إلى جانب السلطات و الاختصاصات الواسعة التي يستعملها الرئيس على المرؤوس، فله الحق أيضا بسلطات تخص أعمال المرؤوس إذ يمكنه إصدار أوامر و نواهي تتعلق بسير العمل و الإشراف عليه، كما يمكنه تعديل ما يصدره المرؤوس من قرارات في حدود اختصاصه أو التصديق عليها، إلى جانب إلغاءها أو سحبها و ذلك كله في شكل رقابة سابقة و أخرى لاحقة.
أولا: الرقابة السابقة
يملك الرئيس سلطة التنظيم الداخلي لإدارته، إذ تخول له السلطة الرئاسية الحق في الإشراف و توجيه المرؤوسين في كيفية أداء الخدمة و إرشادهم لكيفية القيام باختصاصاتهم.
1 – سلطة الإشراف و التوجيه: للدلالة على الإشراف و التوجيه استعمل الفقه مصطلحات عديدة و متنوعة منها الأوامر و التعليمات الرئاسية، إجراءات التنظيم الداخلي و الأعمال التنظيمية الداخلية...الخ.
هذا و تعرف سلطة الإشراف و التوجيه على أنها كل ما يصدره الرئيس الإداري إلى مرؤوسيه من تعليمات و أوامر، و منشورات بهدف إرشادهم و مساعدتهم على اتخاذ الإجراءات و التصرفات اللازمة لحسن تطبيق القوانين، و لضمان سير العمل داخل الجهاز الإداري.
و يعرفها الدكتور محمد سليمان الطماوي على أنها: نشاط الرئيس الإداري المستمر و المتعلق بإصدار الأوامر اللازمة لتنفيذ المهمة الإدارية، و متابعة تلك الأوامر للتأكد من أنها تنفذ على الوجه المطلوب.
أما الدكتور عمار عوابدي فقد عرف سلطة الإشراف و التوجيه على أنها: عملية إدارية تتحقق عن طريق التدخل الدائم لمراقبة و ملاحظة أعمال المرؤوسين من قبل رؤسائهم الإداريين، و توجيه جهودهم و دفعهم نحو التزام الأساليب الصحيحة عمليا و فنيا و قانونية، و ملائمة ذلك لتحقيق أهداف العمل الإداري.
و إلى جانب ذلك فقد عرفت سلطة الإشراف و التوجيه أيضا على أنها: الأعمال التنظيمية الداخلية التي تتعلق أساسا بالتعليمات و المنشورات، و تهدف إلى التسيير الداخلي للإدارة و أجهزتها، كما تهدف إلى تفسير بعض النصوص القانونية.
2 – شروط سلطة الإشراف و التوجيه: يمارس الرؤساء الإداريون سلطة الإشراف و التوجيه على مرؤوسيهم وفق شروط معينة تتمثل في:
- يجب أن يتم إصدار الأوامر و التعليمات كاملة و واضحة.
- أن تكون الأوامر و التعليمات قابلة للتنفيذ.
- أن تهدف الأوامر و التوجيهات إلى ضمان السير الحسن للجهاز الإداري.
- على الرئيس الإداري الأخذ بعين الاعتبار الحالة النفسية و الاجتماعية لمرؤوسيه، و ذلك حتى يتمكن من اتخاذ أفضل الأساليب للإشراف و التوجيه.
- اعتماد الرئيس على مبدأ الحوار مع المرؤوسين.
- اعتماد الرئيس على عمال التحفيز في تبليغ أوامر للمرؤوسين.
- ممارسة سلطة الإشراف و التوجيه تتطلب التدريب و التكوين المستمر للرؤساء الإداريين على الأساليب الجديدة في التسيير الإداري.
3 – مظاهر سلطة الإشراف و التوجيه:
باعتبار الرئيس الإداري يضطلع بكل امتيازات السلطة الرئاسية، و بغرض حسن سير الجهاز الإداري و فعاليته يعهد له صلاحية توجيه أوامر و تعليمات، تبين للمرؤوس و التابعين لهم مباشرة طريقة العمل بما يتوافق مع القانون و يتلاءم مع مقتضيات الصالح العام.
