بعد الإستقلال مباشرة ورثت الجزائر عن الإستعمار الفرنسي نظاما قضائيا فرنسيا، بمعنى أن هذه الفترة تميزت باستمرارية العمل بالنظام التشريعي الموروث، إلا ما يتعارض مع السيادة الجزائرية أو ذو طابع عنصري و ذلك بموجب قانون 157/62 .

   كما صدر أيضا الأمر رقم 49/62، و الذي نص على التعيين المؤقت للإطارات الجزائرية في مناصب القضاء، الأمر الذي يساعد على تحكم الجزائرين في القضاء في الشهور الأولى بعد الإستقلال.   

   و على هذا الأساس، و لتفصيل أكثر في هذا التطور، تم تقسيم الموضوع إلى محورين أساسين هما:

-      مرحلة  بعد الإستقلال (وحدة القضاء)

-      مرحلة من 1996 إلى اليوم ( إزدواجية القضاء)

   أما بالنسبة للهدف من هذه الدراسة فيتمثل في:

-       تمكين الطالب من معرفة أهم الجهات القضائية التي ورثتها الجزائر عن الإستعمار؛

-       تبيان للطالب أهم الإصلاحات التي جاء بها المشرع الجزائري للتنظيم القضائي؛

-       معرفة أهم الجهات القضائية التي قام عليها نظام الوحدة القضائية؛

-       تحديد أهم الهياكل القضائية التي إستحدثها المؤسس الدستوري بعد دستور 1996 في إطار تبني نظام الإزدواجية.

مرحلة بعد الإستقلال  (وحدة القضاء)

   قد عرفت مرحلة بعد الإستقلال إلى غاية 18 جوان جملة من التدابير القانونية الرامية لإستكمال السيادة الوطنية ة من معالمها الأساسية ما يلي:

أولا: مرحلة تغيير الصيغة التنفيذية و تسوية مسألة الإختصاص الإقليمي بين القضائيا الجزائرية و القضايا الفرنسية: و تضمنت ما يلي

1 – تغيير الصيغة التنفيذية: تم ذلك بموجب الأمر رقم 04/62 المتعلق بالصيغة للتنفيذية للقرارات القضائية، حيث نص على أن الأحكام تصدر باسم الشعب الجزائري و ليس باسم الشعب الفرنسي، ثم عرض مضمون الصيغة التنفيذية التي تذيل بها الأحكام القضائية.

2 – تسوية مسألة الإختصاص الإقليمي بين القضائيا الجزائرية و القضايا الفرنسية: من أجل إحالة قضايا الجزائريين من محكمة النقض الفرنسية و مجلس الدولة الفرنسي إلى الجهات القضائية الجزائرية، تم الإتفاق بين الحكومة الجزائرية و الفرنسية بموجب المرسوم رقم   515/62المتعلق بنشر البروتوكول القضائي الجزائري الفرنسي، الذي نص في مادته 17 على شطب القضايا المعروضة أمام الهيئات القضائية الجزائرية بقوة القانون، إذا كانت تخص الدولة الفرنسية و الجماعات المحلية و المؤسسات العمومية الموضوعة تحت وصاية الجماعات المحلية أو الدولة، أو الواقعة بإقليم الفرنسي.

   و كذلك القضايا التي يكون موضوعها الأساسي هو الفصل إذا كان الشخص يتمتع بالجنسية الفرنسية أو لا، و نفس الشيء بالنسبة للقضايا الجزائرية.

   و إستكمالا لهذه الخطوة نص هذا البروتوكول أيضا في مادته 18 ، على إحالة القضايا المعروضة على محكمة النقض الفرنسية أو مجلس الدولة الفرنسي على الهيئات القضائية الجزائرية.  

ثانيا: مرحلة إحداث المجلس الأعلى إلى غاية الإصلاح  القضائي الأول للعدالة 1965

1 - إحداث المجلس الأعلى: بعد الإتفاق بين الحكومة الجزائرية و الفرنسية على تسوية مسائل الإختصاص بموجب البروتوكول القضائي، كان لزاما على الدولة الجزائرية إحداث هيئة قضائية عليا تتولى المهام التي كانت تقوم بها محكمة النقض الفرنسية و مجلس الدولة الفرنسي، أي الفصل في الطعون بالنقض لأحكام المحاكم الإبتدائية و محاكم الإستئناف، و كذا الفصل في الطعون بالإستئناف القرارات الصادرة عن المحاكم الإدارية، و أيضا الفصل في الطعون بإلغاء القرارات الصادرة عن السلطة المركزية.

   و على هذا الأساس، تم إستحداث المجلس الأعلى كمحكمة نقض بموجب القانون رقم 218/63، و خولت له صلاحيات تجعله مثل محكمة النقض الفرنسية، و بهذا فهو هيئة مقومة لأعمال الهيئات القضائية الدنيا، و موحدا للإجتهاد القضائي.

   هذا و قد تضمن قانون رقم 218/63 عدة مبادئ تنظيمية و إجرائية تخص المجلس الأعلى أهمها:

-       تقسيم المجلس الأعلى إلى 04 غرف تتمثل في الغرفة المدنية، الإجتماعية، الجزائية، الإدارية، و يجوز تقسيم الغرف إلى أقسام بناء على قرار وزير العدل.

