تمهيد: يعتبر السلوك العدواني من بين أكثر الاضطرابات السلوكية الأكثر شيوعا بين التلاميذ في مختلف الأطوار والمراحل التعليمية، ومما لا شك فيه فإن الإنسان يولد ومعه قدر محدد من العدوان والتدمير، حيث يمثل الحد الأدنى منه مؤشرا للدفاع ضد أي تهديد أو خطر خارجي.
فالسلوك العدواني لدى الفرد يعكس عدم النضج بالدرجة الكافية التي تجعله ينجح في تنمية الضبط الداخلي اللازم للتوافق المقبول مع مختلف المواقف الاجتماعية، وعلى هذا الأساس لا يجب أن ننزعج إذا شاهدنا بعض أطفالنا ينزعون نحو السلوك العدواني.
فهناك من يرى أن السلوك العدواني عند بعض الأطفال دليل على النشاط والحيوية، سرعان ما يأخذ في التضاؤل والانطفاء كل ما كبر الطفل، أما إذا لم يحدث ذلك فهذا يؤشر على وجود مشكلة ينبغي التدخل لضبطها من الأفراد المحيطين بالطفل، ولذلك لخطورة السلوك العدواني تكمن فيما يترتب عليه من نتائج مثل صدام الطفل مع الآخرين، فهو لا يعترف برغباتهم وحقوقهم، لذلك فإن هذا السلوك يدل على سوء التكيف مع المواقف الاجتماعية المختلفة.
أولا-بعض المفاهيم ذات الصلة بالسلوك العدواني:
-العداء: هو استجابة داخلية تنطوي على مشاعر عدائية فكلمة "عدواني" تستوعب في معناها بعض ضروب السلوك الإيجابي كالمبادأة.
أما كلمة "عدائي" لا تشير إلا للعنف والقسوة، فجوهر العدائية هو المشاعر السلبية والكراهية تجاه شخص أو مجموعة من الأشخاص، أو معايير اجتماعية من تم التعبير عنها أصبحت سلوكا عدوانيا (جمعة سید يوسف،2000: 265)
-العدوانية: هي ميل للقيام بالعدوان عن طريق فرض مصالح المرء وأفكاره الخاصة رغم المعارضة، وهي ميل للسيطرة على الجماعة.
-العنف: هو استجابة سلوكية: تتميز بصفة انفعالية شديدة قد تنطوي على انخفاض في مستوى البصيرة والتفكير، فهو يشير إلى الصيغة المتطرفة من العدوان عن طريق الإيذاء البديني الخطير (عبد اللطيف العقاد، 2001)
-توكيد الذات: يعرفه طریف شوقي في (جمعة سید یوسف، 266
: 2000 ) بأنه مهارات سلوكية لفظية وغير لفظية، نوعية، موقفية، متعلمة ذات فعالية نسبية تتضمن تعبير الفرد عن مشاعره الإيجابية (تقدير، ثناء) والسلبية (غضب، احتجاج بصورة ملائمة ومقبولة.
فالفرق بين السلوك العدواني وتوكيد الذات هو الدفاع عن الحق مع عدم انتهاك حقوق الآخرين، أو تعريضهم الأذى والضرر خاصة المادي.
ثانيا-أشكال السلوك العدواني:
1-من
ناحية السواء:
أ-العداون الحميد (السوي): وتشمل الأفعال العدوانية التي تعتبر مقبولة كالدفاع عن النفس والممتلكات، وغير ذلك مما يحافظ على حياة الفرد في مواجهة الأخطار المحيطة به.
ب-العدوان المرضي: وضع هذا التصنيف كل من إريك فروم و سيغموند فرويد وهو العدوان الذي لا يحقق هدفا ولا يحمي مصلحة، أو هو العدوان للعدوان.
2-حسب الأسلوب:
أ-العدوان الجسدي: ويقصد به السلوك الجسدي المؤذي الموجه نحو الذات أو نحو الآخرين، ويهدف إلى الإيذاء أو خلق الشعور بالخوف مثل الضرب الدفع الركل... وغالبا ما يرافق هذه السلوكات الغضب الشديد.
ب-العدوان اللفظي: ويقف عند حدود الكلام الذي يرافق الغضب ومن أمثلته الشتم والسخرية وذلك من أجل الإيذاء أو خل جو من الخوف ويمكن أن يكون موجها نحو الذات أو نحو الآخرين.
ت-العدوان الرمزي: ويكون باحتقار الآخرين واهانتهم بطرق غير لفظية، كالامتناع عن النظر للشخص الذي يكن له العداء.
3-حسب وجهة الاستقبال:
أ-عدوان مباشر: هم الفعل العدواني الموجه نحو الشخص الذي أغضب المعتدي (مصدر الإحباط) باستخدام القوة الجسمية أو اللفظية أو غيرهما.