أولا: الأوامر الرئاسية: يمثل الأمر الرئاسي قوام واجب الطاعة و موضوعه، كما يمكن جوهر الوظيفة الإدارية في عملية إصدار الأوامر الرئاسية، فهي الوسيلة التي يوجه بها الرؤساء و المرؤوسين الذين يعملون معهم، و التي تدار بها عجلة العمل في الخلية الإدارية.
1 – مفهوم الأمر الرئاسي: يعرف الأمر الرئاسي بأنه هو الأمر الذي يحمل خلاصة فكر الرئيس إلى المرؤوس، و على قدر هذه الأوامر الرئاسية تتحدد مسؤولية كل منهما الرئيس عن الأمر و المرؤوس عن التنفيذ.
و عليه يمكن القول، أن الأمر الرئاسي هو موضوع الطاعة التي يجب على المرؤوس الذي لا يخضع في الواقع لرئيسه و إنما يلتزم بطاعة أمره، و بهذا فان الأوامر الرئاسية تجسد سلطة الرئيس الإداري من ناحية، و الطاعة الواجبة للمرؤوس لهذه الأوامر من ناحية أخرى.
هذا و يتمتع الرئيس الإداري بالسلطة في أن يصدر الأوامر الملزمة لمرؤوسيه بهدف تعريفهم بما يجب عليهم فعله أو الإمتناع عنه، و ذلك من أجل الحفاظ على دوام سير العمل في المرفق العام بإنتظام و إطراد، و يكون لهذا الرئيس و من يخلفه الحق في إلغاء هذه الأوامر عند اللزوم.
2 – صور الأمر الرئاسية: تتشكل و تتنوع الأوامر الرئاسية إلى عدة صور، و تحمل كل منها إصطلاحا خاصا بالنظر إلى دورها في تصريف الأعمال الإدارية.
و من أهم صور الأوامر الرئاسية: التعليمات، المنشورات و مذكرات الخدمة
1 – التعليمات: هي مجموعة من القواعد و الأحكام الهادفة إلى تنظيم وضعية الموظفين داخل الجهاز الإداري، و هي تنطوي على عنصر الإلزام الذي يعتبر عنصرا جوهريا فيها.
و يقصد بها تلك الأوامر الرئاسية التي يوجهها الرئيس الإداري إلى مرؤوس معين أو إلى طائفة من المرؤوسين، فيما يتعلق بتفسير أو تطبيق اللوائح و القوانين.
و تحمل هذه التعليمات غالبا طابع الإلزام في تبصير المرؤوسين لمباشرة المهام الموكلة إليهم في صورة مثالية، كما تستند على واجب الطاعة و ذلك لإنفاذها من جانب المرؤوسين و تسمى بالتعليمات الآمرة.
و على هذا الأساس، تمثل التعليمة الوثيقة الإدارية الداخلية التي تفصح عن العلاقة التي تربط الرئيس بالمرؤوس في إطار النظام الداخلي للإدارة، و التعليمات تنقسم إلى عدة أنواع منها تعليمات الشارحة، تعليمات ناصحة، تعليمات آمرة و تعليمات مقررة.
2 – المنشورات: هو عبارة عن أوامر مكتوبة تتصف بالعمومية و التجريد تعطى من رؤساء المرافق إلى المرؤوسين الخاضعين لسلطتهم بصفة دورية، فيما يتعلق بتفسير و تطبيق القوانين و اللوائح.
و قد تصدر المنشوات كما هو الشأن في التعليمات الإدارية لمجرد تفسير نص قانوني معين و تسمى هنا بالمنشورات المفسرة، حيث يقتصر دورها على تفسير القانون أو اللائحة فقط و هذا النوع غير ملزم لأفراد الجمهور، لأنهم لا يلتزمون إلا بالقانون في ذاته، فهو لا يلزم سوى الموظفين وحدهم بناء واجب الطاعة.
