بعد مرور العقود الإدارية بالمراحل التي نص عليها التشريع الجزائري و ظهورها إلى العلن، تدخل حيز التنفيذ و تصبح منتجة لآثارها التي تسري حيال الطرفين المتعاقدين.

   هذا و باعتبار العقود الإدارية من عقود المعاوضة، فهي ترتب حقوق و إلتزامات لكل من المتعاقدين، و هي المرحلة التي تظهر فيها خصوصية العقد الإداري، إذ تتمتع المصلحة المتعاقدة في مواجهة المتعاقد معها بامتيازات استثنائية و غير مألوفة في مجال العقود المدنية، كما يكون لها حقوق عديدة إزاء المتعاقد معها.

   و على هذا الأساس، و لتفصيل أكثر في الموضوع، تم تقسيمه إلى محورين أساسيين هما:

-      حقوق و إلتزامات الإدارة المتعاقدة؛

-      حقوق و إلتزامات المتعامل المتعاقد.

   أما بالنسبة للهدف من الدراسة فيتمثل في:

-        تبيان للطالب أهم السلطات الإستثنائية الممنوحة للجهة الإدارية لضمان تنفيذ العقد الإداري؛

-       تحديد أهم الإلتزامات الواقعة على عاتق الإدارة المتعاقدة تجاه المتعاقد معها؛

-       تمكين الطالب من معرفة أهم الحقوق المخولة للمتعامل المتعاقد لمواجهة الإدارة المتعاقدة؛

-       تبيان للطالب أهم الإلتزامات الواقعة على عاتق المتعامل المتعاقد لتنفيذ العقد الإداري.

أولا: حقوق الإدارة المتعاقدة

   باعتبار الإدارة العامة تضطلع بالزظيفة في الدولة من أجل إنجاز و تحقيق أهدافها المرسومة في السياسة العامة للأمة، من تنظيم المرافق العامة و سيرها و إشباع الحاجات العامة. 

   و حتى تستطيع الإدارة تلبية تلك الحاجات و تحقيق أهدافها في حاجة ماسة لإبرام العديد من العقود الإدارية.

   لهذا و من أجل تحقيق الصالح العام من جهة و الحفاظ على المال العام من جهة ثانية، فقد منح القضاء الإداري للإدارة المتعاقدة مجموعة من السلطات الإستثنائية على خلاف العقود الخاصة، إبتداء من سلطة الرقابة و الإشراف مرورا بسلطة التعديل وصولا إلى سلطة توقيع الجزاءات و إنهاء العقد.

1 – سلطة الرقابة و الإشراف: لما كانت العقود الإدارية ذات صلة وثيقة بالمال العام، فقد منح التشريع الجزائري للمصلحة المتعاقدة حق الرقابة في تنفيذ العقد الإداري عبر مختلف المراحل التي تمر بها.

   فالإدارة المتعاقدة تعمل دوما على مراقبة المتعاقد معها، و التحقق من مدى التزامه من مطابقة تنفيذ العقد لشروط المتفق عليها، سواء كانت من الناحية الفنية أو المالية.

   إن حق الرقابة الممارس من قبل المصلحة المتعاقدة على المتعامل المتعاقد، هو حق أصيل مستمد من المبادئ العامة للقانون الإداري بصفة عامة و العقود الإدارية بصفة خاصة، فهي سلطة تمليها و تفرضها الطبيعة القانونية للعقود الإدارية، و متطلبات المصلحة العامة لسير المرفق العام، و من تم فهي سلطة مفترضة تتمتع بها المصلحة المتعاقدة.

   و عليه فإن الإقرار للجهة الإدارية حق الرقابة على تنفيذ العقود الإدارية، هو أمر ضروري لمواجهة كل إخلال من قبل المتعاقد معها من جهة، و مجابهة متطلبات المرفق العام من جهة ثانية.

   و على هذا الأساس، فإن حق الرقابة يعتبر من أهم الوظائف الأصلية التي منحها القانون و القضاء الإداري للإدارة حيث تمارسها حتى و لإن لم ينص عليها دفتر الشروط و دون إذن قضائي، قصد التأكد من وفاء المتعامل المتعاقد لالتزاماته التعاقدية وفق الشروط المتفق عليها في بنود العقد، و ذلك بمتابعة مشاريعها التنموية المتعلقة بالتخطيط و التنظيم، و تحديد المسؤولية التي تمارسها من خلال أساليب و إجراءات تستخدمها، لتقييم ما تم تحقيقه من انجازات قصد بلوغ الأهداف.

