من أجل تحقيق المنفعة العامة، تسعى لإدارة في إطار نشاطها المألوف لإصدار عدة تصرفات قانونية بإرادتها المنفردة في شكل قرارات إدارية، التي تعد من أهم إمتيازات السلطة العامة، أو أساليب القانون العام المقررة للإدارة كوسيلة للتعبير عن إرادتها في إحداث آثار قانونية، ، من خلال إنشاء مركز جديد أو تعديل مركز قائم أو إلغاءه.
و هذا الأساس، و لتفصيل أكثر لمفهوم القرارات الإدارية أكثر، تم تقسيم الموضوع إلى المحاور التالية:
- مفهوم القرارات الإدارية؛
- خصائص القرار الإداري؛
- تمييز القرارت الإدارية عن غيرها من الأعمال الأخرى.
أما بالنسبة للهدف من هذه الدراسة يتمثل في:
- تمكين الطالب من معرفة التصرف القانوني الصادر عن الإدارة بإرادتها المنفردة؛
- تحديد أهم التعارف القرار الإداري الفقهية منها و القضائية؛
- معرفة أهم الآثار القانونية التي يرتبها القرار الإداري؛
- تبيان للطلب أهم خصائص القرار الإداري؛
- إكتساب الطالب القدرة على التمييز بين الأعمال الادارية والأعمال والوظائف الأخرى المشابهة له.
أولا: مفهوم القرارات الإدارية
المشرع الجزائري لم يعرف القرار الإداري تاركا الأمر للفقه و القضاء من أجل تعريفه، الأمر الذي يستوجب علينا في هذا الإطار عرض أهم التعريفات الفقهية و القضائية حول القرار الإداري.
1 – التعريف الفقهي للقرار الإداري:
لقد أختلف الفقه في تعريف القرار الإداري و منها تعريف الفقيه DUGUIT للقرار الإداري بأنه كل عمل إداري يصدر بقصد إنشاء أو تعديل أوضاع قانونية قائمة.
كما عرفه الفقيه HAURIOU على أنه إعلان للإرادة يصدر عن سلطة إدارية في صورة تنفيذية، بغرض إحداث آثار قانونية بالنسبة للمخاطبين بها.
و عرفه الفقيه BONNARD بأنه العمل القانوني الذي يحدث تعديلا في الأوضاع القانونية.
هذا و يعرف الدكتور سليمان محمد الطماوي القرار الإداري بأنه إفصاح عن إرادة ملزمة بقصد إحداث أثر قانوني، إما بإنشاء مركز قانوني أو تعديله أو إلغاء حالة قانونية قائمة.
أما الدكتور عمار عوابدي فقد عرف القرار الإداري بالعمل القانوني الإنفرادي الصادر عن المرفق العام، الذي من شأنه إحداث آثار قانونية تحقيقا للمصلحة العامة.
2 - التعريف القضائي للقرار الإداري:
لقد عرفت محكمة القضاء الإداري القرار بأنه كل إفصاح من جانب الإدارة العامة يصدر صراحة أو ضمنيا، بمناسبة أدائها لمهامها المقررة لها قانونا، بقصد إحداث أثر قانوني و له الطابع التنفيذي.
كما عرفته محكمة القضاء الإداري في حكم آخر لها، بأنه إفصاح جهة الإدارة في الشكل الذي يحدده القانون عن إرادتها الملزمة بما لها من سلطة عامة منحها لها القانون، بغرض إحداث آثار قانونية متى كان ذلك ممكنا و جائزا قانونا، و كان الهدف من ذلك هو تحقيق المصلحة العامة.
و على العموم، و من خلال التعريفات السابقة للقرار الإداري، يمكننا أن نعرف هذا الأخير بأنه: هو ذلك العمل القانوني الإنفرادي الصادر عن الجهة الإدارية، و الذي من شأنه إحداث أثر قانوني تحقيقا للمصلحة العامة.
ثانيا: خصائص القرار الإداري
يتميز القرار الإداري بمجموعة من السمات و الخصائص تتمثل في:
1 – القرار الإداري هو تصرف قانوني: يكون القرار الإداري عملا قانونيا متى استندت السلطة الإدارية عند إصداره إلى القوانين و اللوائح، و إلا عدا القرار الإداري تجاوزا للسلطة و خرقا لمبدأ المشروعية.
2 – القرار الإداري تصدره الإدارة بإرادتها المنفردة: حتى يعتبر القرار إداريا سواء كان صادر عن سلطة مركزية أو محلية، يجب أن يكون صادر من جانب الإدارة وحدها دون مشاركة الأشخاص المخاطبين به، و هذا ما يميز القرارات الإدارية عن العقود الإدارية التي و إن كانت تعتبر تصرف قانوني، إلا أنها لا تعبر عن إرادة الإدارة وحدها، و إنما تكون بتوافق و تلاقي إرادتين.
3 – القرار الإداري صادر عن الجهة الإدارية: حتى يسبغ الوصف الإداري على القرار، لابد أن يكون صادرا عن شخص من أشخاص القانون العام.
