-          بدأ عصر النهضة معتمدا على هؤلاء الذين كانوا يؤمنون بأن العصور الوسطى هي مرحلة انتقالية لفترة جديدة من التقدم والرقي، ولهذا أطلقوا عليها البعث أو الإحياء، ولقد بدأ عصر النهضة في إيطاليا في القرن الخامس عشر الميلادي . أما عن أسباب ظهور عصر النهضة  هناك أولا ثم الانتشار منها إلى بقية أنحاء أوروبا فكثيرة منها:

1-     موطن الحضارة الرومانية: إن إيطاليا هي موطن الحضارة الرومانية حيث إنها شهدت أوج هذه الحضارة، وبعد أن تم القضاء على هذه الإمبراطورية نجدها تحتضن الآثار الباقية من تماثيل وقصور إلى جانب الوثائق والمخطوطات التي كانت تزخر بها والتي عمل علماء هذه الحركة على الإكثار منها والتنقيب من أجلها، هذا إلى جانب أن الإيطاليين أنفسهم كانوا دائما يرون هذه التماثيل واآثار أمامهم دليلا على عظمة وتقدم آبائهم، لذا فإنه قد تولد بداخلهم شعور قوي لإحياء هذه الحضارة وأن يتابعوا هذا الرقي في عصرهم الحديث ولكن بشكل يتمشى مع عصرهم  وفكرهم.

2-     طبيعة شبه الجزيرة الإيطالية السياسية: فقد كانت إيطاليا منقسمة إلى عدة إمارات وولايات وجمهوريات ودوقيات متنافسة مما أعطى الفرصة لأمراء هذه المدن في التنافس على تشجيع العلماء والأدباء والفنانين إما للعلم ولتشجيع العلم لذاته، وإما لنزوعهم إلى البحث عن المجد الشخصي وحث الفنانين على تخليد أسمائهم وإنشاء التماثيل لهم. ومن الأسرات التي برزت في عهد المجال أسرة المدتشي بفلورنسا حتى بلغ تكريم لورنزو العظيم للفنان مايكل أنجلو أنه جعله رفيقا لأبنائه، وأسرة بورجيا التي شجعت  العلماء والفنانين والأدباء، ولم يكن بابوات روما أقل من هذه الأسر ، فكثير ما كان البابوات يجزلون العطايا لهذه الفئة، نذكر منهم البابا نيقولا الخامس والبابا ليو العاشر.

3-     إيطاليا حلقة اتصال: فقد كانت إيطاليا حلقة اتصال بين المشرق الإسلامي وأوروبا الغربية، فشاركت في نقل الصليبية على سعتها وتقوم بالتجارة مع العرب بصرف النظر عن الحروب مما ساعدها على الاستفادة من علوم العرب إلى حد بعيد، فنقلت الدراسات الفلكية والطبية والرياضيات، كذلك قربها من العاصمة الشرقية القسطنطينية جعلها تفيد من هؤلاء العلماء الإغريق إذ كانوا يحاضرون في مدارسها، وكذلك إرسال بعثتها العلمية إلى بيزنطة لكي ينالوا أكبر قدر من العلم الإغريقي.

4-     احتراف إيطاليا للتجارة: حيث إن المدن الإيطالية اشتغلت بالتجارة ساعدت ذلك على توافر المال الذي ساعد العلماء على البحث والتنقيب والعكوف على العلم والدرس فقط دون الاهتمام بالأشياء المادية بشكل كبير.

مجال التاريخ: حظي التاريخ باهتمام كبير من رجال عصر النهضة في إيطاليا حيث إن المؤرخين قديما كانوا يعتمدون على الرواة وما إلى ذلك من المصادر غير المؤكدة، أما في عصر النهضة فقد نشأت المدارس النقدية وعلى رأسها مدرسة فلورنسا، وقد أنتجت هذه المدرسة إنتاجا ضخما في المجال التاريخي، ولقد طبعت كتب هذا العصر بطابع جديد يكاد  يكون باكورة  طيبة لعلم التاريخ الحديث حيث إنهم تحرروا من الموضوعات الدينية والتقاليد البالية والخرافات والتزموا بالموضوعية مما مهد لعلم حديث في التاريخ.

فن العمارة: كان فن العمارة قائما في العصور الوسطى ولكن بنظرة العصور القديمة حيث كان يوجد في شمال أوربا في العصور الوسطى فن معماري له طابع خاص يعرف بالفن القوطي والذي انتقل فيما بعد إلى إيطاليا، واستفاد الإيطاليون من هذا في بناء الكنائس إلا أنه مع تطور الحياة في شتى مجالاتها في عصر النهضة أدمجت في فن العمارة الخصائص والرسومات الهندسية، وكانت فلورنسا هس مهد هذا التقدم ومنها انتقل إلى بقية أنحاء إيطاليا

5-     مقر الزعامة الدينية في أوروبا:  أضفى البابوية في روما على إيطاليا مركزا ممتازا فصارت قبلة العالم المسيحي، رغم انغماس كثيرين من رجال الدين في الملذات، فقد أنفق كثيرا من البابوات الكثير من الأموال التي تدفقت على الكنيسة في النهوض بالعلم وإنشاء المكتبات فكانت مكتبة الفاتيكان من أشهر المكتبات التي غصت بالكتب العلمية