2 – سلطة التعديل: لذا تعتبر سلطة التعديل من أهم المعالم المميزة للعقود الإدارية، حيث تقوم المصلحة المتعاقدة بممارسة حقها في التعديل، أثناء تنفيذ العقد سواء كان بزيادة التزامات التعاقدية أو إنقاصها.

   إذا فسلطة التعديل تعد احد أهم مظاهر تميز العقد الإداري عن العقد المدني، الذي تحكمه قاعدة القوة الملزمة للقعد، أي أنه لا يمكن لأي طرف القيام بتعديل أحكامه بإرادته المنفردة، غير أن العقد الإداري و خلافا للقواعد المعمول بها في العقود الخاصة، فقد منح الفقه و القضاء الإداري الجهة الإدارية الحق في تعديل شروط العقد بإرادتها المنفردة.

   هذا و يرجع أساس التعديل لحسن سير المرفق العام و إذا إقتضت المصلحة العامة ذلك  بالزيادة أو النقصا، و هذا الحق ثابت للإدارة حتى و إن لم ينص عليه العقد. لكن بالرغم من تمتع الإدارة بهذه السلطة، إلا انها ليست مطلقة بل مقيدة بمجموعة من الشروط و الضوابط تتمثل في:

-       أن لا يتعدى التعديل موضوع العقد؛

-       أن يكون للتعديل أسباب موضوعية؛

-       أن لا يؤدي التعديل إلى المساس الجوهري بتوازن العقد؛

-       أن تبادر الإدارة إلى إبرام المحلق  أثناء فترة التنفيذ أو ضمن الآجال  التعاقدية.

3 – سلطة فرض الجزاءات: لضمان حسن سير المرفق العام، تمارس السلطة الإدارية الحق في تطبيق الجزاءات على المتعامل المتعاقد المخل بإلتزاماته، و تتمثل هذه الجزاءات في:

أ – الجزاءات المالية: تتمثل هذه الجزاءات في العقوبات المالية التي تفرضها المصلحة المتعاقدة على المتعمل المتعاقد المقصر في تنفيذ إلتزاماته، أو الذي لم يقم بتنفيذها وفقا للمواصفات المتفق عليها و تتمثل في الغرامات التأخير و مصادرة التأمين.

ب – الجزاءات غير المالية ( الضاغطة): و هي الجزاءات ذات طابع غير مالي تقوم بها الإدارة للضغط على المتعامل المتعاقد المقصر في إلتزماته و حمله على تنفيذها، و تتمثل في سحب المشروع من المقاول و الشراء على حساب المورد، حيث أن الإدارة لا يمكنها تطبيق هذه الجزاءات إلا بتوفر شرطين أساسيين هما: الخطأ الجسيم المرتكب من قبل المتعاقد، و الإعذار.

ج – الجزاءات الفاسخة: و هي عندما تقوم الإدارة بفسخ العقد بإرادتها المنفردة نظرا لتقصير المتعامل المتعاقد في تنفيذ إلتزاماته، و تلجأ إلى هذا الجزاء بعد إعذار المتعاقد لتداركه للخطأ الذي قام به.

ثانيا: إلتزامات الإدارة: تتمثل في:

1 - تمكين المتعاقد من المباشرة بتنفيذ التزاماته التعاقدية: بعد أن يصبح العقد الإداري نهائية و تدخل حيز التنفيذ، يتعين على الجهة المتعاقدة مساعدة المتعامل المتعاقد في تنفيذ التزاماته، و تجنيبه كافة الصعوبات التي قد تعترض تنفيذه للعقد، لذا يحتم على المصلحة المتعاقدة القيام بعدة إجراءات كتسليم موقع البناء، تسليم المخططات الهندسية، تسهيل استصدار الرخص الإدارية...الخ.

2 – إحترام الإدارة لمدة التنفيذ العقد: من المسلم به أن مدة التنفيذ في العقود الإدارية تعد شرطا جوهريا بحكم التزامات طرفي الرابطة العقدية، فالأصل أن المدة المقررة في العقود الإدارية تقتصر عادة على المتعاملين المتعاقدين، بمعنى أن المدة تكون ملزمة لهم فقط دون أن تكون كذلك للجهة المتعاقدة، غير أنه قد يحدث أن ينص العقد صراحة على التزام المصلحة المتعاقدة بالمدة، ففي هذه الحالة يتعين على الجهة الإدارية التقيد بالمدة المتفق عليها في العقد لإنجاز موضوع العقد، إذ لا يمكنها اختصارها أو إطالتها بدون مبرر.