ب-عدوان غير مباشر: يتضمن الاعتداء على شخص بديل وعدم توجيهه نحو الشخص الذي تسبب في غضب المعتدي.
4-حسب الضحية:
أ-عدوان فردي: هو الذي يصدر عن فرد واحد ضد آخر أو ضد جماعة أو ضد معايير المجتمع.
ب-عدوان جمعي: هو العدوان الذي تمارسه جماعة ضد فرد أو جماعة أو ضد معايير المجتمع.
ت-عدوان نحو الذات: إن العدوانية عند الأطفال المضطربين سلوكيا يمكن أن توجه نحو الذات بهدف إيذاء النفس أو إلحاق الأذى بما، حيث يأخذ أشكالا مختلفة منها تمزيق الملابس والكتب والكراريس أو لطم الوجه...
ثالثا-مظاهر السلوك العدواني:
-يبدأ السلوك العدواني بنوبة مصحوبة بالغضب والإحباط.
-تتزايد نوبات السلوك العدواني نتيجة للضغوط النفسية.
-الاعتداء على الأقران بهدف الانتقام أو الإزعاج.
-الاعتداء على ممتلكات الغير والاحتفاظ بها أو إخفائها.
-كثرة الحركة وغير محتاط لاحتمالات الأذى.
-عدم الامتثال للتعليمات وعدم التعاون والترقب والحذر.
-سرعة الغضب والانفعال وسرعة الضجيج.
-توجيه الشتائم والألفاظ النابية. إحداث الفوضى والضجيج في الصف بالضحك والكلام واللعب.
-الاحتكاك بالمعلمين وعدم احترامهم والتهريج في الصف.
-عدم الانتظام في المدرسة ومقاطعة المعلم أثناء الشرح.
رابعا-أسباب السلوك العدواني والعوامل المهيئة له:
1-العوامل الوراثية والصحية: تعتبر الوراثة من العوامل المسببة للسلوك العدواني، انطلاقا من الدراسات التي أجريت على التوائم، حيث وجدت أن الاتفاق في السلوك العدواني بين التوائم المتماثلة أكثر من التوائم غير المتماثلة. (صفوت مختار،1999: 38)
بالإضافة إلى شذوذ الصبغيات الوراثية واضطراب وظيفة الدماغ مع وجود خلل في الجهاز العصبي.
2-العوامل البيئية: تغيير بيئة الطفل من شأنه أن يؤثر على ظهور السلوكات العدوانية، كانتقال الطفل من البيت إلى الروضة أو المدرسة، بالإضافة إلى استخدام أساليب تربوية خاطئة مع الطفل كالنقد والتعنيف، وعدم إحساسه بوجوده الاجتماعي داخل الأسرة أو بين أقرانه في المدرسة يكون سببا في سلوكه العدواني.
الأن تقييد الطفل ومنعه من اللعب، وعدم فتح مجال للتعبير عن ذاته والسعي لإثباتها، وعدم قدرته على لفت إنتباه معلميه ليشعروه بوجوده يعتبر من الأسباب المدعمة لذلك، كما يمكن للسلوك العدواني أن يحدث نتيجة شعور الطفل بالإحباط، والصراعات الأسرية والتوترات النفسية أو لغياب السلطة الضابطة داخل الأسرة.
3-العوامل الشخصية: يمكن للسمات والخصائص الشخصية أن تؤدي للسلوك العدواني خاصة بين الأطفال في سن التمدرس، فقد نجد بعض الأطفال يعانون من سلوكات اندفاعية أو نقص في الانتباه أو فرط في النشاط، والتي تزعج المحيطين به مما يجعل هؤلاء الأطفال يحصلون على أقل تشجيع ودعم من الآباء مقارنة مع أقرانهم، ومع ذلك فهم غالبا وعلى الأرجح يعاقبون على سلوكهم، فنتيجة لأنهم معزولين اجتماعيا يصبح هذا مصدر إزعاج وسببا للسلوك العدواني .
خامسا-النظريات
المفسرة للسلوك العدواني:
1-النظرية
السلوكية: يرى أصحاب هذه النظرية أن السلوك العدواني مثله مثل باقي السلوكات، يمكن
اكتشافه وتعديله وفقا لقواعد وقوانين عملية التعلم، لذلك ركزت الدراسات السلوكية
على قاعدة أن السلوك برمته متعلم من البيئة، ومن ثم فإن الخبرات المختلفة التي
يكتسب منها الفرد السلوك العدواني ، قد تم تدعيمها بما يعزز لدى الفرد ظهور
الاستجابة العدوانية كلما تعرض للموقف المحبط، وتأخذ هذه النظرية اتجاهين في تفسير
السلوك العدواني:
أ- نظرية الإحباط لدولارد ومیلر: Dolard et Miller
حسب هذه النظرية فإن السلوك العدواني يظهر نتيجة للإحباط، ويرتكز جوهرها على مايلي:
-كل الاحباطات تزيد مع احتمالات رد الفعل العدواني.
