موضوع العمران في الحضارة العربية الاسلامية من الموضوعات التي لم تعظ بعد بالدراسات المتأنية المستوعبة التي من شأنها ان تعطي صورة واضحة المعالم عن الفن المعماري العربي الاسلامي، وعن أهدافه وغاياته، وعن سر بهائه وجماله وجاذبيته، وأهم خصائصه ومميزاته، وفترات ازدهاره وتألقه، وعن ارتباطه بالوضع الاجتماعي والاقتصادي.. وهل كان العربي دائما شغوفا بالبناء والعمارة الى غير ذلك مما يجب أن يعرفه الدارس لهذا الموضوع البالغ الاهمية في الحضارة العربية الاسلامية.
ومما يلفت النظر في هذا المجال اهتمام كثير من علماء المسلمين بموضوع العمارة والبناء والخطط، واهتمام المؤرخين، والجغرافيين والرحالى بوصف المعالم الحضارية وصفا دقيقا يقربها من القارئن ويعطي صورة في منتهى الدقة والوضوح، فالتراث العربي المخطوط وبعض المطبوع منه يضم نفائس هامة في موضوع العمارة والبناء، وتخطيط المدن والامصار.. الى جانب تتضمنه كتب التاريخ العربي من فصول رائعة تتحدث عن الخطط، والمدن، والقصور، والمنازل والقلاع والحصون..
وبالرغم مما قيل عن العرب بأنهم قوم رحل، وأصحاب خيم ومنازل غير قارة، فإننا نجد النزوع الى البناء والتشييد راود العربي منذ القدم.
وتحدث المؤرخون عن العمارة العربية باليمن، ومكة، والشام، وغيرها من جهات شبه الجزيرة العربية حيث اشتهرت صنعاء بمبانيها المرتفعة، وعرفت مكة بكونها مركزا تجاريا هاما، تنطلق منها قوافل التجار شمالا وجنوبا، وتحدث المؤرخون عن قصور المناذرة بالعراق، والغساسنة بالشام.
ثم جاء الاسلام فقامت حضارته على تشجيع البناء والعمرا، ففتح العرب الامصار، ومع انتشار الاسلام في الشام، والعراق، ومصر، وشمال افريقيا والاندلس... ازدهر العمران العربي بصورة واضحة في البلاد المفتوحة.
وكانت البداية من تغيير النبي صلى الله عليه وسلم اسم يثرب بالمدينة، فالمدينة في اللغة العربية تطلق على المصر الجامع، وتدل على الحضارة واتساع العمران، و"مدن" بالمكان "أقام به"، وتجمع المدينة على : مدائن ومدن، بسكون الدال، وضمها، فإطلاق المدينة على يثرب فيه اشعار بأن الحضارة الاسلامية تشجع العمران والبناء والتوسع فيه.
ومنذ بناء المسجد النبوي بالمدينة المنورة انطلقت حركة العمران العربي الاسلامي، حيث بنيت الدور السكنية في مختلف جهات المدينة وضواحيها، ومن هذا التاريخ اعتبر المسجد هو النواة الاولى في المدينة الاسلامية، والمحور الذي تتفرع عنه المباني المختلفة : دار الامارة، والقضاء الشرعي، والحسبة، وما الى ذلك من المؤسسات الاجتماعية والاقتصادية.
وتحتل السوق بالمدينة الاسلامية مكانتها البارزة بأجنحتها المتعددة، حيث تختص كل جهة منها ببضاعة معينة، وأماكن أخرى للحرف والصنائع.. وكلما اتسعت المدينة الاسلامية اتسعت مرافقها وأسواقها، وتعددت مساجدها، وفنادقها ومتاجرها..
وفي خلافة عمر بن الخطاب "ض" شيد عقبة بن غزوان مدينة البصرة سنة : (16هـ / 635م)، ثم اسس أبو الهياج الأسدي مدينة الكوفة سنة (19هـ/ 638م)، وأقام عمرو بن العاص مدينة الفسطاط بمصر، سنة (20هـ) بمساعدة بعض قاداته الذين اجتهدوا في وضع تخطيط للمدينو يضمن لها الاستقرار والاستمرار، وقد تحدث عن ذلك بتفصيل عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الحكم في كتابه "فتوح مصر وافريقية".
ومما قاله في ذلك :
".. اختط الناس خططهم، وكتب عمرو بن العاص الى عمر بن الخطاب : إنا قد اختططنا لك دارا عند المسجد الجامع، فرد عليه ، اني لرجل بالحجاز تكون له دار بمصر !؟ فأمره أن يجعلها سوقا للمسلمين". "اختط عمرو بن العاص داره قرب المسجد، كما اختط ابنه قصرا على تربيع الكعبة بالفسطاط .
والملاحظ ان البناء في العهد الاول من صدر الاسلام كان يتسم بالبساطة، وأغلبه كان منبيا باللبِن، ومن طابق واحد، وقليل منه بالآجر او الحجارة، وكان عمر ابن الخطاب "ض" يكره كل مظ الترف.