4 – القرار الإداري له طابع تنفيذي: يقصد بالطابع التنفيذي للقرار الإداري قوته الإلزامية تجاه المخاطبين بالقرار، أي أن القرار الإداري ينفذ تلقائيا فور صدوره و دون إذن من طرف القاضي الإداري.
بمعنى ان القرار الإداري الفردي يسري في مواجهة الأشخاص المخاطبين به من تاريخ تبليغه، بينما القرار التنظيمي فيسري من تاريخ نشره.
5 – القرار الإداري يحدث آثار قانونية: مفاده أن صدور القرار الإداري من شأنه أن يؤثر على المركز القانوني للشخص المخاطب به، سواء بإنشاء وضع قانوني جديد كالتعيين في وظيفة ما، أو تعديل وضع قانوني قديم أو إلغاء مركز قانوني قائم.
ثالثا: تمييز القرارت الإدارية عن غيرها من الأعمال الأخرى
إن الأصل العام أن الإدارة هي السلطة الوحيدة المختصة في إصدار القرارات الإدارية، كونها الأداة الوحيدة التي خولها التشريع للإدارة للقيام بمهامها، و لا يهم الجهة المصدرة للقرار سواء كانت مركزية أو محلية.
و لما كان الحال كذلك، وجب التمييز بين الأعمال الإدارية البحثة و المتمثلة في القرارات الإدارية محل دراستنا و بعض الأعمال الأخرى، كالأعمال التشريعية التي تصدر عن السلطة التشريعية من جهة، من جهة ثانية الأعمال التي تصدرها السلطة القضائية.
1 – التمييز بين القرارات الإدارية و الأعمال التشريعية:
يكتسي التمييز بين القرارات الإدارية و العمل التشريعي أهمية بالغة من عدة نواحي، حيث يؤسس الفقهاء و القضاءهذا التمييز في معيارين هما:
أ – المعيار الشكلي ( العضوي): و هذا المعيار يتعلق بالهيئة التي قامت بالعمل دون النظر لمحتوى و مضمون العمل.
فوفق هذا المعيار يعد القرار إداريا إذا صدر عن الإدارة العامة، و يعد عملا تشريعيا متى صدر عن هيئة خول لها القانون صلاحية التشريع وسن القوانين.
- لقد وجه الفقهاء انتقاد لهذا المعيار، على أساس أن السلطة التنفيذية الممتثلة في الإدارة العامة، يمكنها أن يصدر عنها عمل ذو طابع تشريعي كالقرارات التنظيمية.
كما أن الهيئة التشريعية بإمكانها في إطار ضمان سير هياكلها، أن تصدر قرار ذو طابع إداري كتعيين موظف أو ترقيته.
ب – المعيار الموضوعي ( المادي): يعتمد هذا المعيار على طبيعة العمل و موضوعه، دون النظر إلى الجهة التي أصدرته.
و عليه فإذا كان العمل يتضمن قاعدة عامة و مجردة و أنشأ مركزا قانونيا عاما أعتبر عملا تشريعيا، أما إذا تضمن مراكز قانونية خاصة فإنه يعد قرارا إداريا يتعلق بفرد بذاته أو بمجموعة من الأفراد.
2 - التمييز بين القرارات الإدارية و الأعمال القضائية:
القاعدة العامة إن كل من الإدارة العمومية و القضاء يعملان على تنفيذ و تطبيق القانون، و على هذا الأساس و نظرا لتقارب بين الوظيفتين سعة الفقه و القضاء إلى وضع معاريين للتمييز بين القرار الإداري و العمل القضائي على النحو التالي:
أ - المعيار الشكلي ( العضوي): حسب هذا المعيار ينظر إلى الجهة التي أصدرت القرار، أي إذا صدر قرار عن الإدارة فهو قرار إداري، أما إذا صدر عن الجهة القضائية فهو عمل قضائي.
- أنتقد هذا المعيار ذلك أن ليست كل القرارات التي تصدرها السلطة القضائية هي أعمال قضائية، فقد تصدر هذه السلطة قرارات إدارية بحتة تتعلق بالمسار الوظيفي للقضاة و أعوان القضاة.
ب – المعيار الموضوعي ( المادي): يقوم هذا المعيار على أساس طبيعة و موضوع العمل ذاته، فمتى كان العمل يقوم على أساس خصومة أو نزاع بين الأفراد أو بينهم و بين الإدارة فإنه يعتبر عمل قضائي، ذلك أن اختصاص السلطة القضائية يدور حول حل المنازعات التي تنشب بين الأفراد أو الإدارة، أما إذا تضمن العمل غير ذلك من المواضيع فيكون عمل إداري.
- انتقد هذا المعيار، ذلك أن الجهة الإدارية هي الأخرى تقوم بحل المنازعات و تنظر في الطعون المقدمة لها من قبل الأفراد كالتظلم الإداري.
مما سبق، يمكن القول أن المشرع الجزائري قد تبنى المعيار الشكلي، و ذلك يفهم من خلال الرجوع إلى المواد التي أشارت في صياغتها أن القرار الإداري صادر عن السلطة الإدارة منها المادة 168 من دستور 2020 و المادة 801 من قانون الإجراءات المدنية و الإدارية.