ليسانس لسانيات عامّة مقياس علم الدّلالة / السّداسي السّادس (س6)
المحاضرة الثّالثة:
علم الدّلالة والمعارف الإنسانية 3
علم الدّلالة والمنطق (Logic)
مصطلح (المنطق) علم يبحث في القوانين العامة التي يسير عليها الفكر الإنساني، أو هو العلم الذي يطلق على كل ما هو معقول أو مقبول عقلاً، أما المنطق الصوري (الشّكلي)، فهو مصطلحٌ يفيد مفهوماً أضيق ممّا يفيده المصطلح الأوّل، وهو المنطق الذي صاغه الفيلسوف اليوناني أرسطو، وهو علم آلي وضع لصيانة الذهن من الخطأ في الفكر، فهو الميزان والمعيار لمعرفة التفكير الصحیح. فهو بهذا الشكل يشبه إلى حد كبير الأنظمة الرياضية التي تحكم على صحة النتائج المستنتجة بناء على صحة المقدّمات. ويشترط أن تكون القضايا المنطقية مترابطة وفق قواعد وشروط معينة تؤدي إلى نتائج لازمة عنها. والمنطق لا يختص بعلم بعينه، فهو علم كل العلوم والمعارف البشرية. ولعل المثال التالي يبين لنا الكيفية التي يشتغل بها المنطق الصوري:
المقدّمة: كلّ الرّجال ميّتــون All men are mortal
أرســــــــــــــــــــــــــــــــــــــطو رجل is a man Aristotle
الإستنتاج: إذن أرسطو ميّت Therefore Aristotle is mortal
فالاستنتاج هنا مستنبط منطقياً من الجملتين المقدّمتين السابقتين الصحيحتين، فهو إذن صحيح منطقياً (Is a valid argument)، أما إذا كانت المقدمة غير صحيحة، فسوف يكون الاستنتاج خاطئاً منطقياً.
ومنه، فإنّ صحّة الاستنتاج المنطقي أمر مرتبط بما تتضمّنه جملُ المقدّمة من أحكام بغض النّظر عن طبيعة هذه الأحكام من حيث مدى قربها أو بعدِها عن الواقع، ومن هنا تأتي العلاقة القرابية بين الاستنتاجات المنطقية والمفاهيم الرياضية، حيث يبتعدان، في أحيانٍ كثيرة، عن صحّة وصدق وواقعية ما تقرّره أحداسنا وبديهياتنا.
أمّا ضمن ما يسمّى بالمنطق الخبري داخل إطار العلاقة بين اللّغة والمنطق، فإنّنا واجدون جملا تحمل أخباراً تحتمل الصدق أو الكذب، فقولنا مثلاً:
ـــــــــــــــ الطّالب في قاعة المحاضرات.
ـــــــــــــــ الطالبُ في البيت.
فالخبر هو المحدّد الذي سيبيّن أيهما ستكون صحيحة، وإذا قبلنا بصحّة إحداهما، فالاستنتاج سيحكم بخطأ الثّانية بالضّرورة.
أما بخصوص العلاقة الرابطة بين علم الدلالة والمنطق، نمثّل لها بالجمل بسيطة كانت أم معقّدة، فيمكن أن ترتبط مع بعضها البعض بروابط منطقية، فتندرج بذلك ضمن ما سماه البروفيسور فرانك روبرت بالمر (Frank Robert Palmer) بــ (علم التركيب المنطقي: Logical Syntax ). كما أنّ تحديد وتعيين الرّوابط المنطقية بين الجمل هو من صميم اهتمام (علم الدّلالة المنطقي: Semantics Logical) الذي يهتمّ بصدق أو كذب الجمل التي تحمل أخباراً، فالجملة إمّا أن تكون صادقة أو كاذبة تبعاً لنوع الخبر الذي تحمله. ويمكن أن نمثل لذلك بالجملة التّالية:
لو كنت مخفياً، فكلّ شخصٍ يمكنه رؤيتي If I am invisible, every one can see me
فهذه جملة كاذبة، لأنّ الخفاء يعني عدم القدرة على رؤية الشّيء المخفي، والجملة تطرح تناقضاً بربطها بين الخفاء من جانب، والقدرة على الرّؤية من جانب آخر، وهذا ليس منطقياً أبداً.