مظاهر الرقابة الرئاسية
إذا كانت الرقابة أحد عناصر العملية الإدارية، فهي دون شك أهم وظائف السلطة الرئاسية التي تقوم بمراقبة تحقيق الأهداف و متابعة البرامج، فهي بذلك أداة الإشراف الرئاسي على الموظفين من خلال الرقابة الممارسة على الأشخاص، كما أنها أداة تستعمل لتقييم عمل الموظفين من خلال الرقابة الممارسة على الأعمال.
رقابة الرئيس على شخص المرؤوس:
نظرا لما تتسم به الرقابة الإدارية من عمومية و شمولية يتم بمقتضاها رقابة الأعمال إلى جانب الأشخاص، حيث تتمثل هذه الرقابة في تمتع الرئيس الإداري بعدة سلطات تجاه المرؤوسين و ذلك لإدارة المرفق العام بانتظام، و تتمثل هذه السلطات في:
أولا: سلطة الرئيس على المرؤوس أثناء مساره المهني: و تتمثل في
1 – سلطة التعيين: يرتبط النشاط الإداري أساسا بنوعية و كفاءة الموظف العمومي الموكل له هذا النشاط.
و على هذا الأساس يتعين أن يختار الأحسن و الأصلح لشغل الوظائف العامة، و تحقيق العدالة و المساواة، لذلك يتم إعطاء الأفضلية لأصحاب الكفاءة بغية تحقيق المصلحة العامة.
لذا كان من الضروري تحديد هيئة تسند لها سلطة التعيين في الوظائف، و قد منحت القوانين و التنظيمات هذه الصلاحيات للسلطة الرئاسية في انتقاء الموظفين ذوي الكفاءة العالية.
و على العموم، فالتعيين هو الالتحاق بوظيفة عمومية دائمة، و هو إجراء أساسي لإضفاء طابع الاستقرار و الاستمرارية على المنصب الإداري، هذا مع اختلاف سلطة التعيين من إدارة لأخرى.
2 – شروط التعيين: بالرجوع إلى المادة 75 من الأمر 03/06 المتضمن القانون الأساسي العام للوظيفة العمومية، نجدها قد حددت أهم الشروط المتعلقة بالتعين في:
- أن يكون جزائري الجنسية
- أن يكون متمتعا بحقوقه المدنية
- أن لا تحمل شهادة سوابقه القضائية ملاحظات تتنافى وممارسة الوظيفة المراد الالتحاق بها
- أن يكون في وضعية قانونية تجاه الخدمة الوطنية
- أن تتوفر فيه شروط السن و القدرة البدنية و الذهنية، و كذا المؤهلات المطلوبة للالتحاق بالوظيفة المراد الالتحاق بها.
3 – طرق المتعلقة بالتعيين: إلى جانب توافر الشروط هناك عدة طرق لاختيار أحسن المترشحين للوظيفة، و هذا حسب ما نصت عليه المادة 80 من الأمر 03/06، و التي تتمثل في:
- المسابقة على أساس الاختبارات
- المسابقة على أساس الشهادات بالنسبة لبعض أسلاك الموظفين
- الفحص المهني
- التوظيف المباشر من بين المترشحين الذين تابعوا تكوينا متخصصا منصوصا عليه في القوانين الأساسية، لدى مؤسسات التكوين المؤهلة.
4 – تحديد السلطة المختصة بالتعيين: تختلف السلطة المختصة بتعيين الموظف حسب وضعه في السلم الإداري من جهة، و من جهة أخرى حسب نص عليه الدستور و القانون و التنظيمات، فمثلا رئيس الجمهورية بصفته الرئيس الإداري الأعلى للبلاد يملك صلاحيات التعيين بمقتضى نصوص الدستور في الوظائف المدنية و العسكرية و السياسية، فمثلا يعين الوزير الأول، رئيس مجلس الدولة، رئيس المحكمة العليا، محافظ بنك الجزائر، القضاة، الولاة و مسؤولو أجهزة الأمن...الخ.