      فالتزام الإدارة المتعاقدة باحترام مدة التنفيذ يعد أمرا منطقيا، ذلك أن العقد الإداري يعتبر إحدى الوسائل الأساسية التي تملكها الإدارة لتسيير مرافقها العامة، إذ يخضع هذا التسيير لقواعد تحتم ضرورة سيرها بانتظام، لذلك فإن مدة التنفيذ و احترامها في نطاق العقد الإداري تعد الترجمة الفعلية لقاعدة سير المرافق العامة بانتظام، بغية تلبية الحاجات العامة و تحقيق النفع العام.

3 – الالتزام بالجانب المالي: كما هو معلوم أن الهدف الأساسي للمتعاقد مع الإدارة في تنفيذ العقد الإداري، مرتبط أساسا بالجانب المادي و المالي لها، فمقابل تنفيذ المتعامل المتعاقد الخدمة موضوع العقد، تلتزم المصلحة المتعاقدة بتسديد مقابل ما تم تنفيذه من التزامات تعاقدية، و الذي يتمثل عادة في المقابل المالي المنصوص عليه في العقد.

أولا: حقوق المتعامل المتعاقد: لقد خول القانون للمتعاقد مع الإدارة مجموعة من الحقوق تتمثل في:

 - الحق في الحصول على المقابل المالي : حيث يعتبر هذا الأخير أهم حق تتضمنه الصفقة لمصلحة المتعاقد مع الإدارة، و أول و أهم التزام واقع على عاتقها، للوفاء به كاملا وفقا للشروط المحددة له و المشار إليها صراحة في بنود العقد، و يتمتع بها المتعاقد آليا إعمالا لأحكام الصفقات العمومية.

   ذلك أن المتعامل المتعاقد عندما يخوض غمار عمليات إبرام الصفقات العمومية (المناقصة أو التراضي)، يتعهد أمام الإدارة بالوفاء بالتزاماته من إنجاز أشغال، أو تقديم خدمة أو دراسة أو توريد مواد، يهدف و يسعى من وراء تعاقده إلى تحقيق عائد أو الربح.

   هذا و تلتزم الإدارة بدفعه عن طريق التسبيق الذي تمنحه للمتعاقد قبل البدأ في التنفيذ بغية إنعاش ذمته المالية، أو الدفعات على الحساب و الذي يكون بعد تقديم الخدمة بنسبة معينة أو التسوية على الرصيد بعد التنفيذ الكامل لموضوع العقد، و ذلك بعدما تقوم الإدارة بقطع الغرامات المالية و مبالغ الضمان و التسبيق و الدفعات على الحساب.

2 – الحق في التوازن المالي للعقد: فالتوازن المالي للصفقة العمومية يستهدف الحفاظ على التناسب بين التزامات المتعاقد و حقوقه، حتى يمكنه الوفاء بالتزاماته التعاقدية على النحو المتفق عليه، و لهذا يجب على الجهة الإدارية أن تحتفظ بتوازن العقد من الناحية الاقتصادية و الإبقاء على خواصها الأصلية، ففكرة التوازن المالي للعقد الإداري هي في حقيقتها و جوهرها توجيه عام يستهدف الحفاظ على طبيعة العقد بالحالة التي تم التعاقد عليها، هذا و يتمثل التوازنالمالي للعقد في ثلاث نظريات ابتدعها مجلس الدولة الفرنسي و هي:

1 – نظرية فعل الأمير: و هي كل الإجراءات الإدارية المشروعة التي تصدرها السلطة الإدارية المتعاقدة، و التي لا تنطوي على خطأ منها، و يترتب عليها التأثير على التوازن المالي للعقد الإداري.

   و على هذا الأساس، لا يمكن إعمالها إلا بتوافر الشروط التالية:  

-       وجود عقد مبرم بين الإدارة و المتعاقد معها؛

-       أن يكون الإجراء الضار صادرا من الإدارة المتعاقدة؛

-       أن يكون التصرف الصادر عن الإدارة مشروعا؛

-       أن يكون الإجراء غير متوقع وقت الإبرام؛

-       أن يلحق الإجراء ضررا خاصا بالمتعاقد.

2 - نظرية الظروف الطارئة: تعد نظرية الظروف الطارئة من الأسس التي تقوم عليها العقود الإدارية، إذ تعتبر من أهم نظريات التوازن المالي. فهذه الظروف هي ظروف مفاجئة خارجة عن إرادة الطرفين، و غير متوقعة من قبل المتعامل المتعاقد أثناء مرحلة الإبرام و لا يمكنه دفعها،  مما يجعل التزامه مرهقا و اكتر تكلفة و تسبب له خسارة فادحة اكتر مما تم تقديره.

   أما بالنسبة لشروط إعمالها فتتمثل في:

-       وقوع حوادث استثنائية غير متوقعة أثناء التنفيذ؛

-       أن يكون الحادث الطارئ خارج عن إرادة الطرفين؛

-       أن يكون الحادث الطارئ غير متوقع؛

-       أن ينجم عن الحادث الطارئ خسائر غير مألوفة.

