النهضة الأوروبية

The European Renaissance

 

إن الانتقال من العصور الوسطى إلى العصور الحديثة اشتمل على تغيرات عظيمة ظهرت وتطورت تدريجيا نقلت العالم الأوروبي من العصور الوسيطة إلى الحديثة، وقد ساعدت مجموعة من العوامل على حدوث ذلك أهمها: انحلال الإمبراطورية والبابوية ونهضة الشعوب وتمتعها بالقوة السياسية ونشأة الدول الحديثة، فتعريف النهضة الأوروبية ليس بالأمر السهل، فهي ليست حادثا معينا  وإنما هي حركة شاملة واتجاه جديدا في تفكير وأعمال ومعيشة المجتمع الأوروبي الذي تحرر تدريجيا من قيود العصور الوسطى.

1-     مفهوم النهضة الأوروبية الحديثة:  تعتبر كلمة النهضة في معناها الإصلاحي التاريخي بالنسبة لتاريخ أوروبا حديثة التعبير  ظهرت في عام 1830م ومازال معناها الحقيقي موضع جدل ونقاش واستقصاء، فكلمة النهضة لها مدلولان ، مدلول واسع والآخر ضيق، وقد خص هذا الأخير بالإيطاليين فقد عنى هذا اللفظ بالنسبة لهم بعث الآداب والفنون والعلوم الكلاسيكية اليونانية والرومانية ودراستها من جديد خاصة بعد شعورهم بأنها انعدمت  بسبب غزوات الجرمان والقبائل الأخرى خلال القرون الثالث والرابع والخامس، وبعثت من جديد بعد قرون على يد بترارك وغيره من الذين اهتموا بدراستها، فقامت النهضة في التطور لمجالات أخرى كالكشف الجغرافي والإصلاح الديني وتطور المعرفة الإنسانية.  

لكن  باعتبار التغيرات الشاملة التي أحدتثها النهضة في المجتمع الأوروبي في النواحي المختلفة من نظم الحكم والحالة الإجتماعية والعلوم والفنون والفلسفة والدين والأدب وهو ما هيأ لبداية العصور الحديثة، وهذا المدلول أوسع وأشمل، فعصر النهضة من هذا المنظور هو عصر ظهور الفرد وعصر ظهور وانعاش الآداب القديمة وعصر الفن والبناء وعصر الكشوف الجغرافية وبداية العلم الجديد وعصر النقد وظهور الكنائس المستقلة عن سلطة البابا كانجلترا وألمانيا وعصر ظهور المخترعات الحديثة.

وبعبارة أخرى تعني النهضة الأوروبية حركة التجديد والبعث والإحياء للحضارة الكلاسيكية (اليونانية واللاتينية) وتضم التغيرات التي طرأت على المجتمع الأوروبي في نظمه الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والقانونية والفكرية والثقافية والفنية.

2-     عوامل قيام النهضة الأوربية: عكانت أوربا الغربية تخضع لعاملين هامين هما:

-          سيطرة الكنيسة على الجانبين الروحي والعلمي وسيطرة  النظام الإقطاعي على الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، فالنهضة الأوروبية كانت نتيجة حتمية لظهور مفاهيم ومقومات  عصر جديد تختلف عن مفاهيم ومقومات العصور الوسطى:

أ‌-        ظهور المدن:  كان نظام الإقطاع يرتكز أساسا على الأرض وطبقة الفرسان والعلاقات الإقطاعية  التنظيمية القائمة بين السيد والتابع فنشأت المدينة الأوروبية كنتيجة حتمية لنمو التجارة والصناعة البسيطة وبالتالي ابتعاد الفرد والمجتمع الأوروبي عن سيطرة طبقة النبلاء الإقطاعية. وبهذا أصبحت المدن مركز النشاط في أوروبا بحكم وجود جماعة كبيرة مقيمة معا في مكان واحد مستقر، وأخذت الوحدات الاجتماعية الأوروبية المقيمة في المدن تبتعد عن التقاليد والحواجز والقيود الفكرية التي كانت سائدة في النظام الإقطاعي، وكانت المدن الإيطالية مصدرا للمذهب الإنساني الذي انبعثت منه النهضة الأوروبية.

ب‌-    الحروب الصليبية: دامت قرنين من الزمن (1096- 1298م) ورغم الفشل العسكري لأوروبا إلا أنها استفادت  من تلك الحروب في جوانب  أخرى وأبرز نتائجها:

-          الاحتكاك بالعالم الإسلامي وهو ما أدى إلى ظهور مفاهيم جديدة في الجوانب الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والفكرية، ففي حين كانت المؤسسات التعليمية منتشرة في أنحاء العالم الإسلامي لم يبقى أثرا للحضارة.

-          العلم في أوروبا الغربية إلا ما كان  ينبعث من المدارس الديرية والأسقفية أو الكاتدرائية. وقد تسربت الحضارة الإسلامية إلى أوروبا عن طريق الأندلس وصقلية وبلاد المشرق الإسلامي بعد الحروب الصليبية.

ج- انحلال البابوية وضعف الكنيسة الغربية: عمت الكنيسة الغربية وأجهزتها ومؤسساتها مجموعة كبيرة من المفاسد، فقد سيطرت الكنيسة على الحياة الفكرية والدينية والثقافية وانصب اهتمامها على الدراسات اللاهوتية والأدبية واستغل الباباوات نفودهم في تعيين أقاربهم في الوظائف الدينية وأنفقوا الأموال على البدخ والترف وبناء الكنائس والكاتيدرائيات وزخرفتها، فكان البابا يعيش في العصور الوسطى في قصر كما لو كان ملكا متوجا، وانحلت القيم وانغمس كبار رجال الدين في الملذات والمحرمات، واتبعوا كل الوسائل لجمع الأموال كبيع صكوك الغفران والاشتراك في أعمال السلب والنهب.