5 –حدود سلطة التعيين:
بإعتبار أن التعيين في الوظيفة هو إفصاح السلطة المختصة و المخولة قانونا بما تملكه من صلاحية إصدار القرارات الإدارية، بإنشاء مركز قانوني لشغل وظيفة إلى الشخص الذي تتوافر فيه الشروط القانونية لشغل تلك الوظيفة.
هذا فقد حدد التشريع الجوائري مجموعة من الضوابط تتم وفقها عملية التعيين في الوظائف العامة، و على هذا الأساس فقد خول القانون للسلطة الرئاسية سلطة تقديرية واسعة في مجال شغل الوظائف و اختيار الشخص الذي يناسبها، عند تنظيم الوظائف من حيث إنشائها و تحديدها و تسييرها و إدارتها بانتظام كالترقية، النقل...الخ و ذلك تحقيقا للعدالة و المساواة.
ثانيا: سلطة الرئيس في تحديد وضعية المرؤوس: بعد عملية تعيين الموظف، يقوم الرئيس الإداري بتحديد المهام و الأعمال المنوطة به عن طريق التعليمات و الأوامر الرئاسية، حيث يكون المرؤوس ملزم بأداء ما يطلبه منه الرئيس، و كتشجيع و تحفيز للمرؤوس يقوم الرئيس بمجموعة من السلطات لصالحه تتمثل في:
1 – سلطة الترقية: تعتبر الترقية من اختصاص الأصيل للسلطة الرئاسية، حيث تتمتع بسلطة تقديرية واسعة في ذلك.
هذا و يقصد بالترقية على أنها ميزة تمنح للموظف، بقصد تحسين وضعيته و مركزه عن طريق نقله و تصعيده إلى مركز و وظيفة تتضمن سلطات أعلى و أجر أكبر. بمعنى أن الترقية ما هي إلا عملية إدارية أو قانونية، تقوم من خلالها السلطة الرئاسية بنقل و رفع المستوى الوظيفي للمرؤوس من وظيفة أو منصب أدنى إلى وظيفة أو منصب أعلى، و ذلك لضمان حسن سير الوظيفة العامة.
و إلى جانب ذلك و حسب المادة 106 و 107 من الأمر رقم 03/06 تنقسم الترقية إلى الترقية في الدرجات و الترقية في الرتب.
2 – سلطة النقل: لقد نص المشرع الجزائري على سلطة النقل بموجب أحكام الأمر رقم 03/06، حيث كفلها بضمانات تتمثل في نقل الموظف بطلب منه لكن مع مراعاة ضرورة المصلحة، و من جانب آخر إجبارية النقل عندما تستدعي ضرورة المصلحة ذلك.
ثالثا:سلطة الموافقة على طلبات المرؤوس كوسيلة للتحكم في تحديد وضعيته: و يظهر جليا في موافقة السلطة الرئاسية على طلب مرؤوسيها المتضمن ما يلي:
1 – الانتداب: لقد نص المشرع الجزائري على هذه الحالة بموجب الأمر 03/06 و كذا المرسوم التنفيذي رقم 373/20 المتضمن الوضعيات القانونية الأساسية للموظف.
هذا و يعد الانتداب من الصلاحيات التي تمارسها السلطة الرئاسية في تحديد وضعية مرؤوسيها، و ذلك بانتدابهم من مناصبهم الأصلية إلى مناصب أخرى بغية ضمان سير الإدارة بانتظام.
و الانتداب هو حالة الموظف الذي يوضع خارج سلكه الأصلي أو إدارته، مع مواصلة استفادته في سلكه لدى المؤسسة أو الإدارة العمومية التي ينتمي إليها من حقوقه في الأقدمية و الترقية و في التقاعد.
إذا فوضعية الإنتداب تتحقق من خلال:
- وجود الموظف خارج سلكه الأصلي، أي خارج الإدارة الأصلية التي ينتمي إليها؛
- مواصة إستفادة الموظف المنتدب من حقوقه في الأقدمية و الترقية، أما باقي حقوقه الوظيفية تتكفل بها الإدارة المستقبلة.
أما بالنسبة للشروط التي يجب توافرها لإحالة الموظف على وضعية الإنتداب تتمثل في:
- يجب أن لا يكون الموظف المراد إنتدابه متربصا؛
- توفر مستوى تأهيل الموظف مع المنصب المنتدب إليه؛
- صدور قرار من السلطة المؤهلة بوضع الموظف في حالة إنتداب.