كما قد يوجد من المنشورات ما يتعدى مجرد تفسير القانون أو اللائحة حين تهدف إلى إضافة شيء ما إلى القانون أو بصورة أكثر شمولا و تسمى بالمنشورات اللائحية أو التنظيمية، و هذه المنشورات تفرض واجبات جديدة على الأفراد أو على النقيض تمنحهم ضمانات جديدة.
من خلال ما سبق، يمكن القول أن المنشور يشكل أداة للرئيس الإداري لتوحيد التفسير الواجب إعطائه لأي نص قانوني يسري تطبيقه داخل المرفق، و هو ينقسم إلى عدة أنواع منها المنشور التفسيري، المنشور التنظيمي و المنشور النموذجي.
3 – مذكرات الخدمة: هي عبارة عن الملاحظات المكتوبة التي يبديها الرئيس بخصوص أعمال مرؤوسين و تتضمن توجيها لهم في أعمالهم أو تصرفاتهم، و هذا النوع من الأوامر الرئاسية تسمى أعمال الإدارة الداخلية.
و من فوائد العملية لهذه المذكرات أنها تساعد الرئيس في تنبيه المرؤوسين إلى ما يقع منه من أخطاء دون إقحامهم في نطاق المسؤولية التأديبية.
هذا و تعتبر الملاحظات التي يوجهها الرئيس إلى مرؤوسيه بمناسبة تأدية لواجباتهم من قبيل الإجراءات الداخلية، التي تهدفىإلى مجرد التنظيم الداخلي للمرفق.
ثانيا: واجب الطاعة: لقد سبق الحديث بأن الرئيس الإداري يملك سلطة إصدار الأوامر و التوجيهات لمرؤوسيه و لا يملك هؤلاء إلا تنفيذها، و لكن الإشكال المطروح هل يلزم المرؤوس في جميع الحالات بتقديم واجب الطاعة و تنفيذ أوامر الرئيس حتى و لو كانت مخالفة للقانون، أو باحترام و تنفيذ الأوامر القانونية دون غيرها؟
للإجابة على هذا الإشكال لابد لنا من التمييز بين الأوامر المشروعة و غير المشروعة.
1 – أوامر الرئيس المشروعة: إذا كان الأمر صادر من الرئيس الإداري يتماشى في موضوعه مع مقتضيات القانون فلاشك أن طاعة المرؤوس له واجبة، غير أن ذلك لا يمنع المرؤوس من أن يناقش رئيسه الإداري ويراجعه بشأن مسألة معينة في حدود أخلاقيات الوظيفة.
2 – أوامر الرئيس المخالفة للقانون أو المشوبة باللامشروعية: لقد ثار خلاف بين الفقهاء حول ما مدى تقيد المرؤوس بأوامر الرئيس التي تكون مشوبة باللامشروعية أو غير مشروعة، حيث ظهرت 03 نظريات نوجزها على النحو التالي:
الرأي الأول: الأوامر غير مشروعة ليست ملزمة للمرؤوس:
لقد تبنى هذا الرأي الفقيه دوجي حيث يرى أنه إذا بادر الرئيس الإداري إلى اتخاذ أوامر أو قرارات مخالفة في مضمونها للقانون فلا يلزم المرؤوس بتنفيذها، لأنه إذا خالف الرئيس القانون فليس على المرؤوس أن يتبعه و إلا فانه يعد مرتكبا لخطأ شخصي يحمله المسؤولية، و يستثني هذا الفقيه طائفة الجنود فقط، ذلك أن هؤلاء واجبهم تنفيذ الأوامر الصادرة إليهم من جانب رؤسائهم دون مناقشتها.
لا خلاف أن العمل بهذا الرأي ينجم عنه المحافظة على مبدأ المشروعية و إبطال مفعول الأوامر التي تخالف القانون، غير أنه يعاب عليه أن تجسيده في أرض الواقع يؤدي إلى تعطيل الجهاز الإداري و عرقلة سيره و تخويل المرؤوس سلطة فحص و تقدير أوامر الرئيس الإداري، و الامتناع عن تنفيذها إذا ما اقتنع بعدم مشروعيتها.