وفي عهد الخليفة الثالث عثمان بن عفان "ض" عرف العمران العربي ظفرة جديدة، وذكر المسعودي في مروج الذهب : أن الصحابة في عهد عثمان أقاموا لأنفسهم دورا فخمة، فشيد الزبير بن العوام دورا فخمة في المدينة، والكوفة، والفسطاط، والاسكندرية، وكان لسعد بن ابي وقاص قصر فخم في وادي العقيق بالمدينة، وشيد كبراء العرب في مكة والمدينة القصور الواسعة من الحجارة والرخام.
وفي العصر الاموي أسست مدن كثيرة ببلاد الشام وغيرها، وفي بداية هذا العهد اسست مدينة القيروان على يد عقبة بن نافع الفهري سنة (50هـ/ 690 م)، وجعلها دار إمارته، وبنى بها مسجده الذي مازال يحمله اسمه الى يومنا هذا.
وفي ايام عبد الملك بن مروان (65- 86هـ/ 685- 905م ) أنشأ الحجاج بن يوسف الثقفي مدينة واسط بالعراق سنة (83هـ/ 902 م)، وتنافس الامراء الامويون في اقامة القصور للراحة والصيد والنزهة، وإحاطة المدن بالاسوار والحصون.
ومن الابنية ذات الصيت البعيد التي انشئت في هذا العهد، البناء الفخم الذي أقامه عبد الملك بن مروان حول مسجد عمر بالقدس الشريف، وعده بعض المؤرخين اول ابداع في الفن الاسلامي : بهندسته، وجماله، وفخامته، وأعمدته، واروقته، وابوابه، ونوافذه، وزخارفه الداخلية والخارجية، أنا قبته الشاهقة فكانت مشار إعجاب عبر الزمان والعصور، وهذا البناء الجميل الذي أقامه عبد الملك بن مروان ادخلت عليه تنميقات وتحسينات فيما بعد فأصبحت "قبة الصخرة" بالمسجد الاقصى من بدائع الفن المعماري العربي الاسلامي، وأخذ روعته على عهد صلاح الدين الايوبي الذي زين منبره ومحرابه فجعل منبره من الخشب المطعم بالعاج والصدف.. وكل ذلك اعطى للمسجد الاقصة وضعه العربي الاسلامي عبر العصور المتتالية.
وكان الوليد بن عبد الملك مولعا بالانشاء والتعمير، وهو الذي امر ببناء المسجد الجامع بدمشق، ودعا لبنائه مهرة الصناع من العرب والبزنطيين، واستمر بناؤه عشر سنين من (86- 96هـ / 905- 914م)، ويقوم على مساحة كبيرة ذات زوايا قائمة، ويتألف من صحن كبير تحيط به أروق من طابقين، وكان يسمى في البداية "بالخضراء" للون قبته الخضراء التي أقيمت عليه، ثم عرف فيما بعد "بالجامع الاموي".
ويذكر المؤرخون ان الوليد بن عبد الملك غلا في بناء هذا الجامع، فقد كان محرابه مرصعا بالجواهر الثمينة، عليه قناديل الذهب والفضة، ومحلى بالفسيفساء، والسلاسل الذهبية..
وكان عمر بن عبد العزيز يرى : أن المال الذي أنفق على بناء الجامع الاموي لم يكن في موضعه، وأن بيت مال المسلمين قد تأثر بسبب ذلك، فأمر بنزع الجواهر الثمينة، واستغنى بالحبال عن السلاسل الذهبية، التي علقت فيها المصابيح، لكنه لما علم ان بعض سفراء الروم لما زاره استعظمه، واغتاظ من بنائه، وقال : ان من يبني مثل هذا البناء لابد وأن تكون دولته قائمة الى امد طويل، لما علم بذلك ترك ما عزم عليه من نزع نفائسه.
ويبدو من خلال النصوص التي ينقلها المؤرخون ان الوليد بن عبد الملك كان يدعو الى التشييد والبناء، يقول ابن عبد الحكم : "كان عمال الوليد بن عبد الملك كتبوا اليه أن بيوت الاموال ضاقت من مال الخمس، فكتب اليهم ان ابنوا المساجد".
ومهما يكن من أمر، فالجامع الاموري معلمة كبيرة من معالم دمشق، ومفخرة من مفاخر البناء العربي، واعتبرت هندسته في كثير من البلاد الاسلامية نموذجا يقتفى، وازدانت دمشق بالعمائر الدينية والمدينة، وحرص كل خليفة من خلفاء بني امية ان يبقي فيها اثرا ينسب إليه.
وفي هذا العهد سنة (114هـ/ 933م) بني "جامع الزيتونة" بتونس، وهو كثير الشبه "بالجامع الاموي"، ايام هشام ابن عبد الملك.
ويذكر البلاذري في "فتوح البلدان" : أن الامويين اعادوا بناء المدن التي خربها الروم قبل مغادرتها، وبأنهم أنشأوا مدنا اخرى جديدة، "كالرملة" بفلسطين، و"مسلمية"، و"المحفوظة"، و"المحروسة" بالهند، و"الموصل" في العراق، وذكر ابن عبد الحكم مدينة الرصافة بالشام، وأنفقت على هذه البنايات والمنشآت أموال باهظة من ميزانية الدولة حسبنما يذكره البلاذري نفسه اثناء حديثه عن بناء سليمان بن عبد الملك : (96- 99/ 915- 919) لمدينة الرملة بفلسطين.