و إلى جانب ذلك فقد يكون الانتداب بقوة القانون حسب المادة 134 من الأمر رقم 03/06 و الذي تكون مدته تساوي مدة شغل الوظيفة او العهدة أو التكوين أو الدراسة التي إنتدب من أجلها، كما يمكن أن يكون بطلب من الموظف حسب المادة 135 من نفس الأمر، حيث تقدر مدته بين 06 أشهر إلى 05 سنوات كحد أقصى.
أما بالنسبة للآثار التي قد تترتب عن هذا الإنتداب فتتمثل في:
- خضوع الموظف الذي نتدب لقواعد المنصب الذي انتدب إليه، إذ يتم تقييمه من قبل المؤسسة التي انتدب إليها؛
- يتقاضى الموظف المنتدب راتبه من قبل المؤسسة التي انتدب إليها، إلا في حالة التكوين و الدراسة يتقاضى راتبه من مؤسسته الأصلية؛
- يحتفظ الموظف المنتدب بجميع حقوقه في الأقدمية و الترقية في الدرجة و حقه في التقاعد لدى مؤسسته الأصلية؛
- إعادة إدماج الموظف المنتدب في سلكه الأصلي عند إنتهاء مدة الإنتداب بقوة القانون.
2 - وضعية خارج الإطار: ترتبط ارتباطا وثيقا بوضعية الانتداب، و هي الحالة التي يمكن أن يوضع فيها الموظف بطلب منه بعد استنفاذ حقوقه في الانتداب.
و حسب المادة 33 من المرسوم التنفيذي رقم 373/20، فان وضعية خارج الإطار هي الحالة التي يمكن أن يوضع فيها موظف منتدب، بناء على طلب منه، و بعد استنفاذ حقوقه في الانتداب لتمكينه من مواصلة وظائف إدارية لدى مؤسسة أو هيئة تمتلك الدولة كل رأس مالها أو جزء منه، أو مهمة في إطار التعاون أو لدى مؤسسة أو هيئة دولية، مع انتهاء استفادته من حقه في الترقية في الدرجة أو لرتبة أعلى و لا تحتسب مدة الوضع خارج الإطار كأقدمية.
و على هذا الأساس، تتمثل شروط إحالة الموظف على وضعية خارج الإطار في:
- إنتماء الموظف إلى المجموعة أ؛
- تقديم الموظف طلب وضعه خارج للإطار للسطة المختصة؛
- إستنفاد الموظف حقه في الإنتداب المنصوص عليه في المادة 135 و الذي يكون بطلب منه.
هذا و تتحدد مدة وضعية الموظف خارج الإطار حسب المادة 34 من المرسوم التنفيذي 373/20، بين 06 أشهر كحد أدنى و 05 سنوات كحد أقصى بما فيها فترات التجديد.
أما بالنسبة للآثار المترتبة عن هذه الوضعية تتمثل في:
- خضوع الموظف خارج الإطار لقواعد المنصب الذي وضع من أجله خارج الإطار، إذ يتم تقييمه من قبل المؤسسة التي وضع فيها خارج الإطار؛
- يتقاضى الموظف خارج الإطار راتبه من قبل المؤسسة التي وضع فيها خارج الإطار؛
- لا يستفيد الموظف الذي وضع خارج الإطار من الأقدمية و الترقية في الدرجة، أما بالنسبة للتقاعد فيمكن للمؤسسة المستقبلة إحالة الموظف على التقاعد إذا إستوفى الشروط القانونية و ذلك بعد إعلام المؤسسة الأصلية؛
- إعادة إدماج الموظف خارج الإطار في سلكه الأصلي عند إنتهاء مدة وضعية خارج الإطار بقوة القانون.