الرأي الثاني: الأوامر غير المشروعة ملزمة للمرؤوس:
تزعم هذا الرأي الفقيه هوريو و مؤداه أن المرؤوس ملزم باحترام و تنفيذ أوامر و تعليمات الرئيس الإداري حتى و لو كانت غير مشروعة و مخالفة للقانون، مع عدم اعتبار ذلك خطأ شخصيا بل هو خطأ مرفقيا أو مصلحيا كأساس للمسؤولية الإدارية التي قد تترتب عن ذلك حماية للمرؤوس.
و يستند أصحاب هذا الرأي إلى اعتبارات و مقتضيات العمل الإداري، ذلك أن فتح المجال أمام المرؤوس لمناقشة و تقدير مدى مشروعية أوامر الرئيس و الامتناع عن تنفيذها، من شأنه عرقلة النشاط الإداري و الإخلال بمبدأ سير المرفق العام بانتظام.
و عليه فان هذا الرأي يعطي في الظاهر وزنا لمبدأ الاستمرارية على حساب مبدأ المشروعية.
الرأي الثالث: الأوامر غير المشروعة ملزمة في حدود معينة:
ذهب اتجاه وسط الذي تصدره القضاء الفرنسي إلى محاولة التوفيق بين الرأي الأول و الثاني، فوضع مبدأ عاما يقضي بتنفيذ أوامر الرئيس الإداري متى كانت مكتوبة واضحة دقيقة و محددة، على أن يتأكد المرؤوس أن الأمر صادر عن السلطة المختصة و أن تنفيذه يدخل في نطاق اختصاصه، و تبعا لهذا الرأي فان الأضرار التي تنجم عن تطبيق هذا الأمر يتحملها المرفق لا الموظف.
موقف المشرع الجزائري:
لقد نص المشرع الجزائري في المادة 129 من القانون المدني على أنه: " لا يكون الموظفون و الأعوان العموميون مسؤولين شخصيا عن أفعالهم التي أضرت بالغير إذا قاموا بها تنفيذا لأوامر صدرت إليهم من رئيس متى كانت إطاعة هذه الأوامر واجبة عليهم".
من خلال هذه المادة يفهم أن المشرع الجزائري قد وضعها لنستدل منها أن الموظف فقط يلزم بإطاعة الأوامر المشروعة، لأن الأوامر غير المشروعة ليست ملزمة له و ليس من واجبه تنفيذها، و من تم يمكن القول أن المشرع وضع قاعدة عامة هي استبعاد الخطأ الشخصي و اعتماد الخطأ المرفقي أو المصلحي كأساس للمسؤولية في حالة تنفيذ أوامر الرئيس إذا كانت واجبة التنفيذ.
ثانيا: الرقابة اللاحقة ( سلطة التعقيب)
بعد قيام المرؤوس بأداء مهامه بموجب ما يأتيه من تصرفات و أعمال، يمكن الرئيس أن يمارس رقابته على تلك التصرفات سواء من تلقاء نفسه أو بموجب م يتلقاه من تظلمات و شكاوى من طرف الغير الذي يكون قد تضرر من تلك الأعمال.
و هذا الوجه من السلطة الرئاسية يظهر في عدة صور و أشكال تتمثل في:
1 – سلطة التصديق: بمقتضى هذه السلطة يبقى العمل و التصرف الذي قام به المرؤوس غير نافذ و غير منتج لآثاره إلا إذا تم إقراره و الموافقة عليه من طرف الرئيس صراحة أو ضمنا.
أ – المصادقة الصريحة: تتمثل هذه السلطة في حق الرئيس الإداري في إجازة عمل مرؤوسيه و إبداء لموقفه المؤيد للعمل الذي قام به المرؤوس صراحة، بمعنى آخر صدور قرار من الرئيس يجيز و يصادق فيه على عمل المرؤوس.
