أولا- المدرسة التجارية:
ظهر المذهب التجاري في القرن 17 بظهور الدولة الحديثة والوحدة القومية في كل من انجلترا واسبانيا وفرنسا والبرتغال وبلجيكا وهولندا وبدأت مجموعة من الناس أطلق عليهم التجاريون يدافعون عن المذهب التجاري والذي تلخصت اهدافه في جمع المعادن النفيسة ( الذهب والفضة) والتي كانوا يعتبرونها أساس ثروة الامة وعظمتها، ويمكن الحصول عليها من مصدرين أولهما: مناجم الذهب والفضة والتي هي موجودة في بلدان محددة، وثانيهما التجارة الخارجية.
انطلاقا من ذلك فقد اقترح التجاريون ان تقوم الدولة بالتدخل في الشؤون الاقتصادية، وذلك بتشجيع الصادرات وتقييد الواردات حتى تستطيع خلق فائض في الميزان التجاري لصالحها وتستقدم الذهب والفضة إليها. وبما ان جميع الدول التي تتم المتاجرة بينها لا تستطيع ان تخلق فائضا في الميزان التجاري في وقت واحد علما بأن كمية الذهب والفضة ثابتة في وقت معين، وعليه فإن بعض الدول تحقق مكاسب من المعادن النفيسة على حساب الدول الاخرى.
يقيس التجاريون ثروة الامة بما يتوافر لديها من معادن نفيسة لكننا في العصر الحاضر نقيس ثروات الامم بما يتوافر لديها من سلع وخدمات لإشباع الحاجات الانسانية.
لقد تميز منطق التجاريين بضرورة تدخل الدولة في التجارة الخارجية لذلك طالبوا بوجوب إخضاع التبادل الدولي لبعض القيود والتي تتمثل في الضرائب على الواردات وإعانة الصادرات ومنع استيراد بعض السلع. وذلك بقصد تحقيق فائض في الميزان التجاري. وقد كان من الوسائل التي اتبعها التجاريون فرض قيود على تصدير المواد الغذائية كي ينخفض ثمنها وبالتالي تنخفض مستويات الأجور وهذا من شأنه خفض تكاليف الإنتاج في الصناعة وتشجيع الصادرات الصناعية.
ثانيا: مدرسة الطبيعيين: (الفيزيوقراط)
ظل المذهب التجاري سائدا حتى ظهرت مدرسة الطبيعيين والتي نادت بحرية النشاط الاقتصادي وفقا للقوانين الطبيعية والقاعدة المعروفة دعه يعمل دعه يمر الامر الذي دفع الافراد والجماعات الى ممارسة النشاط الاقتصادي بحرية بعيدا عن القيود والعقبات التي كانت تفرضها الدولة، ما مهد لظهور افكار الاقتصاديين التقليديين (آدم سميث وريكاردو وجون ستيوارت ميل...) الذين هاجموا جميع أنواع الحماية والتدخل على التجارة الخارجية.
تعد مدرسة الطبيعيين أول مدرسة اقتصادية فكرية جديدة لها مؤسس هو الفرنسي (فرانسوا كيناي F . Kenny 1691 - 1774) وهو احد أطباء الملك الفرنسي لويس الخامس عشر وقد نشر افكار هذه المدرسة في كتابه الموسوم «الجدول الاقتصادي » عام 1758، وقد نادت افكار هذه المدرسة بحرية النشاط الاقتصادي (التجاري على وجه الخصوص) وفقا للقوانين الطبيعية التي تحكم النشاطات المختلفة بما فيها النشاط الاقتصادي الذي مثله كيناي بالدورة الدموية في جسم الكائن الحي التي تعمل بشكل تلقائي دون تدخل من صاحب الجسم. وقد استعار كيناي فكرة "الجدول الاقتصادي" من الدورة الدموية في جسم الإنسان، اذ ان المجتمع (اي مجتمع كان) ينقسم الى ثلاث طبقات: طبقة المزارعين وهي الطبقة المنتجة الوحيدة، باعتبار ان النشاط الزراعي آنذاك هو النشاط الرئيسي السائد ليس في فرنسا فحسب وانما في جميع ارجاء المعمورة، اذ لم تولد الثورة الصناعية بعد، وطبقة ملاك الأراضي واخيرا طبقة الصناع والحرفين، وتسمى الطبقتين الأخيرتين بالطبقات العقيمة.
وتتمثل أهم أفكار هذه المدرسة في نقطتين أساسيتين:
الأولى "وجود نسق طبيعي يقود المجتمعات الانسانية، فمن غير المفيد تحديدها بتشريعات بل تركها لذلك النسق الطبيعي" وهو بمثابة الولادة الأولى لفكرة (اليد الخفية Hidden Hand) التي تسيّر الحياة الاقتصادية وضرورة تنحي الدولة عن إدارة الاقتصاد.
الثانية " أن الزراعة هي أصل النشاط الاقتصادي المنتج وهي مفضلة على الصناعة والتجارة، وان الأرض هي مصدر جميع الثروات، وان الفلاحين هم الطبقة المنتجة الوحيدة، اما الطبقات الأخرى فهي عقيمة ".