-       صلاحية رئيس الغرفة في إحالة القضية للفصل فيها من طرف تشكيلة جماعية مكونة من غرفتين.

-       تكريس مبدأ الأثر غير الواقف للطعن بالنقض أمام المجلس الأعلى باستثناء إذا تعلق الأمر بحالة الأشخاص، دعوى التزوير، الطعون بالإلغاء المرفوعة ضد قرارات السلطة المركزية أمام الغرفة الإدارية بالمجلس الأعلى و ضد أحكام المحاكم الإدارية.

-       تكريس مبدأ صلاحية المجلس الأعلى في أن يأمر بوقف الأحكام و القرارات المطعون فيها.

2 – الإصلاح القضائي ما بين 1965 إلى 1966: تميزت هذه المرحلة بأول إصلاح قضائي للجزائر من خلال صدور الأمر رقم 278/65 المتضمن التنظيم القضائي، الذي دخل حيز التنفيذ 1966 و قد قضى هذا الأمر على إلغاء الهياكل الدنيا حيث عوض المحاكم الإبتدائية و المحاكم الإبتدائية الكبرى بالمحاكم، و عوضت محاكم الإستئناف بالمجالس القضائية، و في أعلى قمة الهرم يوجد مجلس الأعلى.

   و إلى جانب ذلك، خول هذا الأمر إختصاصات المحاكم الإدارية إلى غرفة إدارية أحدثها بالمجالس القضائية.

   و على العموم، فإن الإصلاح القضائي لسنة 1965 قد جاء بالهيئات القضائية التالية:

أ – المحاكم: حلت محل المحاكم الإبتدائية الكبرى بالمحاكم، و تفصل في جميع القضايا المعروضة عليها بتشكيلة فردية.  

ب – المجالس القضائية: حلت محل محاكم الإستئناف، إذ بعد صدور الأمر رقم 278/65 المتضمن التنظيم القضائي، صاحبه صدور الأمر رقم 154/66 المتضمن قانون الإجراءات المدنية، هذا الأخير الذي حددت مادته الأولى عدد المجالس القضائية 15 مجلسا في كافة التراب الوطني، و إنحصرت الغرف الإدارية في 03 مجالس قضائية و هي العاصمة، وهران و قسنطينة.   

   من خلال ما سبق، يمكن القول أن المشرع الجزائري قد جسد الوحدة القضائية أكثر من خلال تحويل المحاكم الإدارية إلى غرف داخل المجالس القضائية، حيث أسندت لها مهمة الفصل إبتدائيا في جميع المناوعات الإدارية، تكون أحكامها قابلة للإستئناف أمام الغرفة الإدارية بالمجلس الأعلى.

   كما استثنى المشرع الجزائري مخالفات الطرق لينظر فيها القضاء العادي، أما بالنسبة لطلبات إلغاء القرارات الإدارية الصادرة عن السلطات الإدارية سواء كانت قرارات مركزية أو غير مركزية، يكون الاختصاص للغرفة الإدارية للمجلس الأعلى تصدر أحكامها إبتدائيا و نهائيا.    

ثالثا: مرحلة من 1969 إلى 1996     

   تميزت هذه المرحلة بإصدار الأمر رقم 77/69 المعدل لقانون الإجراءات المدنية (الأمر رقم 154/66 )، حيث نص هذا القانون على سحب بعض القضايا تعني الإدارة من إختصاص الغرفا الإدارية و أوكلها بصفة إستثنائية للمحاكم العادية مثل المنازعات المتعلقة بحوادث العمل، عقود الإيجار الزراعية و عقود الإيجار التجارية، و كذلك منازعات الأملاك الشاغرة المؤممة و المسيرة ذاتيا، و كذا المنازعات المتعلقة بدعاوى المسؤولية الرامية للتعويض عن الأضرار التي سببتها أية مركبة تابعة للدولة و الولاية و البلدية و المؤسسات العمومية ذات طابع إداري.

   و كذلك المنازعات المتعلقة بالحجز العقاري، القسمة الودية، و حجز السفن و بيعها قضائيا، الإفلاس و التسوية القضائية و كذلك بيع المحلات التجارية المتعلقة بالرهن الحيازي.

   و إلى جانب ذلك، أورد المشرع الجزائري تعديلا آخر على قانون الإجراءات المدنية و ذلك بموجب الأمر 80/71، و الذي أكد فيه المشرع الجزائري على الأحكام الإنتقالية المتعلقة بإجراءات التقاضي الإدارية الموروثة من خلال تكليف الغرف الإدارية للمجالس القضائية العاصمة، و هران و قسنطينة بمواصلة الفصل في المنازعات الإدارية وحدها.

   هذا و قد إستمر الحال على هذا النهج إلى غاية إدخال تعديل على قانون التنظيم القضائي 1965 بموجب الأمر 73/74، الذي رفع عدد المجالس القضائية إلى 31 مجلسا قضائيا أسوة بالتقسيم الإداري الجديد الذي رفع عدد الولايات في تلك السنة إلى 31 ولاية.