6-     طبيعة الشعب الإيطالي : لقد اشتهر الإيطاليون بميلهم للفنون وحبهم للموسيقى والرقص والأغاني والتصوير والنحت والعمارة والشعر والأدب عامة، فحين وجدت هذه الطاقات الجو المناسب ظهرت هذه المواهب، وهكذا ساعدت هذه الظروف على يبرز معالم النهضة في شبه جزيرة إيطاليا قبل غيرها من الدول الأوروبية

النهضة خارج إيطاليا

نهل عدد من طلاب العلم من مناهل العلم في إيطاليا وتشربوا روح الحضارة فيها، فلما انتقلوا إلى بلادهم كانوا الشعلة التي أوقدت نار الثورة على القديم.  نذكر من هؤلاء أرازمس (Erasmes) وهو هولندي المولود (1467- 1536م) ولد في مدينة روتردام لكنه  أقام فترة في فرنسا وانجلترا وألمانيا ووضع عدة مؤلفات بالاتينية، وقد تأثر بالدراسات القديمة اليونانية واللاتينية التي احتضنتها إيطاليا، لكنه اختلف عن كثيرين من الإيطاليين في أنه كان مسيحيا يرى أن المجتمع الأوروبي لا يصلح إلا بالعودة إلى المسيحية الأولى ببساطتها وتعاليمها، وكان يرى أن ما أصاب بالمجتمع الأوروبي من إنهيار يرجع إلى ما أصاب الكنيسة  ورجال الدين من تدهور، وكان يرى في التعليم أشرف مهنة، واستخدم موهبته في السخرية من انحرافات رجال الدين، وسار فترة مع (لوتر) لكنهما اختلفا وافترقا لأن لوتر خرج على روما وسيطرتها، أما أرازمس فكان يؤمن بإمكان إصلاح الكنيسة الكاثوليكية من الداخل، فهو يمثل المصلح المسيحي الهادىء.

-مظاهر النهضة الأوروبية خارج إيطاليا:  اتخذت النهضة مظاهر مختلفة في البلاد الأوروبية الأخرى غير إيطاليا.

ففي أمانيا: كان  الطابع الأساسي للنهضة، الدعوة للإصلاح الديني، وقد تمت النهضة في ألمانيا دينية فلسفية، وبعدت كل البعد عن تقديس الجمال وعن محاكاة مكان سائدا في المجتمع الإفريقي الروماني من فن ومن طريق معيشة، وقد رحبت الجامعة الألمانية بالدراسات الإنسانية وأدخلتها في برامجها التعليمية من روادها يحنا روكلين  ويحنا مولر.

وفي فرنسا: يلاحظ تلاقي بين النهضة في إيطاليا والنهضة في فرنسا وكانت النهضة في فرنسا نهضة علمية بتشجيع ملوك فرنسا أنفسهم وأدى تشجيعهم للعلوم إلى أن وفد على فرنسا عدد من العلماء الإيطاليين رغم توقف الإنتاج الثقافي بسبب حرب المائة عام بين فرنسا وانجلترا ..  ومن أشهر  ملوك فرنسا الذين اشتهروا بتشجيعهم للعلن والعلماء الملك فرنسوا الأول (1494- 1540م) الذي أنشأ كلية فرنسا (College France) وتعتبر إلى اليوم من مفاخر فرنسا وقد  أطلق عليه أب الآداب.  لكن النهضة في فرنسا تختلف عنها في إيطاليا في أن الإيطاليين كان انتاجهم الأدبي الفني تقليدا للمخلفات القديمة الإغريقية والرومانية لكن الفرنسيين مزجوا بين القديم والحديث، وقد تقوت فرنسا في دراسة القانون الروماني القديم حيث درسوه وفق ما يتماشى مع العصر .

وفي إنجلترا: تأخرت النهضة  بعض الشيئ لإشتغال إنجلترا في حروبها ضد فرنسا، لكن ظهرت جماعة نهلت من مناهل العلمي في إيطاليا ثم رجعت إلى إنجلترا وعمدت إلى نشر أرائها في جامعة أكسفورد  فأطلق عليهم اسم (مصلحو أكسفورد) التي أصبح بها خمس كراسي هي: اللاهوت، القانون المدني، الطبيعة، اللغة العبرية، اللغة اليوناني.. وبرزت جامعة كمبردج أيضا، ومن الذين ساهموا بنصيب في الجامعتين أرازمس الذي أشرنا إليه من قبل، وتوماس مور، وبلغت النهضة في إنجلترا ذروتها في القرنين السادس عشر والسابع عشر، ولعل مؤلفات شكسبير خير دليل على ذلك.

  •                            وفي إسبانيا: كان لما اشتهر به ملوكها من التعصب والإسراف في تأييد المذهب الكاثوليكي أثره في موقفهم موقفا عدائيا صارما من الدراسات        الإنسانية.
  • المراجع 
  •  عبد العزيز سليمان نوار  ومحمود محمد جمال الدين، التاريخ الأوروبي الحديث من عصر النهضة في نهاية الحرب العالمية الأولى، دار الفكر العربي، مصر، 1999م- 

    - عبد العظيم رمضان، تاريخ أوروبا والعالم في العصر الحديث، الهيئة المصرية العامة للكتاب، مصر، ط1، 1997م، ج1.

    - عبد الحميد البطريق وعبد العزيز نوار، التاريخ الأوربي الحديث من عصر النهضة إلى أواخر القرن الثامن عشر، دار الفكر العربي، مصر، 1997م.

    - عبد الفتاح أبوعليه واسماعيل أحمد ياغي، تاريخ أوربا الحديث المعاصر، دار المريخ، الرياض، ط3، 1993م.

آخر تعديل: الخميس، 23 يناير 2025، 3:59 PM