ثالثا: النظرية الكلاسيكية:
تسعى النظرية الكلاسيكية في التجارة الدولية لتوضيح السبب الاساسي لقيام التجارة الدولية، وقد ارجعت قيامها إلى ثلاث(03) أسباب محتملة:
أولها: أن بعض الدول التي تنتج سلعا لا تستطيع إنتاجها دول أخرى، فعلى سبيل المثال البترول والخامات المعدنية كالحديد والفحم لا تنتج إلا في دول معينة على مستوى العالم مثل: دول الخليج كالسعودية وقطر، الخ. كذلك السلع الصناعية تنتج في الدول الصناعية الكبرى مثل: الولايات المتحدة الامريكية، كندا، اليابان، الخ. نظرا لان هذه الدول هي التي لا تخترع التكنولوجيا الحديثة لإنتاجها. ولكن الامر يتوقف في الحقيقة على تكاليف الانتاج، حيث يمكن إنتاج أي سلعة في أي مكان في العالم، ولكن بتكاليف مختلفة، وهذا يعني أن السبب الأول لقيام التجارة الدولية يتوقف على تكلفة الانتاج في هذه الدول، هل هي مرتفعة أم منخفضة.
ثانيها: أن بعض الدول التي لديها فائض في بعض السلع في حين تعاني دول أخرى من عجز فيها، فوجود فائض في الانتاج من بعض السلع لدى بعض الدول يحتاج إلى تفسير من ناحية الإمكانيات الإنتاجية ومعرفة سبب التفوق من الناحية الكمية ولكن من ناحية أخرى لا بد وأن يقترن التفوق من الناحية الكمية والفائض الإنتاجي بنفقات منخفضة وأسعار منخفضة على المستوى الدولي، حتى يمكن تصدير هذا الفائض إلى دول أخرى وهذا يغني أن السبب الثاني لتفسير قيام التجارة الدولية يتوقف على تكاليف إنتاج هذه السلع.
ثالثها: أن التجار يحققون مكاسب من نقل سلع تباع بأسعار منخفضة إلى دول تباع فيها بأسعار مرتفعة، ويبدوا أن هذا السبب مقنع، وقد ظل هذا التفسير سائدا ومقبولا تحت مسمى نظرية الاسعار المطلقة، حتى ظهرت نظرية النفقات النسبية، وقد اشتهرت بنظرية المزايا النسبية فحلت محلها.
1- نظرية الميزة المطلقة " آدم سميث " The Absolute Advantages
نشر (آدم سميث (Adam smith أفكاره في التجارة الدولية في كتاب أصدره عام 1776م تحت اسم " ثروة الأمم Wealth of Nations " وهي جزء من النظرية الكلاسيكية. ومضمون النظرية ينص على أن المزايا التي تنتج عن تقسيم العمل داخل الدولة نفسه فإنها تتحقق كذلك نتيجة لتقسيم العمل على النطاق الدولي (قام آدم سميث بقياس المزايا التي يحققها تقسيم العمل بين الإفراد داخل الصناعة الواحدة في معمل للدبابيس) . أي ان الدولة تتخصص في إنتاج السلع التي تتوقع أن يزداد إنتاجها فيها، بتكاليف اقل أو بكفاءة أعلى أو بالاثنين معاً وذلك لوفرة المواد الأولية او العمالة المدربة او الرخيصة او الآلات او الظروف المناخية المواتية...الخ.
والأساس الذي اعتمد عليه آدم سميث في توسيع نطاق تطبيق آرائه لتحسين العمل لتشمل المجال الدولي (اتساع نطاق السوق) هو التبادل ، فالسوق يتسع بدرجة أكبر إذا ما تمكنت السلع من إيجاد أسواق لها خارج نطاق البلد , لان ذلك سيؤدي إلى توجيه النشاط الاقتصادي نحو انتاج السلع التي تنتج بتكاليف أقل من تكلفة إنتاجها في الخارج واستيراد السلع الأجنبية التي يمكن إنتاجها بالخارج بتكاليف أقل من تكاليف إنتاجها في الداخل، فتقسيم العمل في المجال الدولي طبقا لما جاء في كتاب آدم سميث يوجب على الدولة أن تتخصص في إنتاج السلع التي تكون لديها ميزة مطلقة في إنتاجها. وذلك بناء على عدة افتراضات أساسية:
· المنافسة الكاملة.
· التوظيف الكامل: أي ان موارد الدولة لا تتأثر بالتبادل بل هي معطاة وفي حالة توظيف كامل، وعند قيام الدولة بمعاملات دولية فإن ما يحث هو إعادة توزيع الموارد على الفروع الانتاجية المختلفة مما يحقق أكبر عائد للدولة.
· الحركية الكاملة لعناصر الانتاج على المستوى الداخلي: أي عدم قدرة عوامل الانتاج على التنقل دوليا، مما يؤدي الى اختلاف إنتاج السلع.