-كل عدوان يفترض مسبقا وجود إحباط سابق.
ب-نظرية التعلم الاجتماعي: Albert Bandura
حسب هذه النظرية فإن سلوك الفرد يتشكل بملاحظة سلوكات الآخرين بما فيها السلوكات العدوانية، وتتلخص تفسيرات هذه النظرية كمايلي:
-معظم السلوك العدواني متعلم من خلال الملاحظة وتقليد الأقران والنماذج الرمزية كالتلفزيون.
-اكتساب السلوك العدواني من الخبرات السابقة.
-التعلم المباشر للمسالك العدوانية، كالإثارة المباشرة للأفعال العدوانية الصريحة في أي وقت. - تأكيد السلوك العدواني من خلال المكافأة والتعزيز.
-إثارة الطفل إما بالهجوم الجسدي أو بالتهديدات أو الإهانات.
-العقاب يؤدي لزيادة العدوان. (عدنان أحمد،2006: 21)
2-نظرية التحليل النفسي :Sigmund Freud
تفسر هذه النظرية السلوك العدواني کرد فعل الإحباط وتعويق للدوافع الحيوية أو الجينية والتي غالبا ما تسعى للإشباع وتحقيق السرور والإبتعاد عن المواقف المؤلمة.
فقد حدد فرويد غريزتين أساسيتين في النفس البشرية:
أ- غريزية الحياة : EROS وهي منبع الطاقة الجنسية، وهدفها حفظ البقاء.
ب-غريزة الموت: Thanathos وهي نقيض الغريزية الأولى، حيث قدف إلى التدمير وتفكيك الكائن الحي، (حجازي، 1976 :186)
فهي مظهر للقوة والعدوان والانتحار والقتال، فغرائز الموت غرائز فطرية لها أهمية مساوية لغرائز الحياة من حيث تحديد السلوك الفردي، (قطامي وعدس،2002: 10)
ويؤكد هذا الرأي مكدوجل بأن غريزة الموت هي غريزة فطرية تعرف بغريزة المقاتلة حيث يكون الغضب هو الانفعال الذي يكون وراءها، (معمرية وماحي،2004: 16)
أما بالنسبة لميلاني كلاين Melanie Klien فغريزة الموت ليست غريزة فطرية ولكن حقيقة ملموسة، ملاحظاتها الإكلينيكية، فغريزة الموت تقاوم غريزة الحياة، فالطمع والغيرة والحسد تظهر كتعبيرات، وهدف العدوان هو التدمير والكراهية والرغبات المرتبطة بالعدوان تهدف إلى:
-الاستحواذ على كل الخير .
-إزاحة المتنافس (الغيرة)
سادسا: تشخيص اضطراب السلوك العدواني عند الأطفال:
-الملاحظة.
-المقابلة العيادية.
-الاختبارات والمقاييس المدرجة.
-تقديرات المعلمين.
-اختبارات الشخصية.
-مقياس السلوك العدواني نحوی شعبان 1987
-مقياس السلوك العدواني عصام فرید عبد العزيز 1986
سابعا-اساليب تعديل السلوك العدواني:
-أساليب العلاج السلوكي والسلوكي المعرفي: التعزيز، العقاب، التعلم بالملاحظة، الحوار الذاتي، المساندة الوجدانية.
قائمة المراجع:
1-جمعة سيد يوسف، 2000: دراسات في علم النفس الإكلينيكي، دار غريب، القاهرة . 2-عصام عبد اللطيف العقاد، 2001: سيكولوجية العدوانية وترويضها (منحی علاجي معرفي جدید) دار غريب، القاهرة. 3- رفيق صفوت مختار، 1999: مشکلات الأطفال السلوكية (الأسباب وطرق العلاج)، دار العلم والثقافة القاهرة .
4-عدنان أحمد الفسفوس، 2006: الدليل الإرشادي لمواجهة السلوك العدواني لدى طلاب المدارس، المكتبة الإلكترونية، أطفال الخليج، ط1.
5-مصطفى حجازي، 1976: التخلف الاجتماعي (مدخل إلى سيكولوجية الإنسان المقهور)، المركز العربي الثقافي، لبنان.
6-بشير معمرية، ماحي ابراهیم، 2004: أبعاد السلوك العدواني وعلاقته بأزمة الهوية لدى الشباب الجمعي، محلة شبكة العلوم النفسية العربية، العدد .4
7-قطامي يوسف، عدس عبد الرحمان، 2002: علم النفس العام، دار الفكر للطباعة والنشر، الأردن .