ب – المصادقة الضمنية: استجابة لمقتضيات الإدارة العامة و فعالية النشاط الإداري، غالبا ما تنص القوانين و الأنظمة على تحديد فترة زمنية أو مدة معينة، يمكن للرئيس أن يعترض خلالها على عمل المرؤوس، بحيث يترتب على انقضاء تلك الفترة إنتاج عمل المرؤوس لآثاره و نفاذه، على اعتبار الرئيس قد صادق عليه ضمنيا.
2 – سلطة التعديل: يخول القانون للرئيس، و هو يراقب عمل مرؤوسه، أن يدخل عليه التغييرات و التحويرات اللازمة التي من شأنها الحفاظ على احترام القانون ( مبدأ المشروعية) و تحقيق أكبر قدر ممكن من المصلحة العامة ( مبدأ الملائمة).
و عليه فالرئيس يملك الحق في تعديل العناصر و المعطيات التي يتكون منها تصرف المرؤوس سواء بالزيادة أو النقصان، فيجوز له تغيير ما يراه مناسبا، فقد يلغي جزء منه و يترك الباقي أو يلغي جزء و يعوضه بما يتلاءم و العمل الإداري، أي أن التعديل لا يكون كليا و إلا أصبح إلغاء، و ذلك بهدف جعله أكثر مسايرة للقانون و حسب ما تستوجبه ظروف و طبيعة العمل الإداري.
3 – سلطة الإلغاء: يقصد بإلغاء اأعمال الإدارية الصادرة عن المرؤوسين هو إبطال الآثار القانونية التي تمخضت عنها بالنسبة للمستقبل فقط، ذلك أن إلغاء هذه الأعمال لا يمس إلا بالمراكز القانونية التي تسري بعد عملية الإلغاء، مع ترك الآثار القانونية التي تولدت في الماضي.
1 – إلغاء القرارات التنظيمية: تحتوي القرارات التنظيمية على قواعد عامة و مجردة لا تعني شخص معين بالذات، لدى يمكن للجهة الإدارية أن تلغيها بغض النظر عن مشروعيتها أو لا و في أي وقت تشاء، متبعة في ذلك الإجراءات القانونية اللازمة.
2 – إلغاء القرارات الفردية: ما دامت القرارات الفردية المشروعة تتعلق بمراكز قانونية فردية متعلقة بالشخص المخاطب بهذا القرار الفردي، فإنه لا يجوز للسلطة الإدارية إلغائها و هذا حماية للحقوق المكتسبة.
و عليه و بالرغم من هذا، غير أن هناك بعض من أنواع القرارات الفردية يجوز إلغائها كونها لا ترتب حقوقا مكتسبة منها:
أ - القرارات الوقتية: هي القرارات التي لا تنشئ حقا مكتسبا للمعني بها، إذ أناه تنشئ وضعا قانونيا مؤقتا، يخول للإدارة التراجع عنه و إلغائه متى تبين لها ذلك باعتبار أن المعني بها يعلم مسبقا أن هذا القرار الإداري صادر بصفة مؤقتة مثلا القرار القاضي بمنح إستفادة لشخص ما بصفة مؤقتة، يجوز للإدارة التراجع عنه في أي وقت.
ب – القرارات السلبية: يجوز للإدارة أن تتراجع عن القرار الإداري الذي أصدرته بالرفض بناء على طلب مسبق، إذ يمكنها أن تلغي قرار الرفض و تستبدله بقرار إيجابي، مثلا قرار رئيس البلدية برفض تسليم رخصة البناء لطالبها ثم يصدر قرار آخر بمنحها أياه.
2 – حالات الإلغاء القرار الإداري: إستثناء عن القاعدة العامة التي لا تجيز للإدارة القيام بإلغاء القرارات الفردية كونها تتضمن حقوق مكتسبة، إلا أنها يجوز لها إلغائها في حالات معينة تتمثل في:
1 – إلغاء القرار الإداري لموافقة المعني بالقرار: هناك من القرارات الإدارية ما يدفع السلطة الإدارية إلى إلغائها بناء على موافقة الشخص المخاطب بها و التي تكون موافقة ضمنية، حيث يقوم الشخص المعني بأفعال من شأنها أن تبين عدم إحترامه للقرار، مما يؤدي بالإدارة إلى إلغائه، فقيام الموظف مثلا بتقديم الإستقالة من منصبه يدفع السلطة الإدارية أن تصدر قرارا بفصله.