د- الحركات الدينية المناهضة للكنيسة: أمام ضعف البابوية وانحراف الباباوات عن واجبهم الديني وانغماسهم في الفساد والملذات كما سبقت الإشارة، ظهرت طبقة مثقفة دعت إلى ضرورة الإسراع في إصلاح تلك المفاسد والعودة بالمسيحية إلى نقاوتها وبساطتها الأولى.

وقد مثل هذه الطبقة المثقفة جماعة من المثقفين الكنيسيين والعلمانيين كالأمراء والمعادين لاتساع نفوذ البابوية على حساب سيادتهم السياسية، نذكر الإمبراطور فردريك الثاني إمبراطور الدولة الرومانية المقدسة الذي ناصب البابوية العداء الطويل .

وظهرت عدة حركات تنادي بإصلاح الكنيسة وتقليص سلطتها منها الحركة الإصلاحية في انجلترا برئاسة جون ويكليف (1320- 1384م) وحركة جون هس في بوهيميا والذي نادى بأن لا واسطة بين الإنسان والرب إلا عن طريق الإيمان والعمل بما جاء في الكتاب المقدس.

3-     خصائص النهضة الأوروبية:

  •          الناحية الثقافية:  ظهور تيارات ونظريات فكرية جديدة على رأسها روح الشك والنقد وإحياء الدراسات اللاتينية والإغريقية، وقد نشأت النهضة الثقافية بعيدا عن الجامعات التي كان أغلب اهتمامها بالطب والقانون وعدم اهتمامها بالدراسات الإنسانية الأخرى
  •          الناحية السياسية:أخذ الأفراد في نهاية العصور الوسطى في التحرر تدريجيا من العبودية ونجحت العديد من الدول في إقامة دول قومية حديثة يكون فيها ولاء أفراد الشعب للملكية والوطن وليس لغيرهما، وهو ما حدث في إنجلترا وفرنسا وإسبانيا، وما ساعد في ذلك تصدع الإمبراطورية والكنيسة، وهو ما أفسح المجال لظهور الدول القومية، كما أنه ثرت بعض النظريات السياسية التي كانت سائدة في العصور الوسطى منها نظرية القائلة بأن الكنيسة لها الهيمنة على الحياة الروحية الدينية في حين يحكم الإمبراطور بتفويض من الله.
  •          الناحية الاقتصادية: نشطت التجارة العالمية بالمنتجات الأوروبية وذلك في أعقاب الكشوف الجغرافية وهو ما أدى إلى انتشار التجارة الأوروبية في أنحاء العالم، وهو ما أدى فيما بعد إلى الاستعمار ، وبعد أن كان الاقتصاد قائما على الاكتفاء الزراعي فقد ظهر اقتصاد زراعي تجاري متداخل استمر ثلاثة قرون فيما بعد، وكان نواة الثورة الصناعية الأوروبية لاحقا.
  •          الآثار وعلم التاريخ: تعرضت الآثار  في العصور الوسطى للسرقة التي لم يكن عامة الشعب يدرك قيمتها في حين رغب النبلاء في الاحتفاظ بها في قصورهم الفخمة، كما حظي التاريخ بالاهتمام فتطورت مناهج البحث التاريخي وظهرت المدارس النقدية ومن أهم الأبحاث التي ظهرت في هذه المرحلة بحث المؤرخ الإيطالي لورونز فالا  عن هبة قسطنطين، فتكونت مدرسة نقد تاريخي في فلورنسا.
  •          ظهور اللغات الحديثة:حيث نشأت فئات من العلماء والأدباء في كل إقليم باستخدام لهجاتهم المحلية كلغة قومية لهم، وأصبحت هذه اللغات مظهرا من مظاهر القومية، وعكف أولائك العلماء على التأليف في مجال دراستهم بلغتهم المحلية، فكتب جيفري تشوسر  (Geoffrey Chaucer) قصص كانتر بري باللغة الإنجليزية وكاتب دانتي (Danty) الكوميدي الالهية باللغة الإيطالية وكتب مونتاني (Montagne) كتب رسائله الفلسفية في الأخلاق والفلسفة بالفرنسية. 
    • الفنون الجميلة:

إن المتصفح لعصر النهضة يلاحظ التقدم في الفنون الجميلة، ومن أشهر  الفنانين الذين     ظهروا في هذه المرحلة    ليونارد دافنسي (Leonardo Devinci) ومايكل آنجلو (Michael Angel) ورفائيل (Rafael).  وعادت العمارة بشكل جديد وتأثرت  بحركة إحياء العلوم والفنون، وأدخلت عليها العناصر  النباتية والهندسية وكان فلورنسا أول

المدن التي شهدت هذا التطور ومنها انتقلت إلى سائر المدن الإيطالية. .

المراجع:

 عبد العزيز سليمان نوار  ومحمود محمد جمال الدين، التاريخ الأوروبي الحديث من عصر النهضة في نهاية الحرب العالمية الأولى، دار الفكر العربي، مصر، 1999م- 

- عبد العظيم رمضان، تاريخ أوروبا والعالم في العصر الحديث، الهيئة المصرية العامة للكتاب، مصر، ط1، 1997م، ج1.

- عبد الحميد البطريق وعبد العزيز نوار، التاريخ الأوربي الحديث من عصر النهضة إلى أواخر القرن الثامن عشر، دار الفكر العربي، مصر، 1997م.

- عبد الفتاح أبوعليه واسماعيل أحمد ياغي، تاريخ أوربا الحديث المعاصر، دار المريخ، الرياض، ط3، 1993م.

Last modified: Tuesday, 25 February 2025, 7:44 PM