   و في سنة 1984 قام المشرع الجزائري بتقسيم جديد للولايات و رفع عددها إلى 48 ولاية، لذا صدر قانون رقم 09/84 المتعلق بالتنظيم القضائي، لكنه لم ينص على زيادة في عدد المجالس القضائية طبقا للتقسيم الإداري الجديد، و إنما عمل على تمديد الاختصاص الإقليمي لبعض المجالس القضائية ليشمل ولايات متعددة مثل مجلس قضاء سعيدة كان يشمل سعيدة و البيض و النعامة.

   هذا و في سنة 1986 وقع تعديل آخر على قانون الإجراءات المدنية، و الذي من خلاله تم رفع عدد الغرف الإدارية إلى 20 غرفة موزعة على أهم المجالس القضائية، مع مراعاة التوازن الجغرافي و حجم القضايا المعروضة و بقى الحال على حاله إلى غاية 1989.  

رابعا: مرحلة إحداث المحكمة العليا إلى غاية 1996

   في سنة 1989 صدر دستور جديد للدولة الجزائرية، و الذي جاء بعدة إصلاحات أهمها التعددية الحزبية، الفصل بين السلطات، إلى جانب ذلك تم إحداث هيكل قضائي جديد و هو المحكمة العليا مكان مجلس الأعلى و ذلك بموجب قانون 22/89، و تضم عدة غرف.

   هذا و قد أجاز لها القانون عقد جلسات للغرف بصفة موسعة في شكل غرف مختلطة للنظر في الإشكالات القانونية المطروحة، و التي قد تؤدي إلى تناقض في الإجتهاد القضائي، أو في شكل غرف مجتمعة عندما يحتمل أن تؤدي القرارات إلى تغيير الإجتهاد القضائي.

   و إلى جانب ذلك، وقع إصلاح عميق بموجب قانون رقم 23/90، الذي عدل قانون الإجراءات المدنية، حيث كان يهدف إلى تقريب العدالة من المتقاضين و تبسيط إجراءات التقاضي تدعيما لدولة القانون.

   و على العموم، يمكن القول أن هذه المرحلة شهدت عدة إصلاحات، لكن التنظيم القضائي بقي منصبا تحت نظام وحدة القضاء و الإزدواجية القضائية، بمعنى المشرع إعتمد على الإزدواجية في القاعدة و الوحدة في القمة، الأمر الذي أدى إلى جدل فقهي حول طبيعة النظام القضائي الجزائري خلال الفترة السابقة و مكانته بين الوحدة القضاء و إزدواجيته، و بقى هذا الإختلاف إلى غاية صدور دستور 1996 الذي نص صراحة على الإزدواجية القضائية.

مرحلة من  1996 إلى اليوم ( إزدواجية القضائية)

   عرفت هذه المرحلة صدور دستور 1996 الذي كرس بموجب المادتين 153 و 152 النظام القضائي المزدوج، حيث أشارت المادة 152 منه إلى وجود ثلاث هياكل قضائية و هي:

-       هيكل قضائي عادي يتكون من الأعلى إلى الأسفل من المحكمة العليا، المجالس القضائية و المحاكم.

-       هيكل قضائي إداري يتكون من الأعلى إلى الأسفل من مجلس الدولة و المحاكم الإدارية.

-       هيكل متمثل في محكمة التنازع مختص في حل النزاعات بين الهرم القضائي العادي و الهرم القضائي الإداري.

   هذا و بغية تكريس ما جاء به دستور 1996، أصدر المشرع الجزائري سنة 2005 القانون العضوي رقم 11/05 المتضمن التنظيم القضائي، لي يليه مباشرة صدور قانون رقم 09/08 المتضمن قانون الإجراءات المدنية و الإدارية، هذا الأخير الذي فصل بين مجموعتين من القواعد الإجرائية، إذ تتضمن المجموعة الأولى تلك المطبقة على الخصومة العادية في المواد المدنية بصفة عامة، أما المجموعة الثانية فتطبق على الخصومة الإدارية.

   و في سنة 2022 عرفت تعديلات جوهرية مست القانون العضوي رقم 11/05 المتضمن التنظيم القضائي، و قانون التقسيم القضائي و كذا قانون الإجراءات المدنية و الإدارية، و ذلك من أجل تكييف مختلف هذه النصوص مع التعديل الدستوري لسنة 2020.

   و على هذا الأساس، صدر قانون القضوي رقم 10/22 يتعلق بالتنظيم القضائي، هذا الأخير الذي نص في فصله الأول من الباب الرابع على المحاكم الإدارية للإستئناف كدرجة ثانية للتقاضي في المواد الإدارية، و إلى جانب ذلك صدر قانون 07/22 و الذي أحدث 06 محاكم إدارية للإستئناف، كما صدر صدر قانون رقم 13/22 المتضمن قانون الإجراءات المدنية و الإدارية.       

         

آخر تعديل: الخميس، 13 مارس 2025، 10:51 AM