2- إلغاء القرار الإداري إستجابة لتعليمات السلطة الوصية: في إطار السهر على سير المرفق العام بشكل مطرد، فإن كل سلطة إدارية وصية تصدر للسلطات الإدارية الواقعة تحت وصايتها تعليمات و أوامر تلتزم بها، مثلا إذا قامت السلطة المكلفة بالوظيفة العمومية في إطار ممارستها للرقابة البعدية على قرارات التوظيف، من أمر الإدارة بإنهاء علاقة عمل بموظف، ثبت عدم استيفائه لشرط الخدمة الوطنية مثلا.
و في كل الحالات التي تلجأ فيها الإدارة إلى إلغاء قرار إداري، فإنها تلتزم بذلك في آجال قانونية محددة.
3 - السحب القرارات الإدارية: السحب هو إنهاء و إعدام الآثار القانونية للقرار الإداري بأثر رجعي، و ذلك في المدة القانونية المحددة.
1 – القرارات الجائز سحبها: تقوم السلطة الإدارية بسحب كل قراراتها الإدارية المشوبة بعيب من عيوب المشروعية، كما لها أن تسحب بعض الأنواع من القرارات الإدارية، و إن كانت سليمة.
و هذا رغم أن السلطة الإدارية لا يجوز لها أن تسحب إلا القرارات المشوبة بعيب، و هذا تصحيحا لوضعية قانونية، أو أن المخاطبين بالقرارات الإدارية و الذين استفادوا من إمتيازات بواسطتها، لم يحترموا القانون و التنظيم المعمولين بهما أو ارتكبوا مخالفة.
1 – سحب القرارات الإدارية غير المشروعة: يقصد بالقرارات الإدارية غير المشروعة، القرارات التي تخالف التشريع أو التنظيم، حيث يلزم الإدارة سحبها و إعدامها لأنها مشوبة بعيب من عيوب المشروعية كعدم الاختصاص أو خرق لشكل أو الإجراءات...الخ.
2 – سحب القرارات المشروعة: الأصل العام أن الإدارة لا يمكنها سحب القرار الإداري صدر في إطار مبدأ المشروعية، و إلا أعتبر إعتداء و خرق للحقوق المكتسبة التي تولدت للأفراد عن هذا القرار، كما يعد مساسا بمبدأ عدم رجعية القرار الإداري.
إلا أن استثناء على هذه القاعدة، يجوز للإدارة أن تلجأ إلى سحب القرارات الإدارية الصحيحة في 03 حالات تتمثل في:
أ – القرارات الإدارية التي لا تولد حقوقا مكتسبة: يمكن أن تقوم الإدارة بسحب قرار إداري، من طبيعته أنه لا ينشئ أي حق مكتسب بذاته، بحيث لا يعد مساسا بعدم رجعية القرار الإداري.
ب – القرارات الإدارية التي تقضي بعقوبة تأديبية: لإعتبارات إنسانية يمكن للإدارة سحب قرار تأديبي صدر ضد موظف لإرتكابه لخطأ معين، و ذلط حفاظا على مشواره الوظيفي.
ج – القرارات الإدارية المبنية على غش و تدليس: إذا تبين للإدارة بعد مدة معينة من إصدارها لقرار صحيح، أنه كان بناء على معلومات خاطئة أو نتيجة غش أو تدليس، تسحب القرار و لا يجوز للمخاطب به الإحتجاج بفكرة الحقوق المكتسبة.
2 – شروط سحب القرارات الإدارية: حتى تتمكن الإدارة من سحب القرار الإداري ، فقد قيدها الفقه و القضاء الإداري بعدة شروط تتمثل في:
1 – أن يكون القرار المسحوب من القرارات الجائز سحبها: إن عملية السحب لا تنصب إلا على القرارات الإدارية غير المشروعة، أو بعض من القرارات الصادرة في إطار المشروعية، لكن شابها سبب غير شرعي أجاز سحبها، و بهذا فإن كل قرارمسحوب خارج هذه الحالات فهو لاغيا مثل سحب القرار الساحب.