3 - الإحالة على الاستيداع: هي طلب إيقاف مؤقت للوضعية الوظيفية، الأمر الذي يؤدي إلى توقيف راتب الموظف و حقوقه في الأقدمية و في الترقية في الدرجة و في التقاعد، غير أن الموظف يحتفظ بالحقوق التي اكتسبها في رتبته الأصلية عند تاريخ إحالته على الاستيداع. هذا و قد يكون الاستيداع بقوة القانون حسب المادة 146 و المادة 147 من الأمر رقم 03/06 و الذي تتراوح مدته بين 06 أشهر إلى 05 سنوات خلال الحياة المهنية للموظف بالنسبة للحالات المنصوص عليها في المادة 146 من نفس الأمر، أما الحالة النصوص عليها بموجب المادة 147 فقد خصها المشرع بمدة إستثنائية تساوي مدة الإستداع مدة مهمة زوج الموظف.
و يمكن قد يكون الإستيداع بطلب من الموظف حسب المادة 148 من نفس الأمر، إذ تتراوح مدته بين 06 أشهر قابلة لتجديد في حدود سنتين.
أما بالنسبة للآثار المترتبة عن وضعية الإستيداع فتتمثل في:
- توقيف راتب الموظف و كذا حقوقه في الأقدمية و الترقية في الدرجات و التقاعد؛
- منع الموظف طيلة مدة الإستيداع عن ممارسة أي نشاط مربح مهما كانت طبيعته؛
- إجراء تحقيق إداري حتى تتمكن الإدارة من التأكد من تطابق الإحالة على الإستيداع مع الأسباب التي أحيل من أجلها الموظف على الإستيداع؛
- إعادة إدماج الموظف في رتبته الأصلية بعد إنتهاء مدة الإستيداع بقوة القانون.
4 – الوضع تحت التصرف: نصت على هذه الحالة المادة 8 من المرسوم التنفيذي 373/20، و يمكن وضع الموظف الموجود في وضعية الخدمة تحت التصرف جمعيات وطنية معترف لها بطابع الصالح العام أو المنفعة العمومية فقط. هذا و يتم الوضع تحت التصرف في إطار اتفاقية تبرم بين المؤسسة أو الإدارة المستخدمة و الجمعية المستقبلة، حيث يمارس الموظف الموضوع تحت التصرف مهاما على المستوى سلمي مماثل للمهام و الوظائف المرتبطة برتبته الأصلية، و إلى جانب ذلك يمارس مهامه تحت سلطة مسؤول الجمعية التي وضع تحت تصرفها.
5 – وضعية الخدمة الوطنية: يمكن للموظف الذي تم استدعائه لأداء خدمته الوطنية أن يوضع في وضعية الخدمة الوطنية، حيث يحتفظ بحقه في الترقية و الدرجة و التقاعد و لا يمكنه طلب الاستفادة من أي راتب.
هذا و تتمثل شروط هذه الحالة في:
- الإستداعء الفعلي من السلطة العسكرية المختصة للموظف؛
- صدور قرار من قبل السلطة المختصة بوضع الموظف في حالة الخدمة الوطنية.
أما بالنسبة للآثار المترتبة عنها فتتمثل في:
- تعليق العلاقة الوظيفية؛
- توقيف دفع الراتب؛
- إحتفاظ الموظف بحقوقه في الترقية و التقاعد؛
- إعادة إدماج الموظف في رتبته الأصلية بعد إنتهاء مدة الخدمة الوطنية بقوة القانون.
رابعا: سلطة التأديب و إنهاء الخدمة
1 – سلطة التأديب: هي اختصاص الأصيل للسلطة الرئاسية، ذلك أن الإدارة هي صاحبة الولاية في ذلك كلما أخلى المرؤوس بواجباته، فإذا كانت الترقيات وسيلة للترغيب فان التأديب وسيلة للترهيب، حيث يعتبر ضمانة فعالة وضعها التشريع لإلزام الموظف على القيام بواجباته الوظيفية، مما يضمن حسن سير النشاط الإداري.
2 – إنهاء الخدمة: و في هذه الحالة تنقطع علاقة الموظف بالإدارة لعدة أسباب حسب ما نصت عليه المادة 216 من الأمر 03/06، كفقدان الجنسية أو التجريد منها، فقدان الحقوق المدنية، الاستقالة المقبولة بصفة قانونية، العزل، التسريح، الإحالة على التقاعد و الوفاة.