المحاضرةالخامسة: النظريات الطبيعية في علم السكان

تمهيد:

شكل الإخفاق الذي صاحب النظرية المالتوسية، وعجزها عن إدراك وتفسير النمو السكاني الحاصل بشكل صحيح وكامل، دافعا قويا لظهور نظريات جديدة تسعى لتفسير الواقع الجديد للمشكلة السكانية، اتسمت بكونها أكثر تفاؤلا، مستمدة ذلك من الواقع الذي نشأت فيه والذي كان يشهد تقدما كبيرا في مجالي الزراعة والصناعة.

1. نظرية دابلداي1790 - 1870  Doubleday :

يذهب دبلداي في كتابه "القانون الحقيقي للسكان" المنشور سنة 1837 ، الى ا ن:

زيادة التغذية تؤدي الى تناقص القدرة الانجابية للسكا ن )علاقة عكسية بين الموارد الغذائية والزيادة السكانية(.

تكاثر السكان اكثر لدى الفقراء، وأقل بين الأثرياء.

وعلى الرغم من رواج هذه النظرية حتى عهد قريب، الا انها انطوت على مجموعة من نقاط ضعف، منها:

لم يفرق دبلداي بين القدرة على الانجاب وبين النمو الفعلي للسكان.

علاقة الزيادة بالفقر والثراء لا تسندهما اية حقائق علمية ولا يمكن الجزم بهما مطلقا، وهما ما يجعلهما غير واقعيان.

2 . نظرية سادلر  1780 - 1835  Sadler :

يعتبر سادلر مصلحا اجتماعيا، كما كان من رجال الاقتصاد المعاصرين لمالتوس، والذي ابان عن اهتمام جلي بالمسالة السكانية ترجمه في كتابه الصادر عام 1830 والمسمى "قانون السكان"، والذي ذهب فيه الى:

الميل البشري الى الزيادة يتناقص كلما زاد الحجم السكاني، وهو ما يعني ان التكاثر عملية تتحكم في نفسها بنفسها.

العوامل البيولوجية تتدخل في حماية المجتمع الانساني من التضخم، "قدرة الانسان على التناسل تتناسب عكسيا مع عدده".

الزيادة في السكان لا تتاثر بالبؤس والرذيلة، وانما تتاثر بالسعادة والغنى بين افراد المجتم ع.

ورغم التفاؤلية التي طبعت أفكاره، إلا أنها مع ذلك لم تخلو من العيوب مما عرضها لوابل من الانتقادات، ابرزها:

إهمالها لدراسة كل الحقائق المعروفة عن نمو السكان، من ذلك مثلا ان الصينيين والهنود .. يعدون من اكبر الشعوب مقدرة على التناسل، ولكنهم يعانون في الوقت عينه كثرة السكان الخطيرة.

لم يفرق على القدرة على الإنجاب والنمو الفعلي للسكان، اذ ان القدرة على الإنجاب قد تكون كبيرة، ومع ذلك قد يكون النمو الفعلي للسكان قليلا، بسبب كثرة حالات الوفيات على سبيل المثال.

3 . هربرت سبنسر  1850 - 1903  Spencer :

فيلسوف ومفكر انجليزي، اشتهر بفكره الاجتماعي المرتكز على التفسير البيولوجي، مؤلفه "الاسس البيولوجية"، والذي ضمنه فيه اراءه ضمن فلسفة التركيب واتجاهات السكان التي وضعها عام 1854 ، حيث يرى سبنسر ا ن:

كلما زاد الجهد الذي يبذله الإنسان لضمان تقدمه الشخصي في بعض الميادين كالعمل والتعليم وغيرها، تراجع اهتمامه بالتكاثر لا سيما لدى النساء، لان ذلك يتطلب منهن وقتا وطاقة ويصيبهن بالضعف.

الزيادة الغذائية تؤدي إلى زيادة الإقبال على الانسلال.

زيادة السكان تمثل السبب الأساسي لرقي الشعوب وتط ورها، فزيادة السكان تدفع الإنسان إلى الأمام، لأنه يحث أكثر على استغلال الموارد المتاحة.

لكن هذه الجهود لم تخلو هي الأخرى من العيوب، منها:

سعيه الحثيث لصياغة نظرية سكانية، تنسجم مع نظريته العامة حول التطور البيولوجي، غير أن الحياة لا تنطوي على ذلك الترابط، فإذا كان هناك تنافر بين التناسل والنضج الذاتي للأفراد فهو ذو أهمية قليلة بكل تأكيد.

حرصه على تدعيم نظريته بشواهد واقعية، لم تكن كافية ولا ممثلة لجميع الاحتمالات، فمثلا معدلات الخصوبة المتناقصة ليست نتاجا للتغيرات الفيسيولوجية فقط، بقدر ما تكون أيضا نتيجة الالتجاء لاستخدام وسائل حديثة لتحديد النسل، أو النظام القيمي والثقافي السائد في المجتمع ..

4 . نظرية كوراد جيني  1884 - 1965 Corrad Gini :

يعد كوراد جيني مفكر اجتماعي ايطالي، اهتم بدراسة التغير السكاني باعتباره مؤشرا على التغير الساري في المجتمع، في كتابه "اثر السكان في تطور المجتمع" 1912 ، والذي اوضح فيه ان العامل السكاني يعمل بصورة ما على تغير طبيعة السكان، وهي التغيرات التي تختلف بصورة او باخرى باختلاف الطبقات الاجتماعية فيه.

انبنى تصوره هذا على أساس أن التطور الاجتماعي يشبه حياة الفرد )مرحلة النشاة، مرحلة التقدم، مرحلة التدهور(، وكل مرحلة تتميز بخصائص محددة ونتائج تترتب على النمو، وتؤثر في مختلف جوانب المجتمع البيولوجية والمورفولوجية والاقتصادية وغيرها.

"تتميز المجتمعات في مرحلة نشاتها بزيادة الخصوبة، اما في مرحلة التقدم فان المجتمع يكون مكتضا بالسكان لذلك تبدأ الهجرة".

غير ان هذا التصور الذي صاغه كوراد جيني لم يخلو هو الأخر من الانتقادات والتحفظات، منها:

يعتقد جيني بوجود قوة طبيعية تحدد عدد السكان بالزيادة او النقصان، وتظهر في العمليات البيولوجية، وقد اثبتت الدراسات

العلمية الحديثة خطا التفسير استنادا الى طبيعة غامضة لا يستطيع الإنسان التحكم فيها وضبطها.

استمد جيني رؤيته انطلاقا من دراسته لتاريخ بعض الأمم القديمة كاليونان والرومان، وهو ما لا يمكن اعتباره تعميما باعتبار أن بعض الشعوب الأخرى كالهند والصين كانت لها اتجاهات مغايرة لذلك.

العوامل التي تؤدي إلى التقليل من النمو السكاني عديدة وليست فقط الحروب والهجرة، ومن بينها نجد الإجهاض، والأوبئة، المجاعات، ارتفاع نسبة الوفيات ..، وهي عوامل لم يلتفت لها جيني.

Last modified: Sunday, 26 January 2025, 10:28 PM