· تماثل الاذواق.
وهناك افتراضات أخرى تتمثل في:
· قيمة مبادلة السلعة تتحدد بقيمة العمل المبذول في إنتاجها.
· وجود دولتين وسلعتين.
ويبين الدكتور محمد دياب أن هناك افتراضين آخرين لنظرية آدم سميث، وهما:
· ثروة الدولة تقاس بما تنتجه من السلع والخدمات: أي تنتج منها أكثر مما تحتاجه لإشباع حاجاتها الداخلية، وتقوم بمبادلة الفائض مع العالم الخارجي، مقابل استيراد السلع التي يكون انتاجها غير ملائم لها.
· ان التجارة الدولية تعود بالفائدة على جميع المشاركين في التبادل الدولي.
يعتقد آدم سميث بأن نفقات إنتاج السلع تتمثل في كمية العمل اللازمة لإنتاجها، وان عنصر العمل الوحيد من عناصر الانتاج الذي يؤخذ بعين الاعتبار في حساب تكلفة انتاج السلعة وقياس قيمة الموارد الاقتصادية المستخدمة في انتاجها، إلا إن هذا الأساس الذي بنى سميث نظريته عليه لا يمثل إلا حالات قليلة من التجارة الخارجية وخاصة بين الدول المتقدمة من جهة وبين الدول النامية من جهة أخرى. وهذا ما دفع (ديفيد ريكاردو) الى صياغة نظرية بديلة للتجارة الخارجية مبنية على أساس الفوارق في التكاليف النسبية بين البلدان بدلا من التكاليف المطلقة أي ان نظرية التكاليف المطلقة هي حالة خاصة من حالات التكلفة النسبية، لذا أطلق على هذه النظرية اسم نظرية (المزايا او التكاليف النسبية).
وقد وجهت انتقادات لأفكار آدم سميث وأخِذ على مبادئه أنها تنادي بأن تتخصص كل دولة في إنتاج السلع التي تتفوق في إنتاجها، ولكن الدولة التي لا تتفوق في إنتاج أي سلعة فهل عليها ان تتوقف عن الإنتاج وتكتفي بالاستيراد؟ فهناك عدد من الدول لا تتمتع بأي تفوق وهذا يكون عرضة لمشكلات اقتصادية لأن سلع الدولة المتفوقة ستغزو أسواقها في وقت لن تستطيع فيه تصدير أية سلعة لكي تمول الاستيراد.
إن هذا الانتقاد لم ينتقص كثيرا من قدر نظرية سميث لأن الحكم على أية نظرية يجب أن يأخذ بعين الاعتبار الظروف التي كانت سائدة وقت ظهورها، فحرية التجارة كانت في صالح بريطانيا في ذلك الوقت (بداية انطلاق الثورة الصناعية) وكانت صناعة بريطانيا قوية ولم يكن يخشى عليها من منافسة الدول الأخرى.
2- نظرية الميزة النسبية " ديفيد ريكاردو "
لقد استعرض ريكاردو ما ذهب اليه آدم سميث من أن التجارة الخارجية تقوم بين دولتين وسلعتين ستعود بالفائدة عليهما وأن التخصص وتقسيم العمل الدولي لا يتوقف على نظرية الميزة المطلقة للدول وإنما يتوقف على مقارنة الميزة النسبية لمختلف الدول في إنتاج السلعتين معا، إحداهما بالنسبة للأخرى، وقد اعتمدت نظرية ديفيد ريكاردو على عدة فرضيات من بينها:
· وجود دولتين، وسلعتين في التبادل التجاري.
· عوامل الإنتاج تنتقل بحرية كاملة داخل الدولة مع عدم إمكانية انتقالها خارج حدود الدولة.
· سيادة سوق المنافسة التامة، سواء في البيع أو الشراء.
· التوظيف الكامل لعوامل الإنتاج.
· استخدام نظرية القيمة في العمل، أي إن قياس قيمة أية سلعة تتم بكمية العمل اللازم لإنتاجها.
· انعدام نفقات النقل والتأمين والتعريفة الجمركية وغيرها من النفقات.
· ان التبادل التجاري بين البلدين يتم على أساس وحدة من سلعة معينة تتم مبادلتها مع وحدة من سلعة أخرى.
· ان السلعة التي يتمتع البلد بميزة نسبية في إنتاجها هي نفس السلعة التي لا يتمتع البلد الآخر بميزة نسبية في إنتاجها.
· ان الدافع الوحيد لدى الدول هو الانتاج والاستهلاك.
· التخصص في انتاج سلعة معينة لا يؤدي إلى تحسين الكفاءة.
يرى ريكاردو ان الدولة التي لديها ميزة نسبية في انتاج سلعتين، تكون ميزة انتاج أحد السلعتين أقوى وأعظم من إنتاج السلعة الأخرى، ومنه ومن مصلحة الدولة التخصص في انتاج السلعة ذات الميزة الاكبر، واستبدال الفائض منها باستيراد السلعة الاخرى ذات الميزة الادنى من البلد الآخر.