3 – نظرية الصعوبات المادية غير المتوقعة: يقصد بنظرية الصعوبات المادية غير المتوقعة، تلك العوائق المادية البحتة التي تصادف المتعامل المتعاقد أثناء تنفيذ العقد، و تكون ذات طابع استثنائي لم يتوقعها المتعاقد و المصلحة المتعاقدة أثناء عملية الإبرام، فتؤدي إلى اختلال التوازن المالي للعقد من خلال زيادة التكاليف المالية التي يتحملها المتعامل المتعاقد، فيجعل تنفيذه لالتزاماته مرهقا و صعبا، مما يتطلب تدخل الجهة الإدارية لتعويضه تعويضا كاملا جبرا للأضرار التي أحدثتها تلك الصعوبات، و حتى يتمكن من الاستمرار في الوفاء بالتزاماته التعاقدية، هذا و يعد عقد الأشغال العامة مجال الخصب لتطبيق هذه النظرية، و ذلك نظرا لطبيعة هذا العقد و ما يواجه تنفيذه من صعوبات ذات طبيعة مادية.

   أما بالنسبة لشروط تطبيقها فتتمثل في:

-       أن تكون الصعوبات ذات طبيعة مادية استثنائية؛

-       أن لا تكون الصعوبات المادية من عمل أحد المتعاقدين؛

-       أن تكون الصعوبات غير متوقعة أثناء مرحلة الإبرام؛

-       أن تؤدي الصعوبات المادية إلى إرهاق التنفيذ.

ثانيا: إلتزامات المتعامل المتعاقد في تنفيذ العقد الإداري: تتمثل هذه الالتزامات في

1 – التنفيذ الشخصي لموضوع العقد: باعتبار أن العقد الإداري تحكمه قواعد تختلف عن تلك القواعد الموجودة في القانون الخاص، فإن المبدأ العام الذي يحكم العلاقة التعاقدية بين الإدارة و المتعاقد معها يقوم على أساس تنفيذه شخصيا، أي أن المتعاقد يجب أن ينفذه بنفسه و بإمكانياته الخاصة، فلا يجوز له أن يحل غيره فيها إلا بموافقة الإدارة المتعاقدة.

   و على ذلك فإن هذا الالتزام يتطلب ضرورة أن يبذل المتعاقد الجهد المناسب في التعاون الشخصي مع الإدارة في تنفيذ العقد بنفسه، ذلك أن منح العقد له كان على أساس الاعتبارات و العوامل التي تقوم على الإمكانيات التقنية و المؤهلات المالية و الخبرة التي يتمتع بها.

   و عليه لا يمكن للمتعامل المتعاقد التنازل عن العقد أو منحه للغير إلا في حالة المناولة و هي التنازل عن جزء من العقد للمناول لتنفيذه بعد موافقة الإدارة على ذلك.

2 - وفاء المتعاقد لالتزامه التعاقدي وفق الشروط المحددة في العقد: إن وفاء المتعاقد مع الإدارة بالتزامه التعاقدي، يتعين أن يكون على النحو المنصوص عليه في العقد، حتى يتحقق بهذا التنفيذ الغاية المقصودة من إبرام العقد، وبالتالي فهو التزام جوهري يرتب الإخلال به قيام مسؤولية عقدية للمتعاقد، الأمر الذي يبرر استعمال الإدارة لسلطتها حياله من تطبيق جزاءات أو بفسخ العقد مع تحميله لآثار إخلال بهذا الالتزام.

3 - التزام المتعاقد باحترام آجال تنفيذ العقد: من المسلم به أن آجال التنفيذ يعتبر شرطا جوهريا يحكم الرابطة العقدية التي تجمع بين الجهة الإدارية والمتعامل المتعاقد، لذا تعبر الآجال التعاقدية عن إرادة إيجاد توازن بين ضغط الحاجة لدى المصلحة المتعاقدة وقدرات الإنجاز الضرورية التي يتمتع بها المتعامل المتعاقد.

   لهذا فالتزام المتعاقد باحترام آجال التنفيذ يعد أمرا منطقيا والتزاما أساسيا، لأن العقد الإداري يعد إحدى الوسائل التي تملكها الجهة المتعاقدة لتسيير مرافقها العامة، و يخضع هذا التسيير لقواعد تحتم سيرها بانتظام، لذلك فإن احترام مدة التنفيذ في مجال العقود الإدارية يعد الترجمة الفعلية لقاعدة سير المرافق العامة بانتظام، تلبية للحاجات العامة.

آخر تعديل: الخميس، 13 مارس 2025، 2:06 PM