2 – أن يتم السحب خلال المدة المحددة: بعد صدور القرار الإداري و سريانه لمدة معينة يكتسب الحصانة، لذة أوجب الفقه و القضاء الإداري أن يتم سحب القرار الإداري في آجال معينة ( 04 أشهر في التشريع الجزائري)، تحت طائلة اعتبار قرار السحب مشوبا بعيب خرق الحقوق المكتسبة.
هذا و تحديد الأجل مرده إلى إحترام حق الإدارة في سحب القرار متى تبين لها أنه غير مشروع من جهة، و من جهة ثانية إحترام حق المخاطب به في عدم المساس بحقوقه المكتسبة.
3 – أن يتم سحب القرار الإداري من طرف السلطة المختصة: يجب أن يتم سحب القرار من قبل السلطة الإدارية التي أصدرته أو السلطة التي تعلوها أي سلطتها الرئاسية، فخارج هذين السلطتين يعتبر السحب مشوبا بعيب من عيوب المشروعية.
5 – سلطة الحلول: طبقا لمبدأ توزيع الاختصاص يتولى كل موظف القيام بالمهام المنوطة به، غير أنه في حالة التقاعس أو عدم أداء المرؤوس بمهامه، يمكن لرئيسه أن يتولاه بنفسه بما له من سلطة حول أي أن يحل محله في القيام بهذه المهام.
و لقد إنقسم الفقه بشأن مدى جواز حلول الرئيس محل المرؤوس في ممارسة إختصاصه إلى ثلاث إتجاهات هي:
الإتجاه الأول: يرى أنصاره أن الرئيس الإداري يستطيع القيام بمباشرة أعمال المرؤوس لأنه مادام يستطيع تعديل قرارات المرؤوس، فإنه ذلك يستتبع القول بجواز الحلول محله بصورة مطلقة و عامة ما لم ينص القانون خلاف ذلك.
الإتجاه الثاني: يذهب أنصاره إلى القول بأن الرئيس لا يستطيع أن يحل محل مرؤوسه في إصدار قرار هو من إختصاص المرؤوس، حتى لو امتنع هذا الأخير عن ذلك و هذا راجع لأمرين هما:
- أن ذلك يتعارض مع منطق و مقتضيات التدرج الرئاسي الوظيفي و قواعد الإختصاص؛
- إن السماح للرئيس بالحلول محل المرؤوس قد يضر بمصلحة إخضاع الأعمال الإدارية للفحص و الرقابة المزدوجة من جانب المرؤوس و الرئيس.
الإتجاه الثالث: يحاول أنصاره التوفيق بين إحترام الإختصاص من جهة و مستلزمات السلطة الرئاسية من جهة ثانية، فيقولون أن الرئيس الإداري لا يستطيع الحلول محل المرؤوس إلا بعد ممارسة المرؤوس لأعماله و إختصاصه، و بعدها يمكن للرئيس تعديل هذه الأعمال أو إلغائها أو إصدار أوامر و تعليمات للمرؤوس ليعيد النظر فيها، ثم يمارس الحلول
و ترتيبا على ما سبق، يمكن القول أنه إذا كانت القاعدة العامة تتمثل في تخويل الرئيس سلطة الحلول لضمان استمرار تقديم الخدمات العامة و سير المرفق العام بانتظام، فقد يعمد القانون أحيانا إلى إسناد مهام و أعمال معينة إلى المرؤوس على وجه التخصيص و التحديد و اعتبارها سلطات خاصة، مما يؤدي إلى تقييد سلطة الحلول و إحاطتها بجملة من الشروط أهمها:
- ضرورة إصدار الأمر إلى المرؤوس بالقيام بالعمل.
- إصرار المرؤوس على الامتناع عن التنفيذ.