاسلامي تتجلى في المساجد، والمدارس، واروق طلبة العلم، ودور الحكمة، والفنادق، والحمامات والقيساريات والمارستانات..

وبالعودة الى المصادر العربية التي تحدثت عن العمران في دمشق، وبغداد، والقاهرة، وقرطبة، وفاس، ومراكش، وغرناطة وتونس، وبجاية، وغيرها ندرك أن كثيرا مت هذه الابنية اسس لغايات اجتماعية واقتصادية، ودينية، وعلمية، ودفاعية... ولأهميتها البالغة في حياة الناس، ولما توفره لهم من مصالح مختلفة اهتم بشأنها العلماء والمفكرون، كالكندي، والقاضي القضاعي، وابن حزم، وابن الرامي، وابن خلدون، وابن رضوان، وابن الازرق،   وغيرهم، فهؤلاء وآخرون من امثالهم تحدثوا عن العمارة العربية الاسلامية باعتبارها من مقومات الدولة، ومما يجب العناية به والتوسع فيه، ودعوا الى تسهيل امر البناء، وربطوا بين الازهار العمراني والازدهار الاقتصادي والفكري والثقافي، فالمعمار الاسلامي ينبغي ان يتناول من عدة جوانب، ولنا في تراثنا العربي الاسلامي ما يساعد على ذلك، ويجعل الدراسة في هذا الموضوع دراسة مفيدة وذات مدلول على حضارة امتنا واصالتها وعراقتها، وتمدنها.

وما نشاهده اليوم من نهضة عمرانية في بلداننا العربية، وبخاصة منها دول الخليج العربي هو استجابة لمقتضيات حضارتنا العربية الاسلامية، وهو مؤشر على أن نهضتنا العربية تعمل على ربط حاضرنا الواعد بماضينا المجيد.


Last modified: Thursday, 15 December 2022, 7:47 PM