اكدت معظم الكتابات التاریخیة على ان غالبیة سكان الجزائر العثمانية سكان ریف  وتحتل الحواضر نسبة لا تزید عن 10 ./. تمیزت هذه الحواضر او المدن الجزائرية في العهد العثماني بتنوع العناصر الاجتماعیة فیها، وسادت التركیبة الاجتماعیة اختلافات عرقیة ودینیة ومذهبیة مما جعل المجتمع الحضري یختلف عن المجتمع الریفي، هذا الأخیر الذي كان یتمیز بانسجام وترابط نسبي في تشكیلته الاجتماعیة وهكذا فقد وجدت في المدن عناصر سكانیة مختلفة شكلت كل منها فئة منفصلة عن الفئات الأخرى 

فئة الحضر: یطلق على الحضر اسم "البلدیين" أي المقیمین في البلدة، وهم السكان المتأصلین في البلدة أو المدبنة، والذین یعودون في أصولهم إلى الفترة الإسلامیة، وما انظم إلیهم من أندلسیین وأشراف، مما جعلهم یؤلفون طبقة اجتماعیة میسورة ویشتغل أفرادها في  المهن الصناعیة الأعمال التجاریة

 وقد ذكر "طال شوفال" أن نسبة فئة الحضر في مدینة الجزائر تتراوح ما بین 60% و65

، أي أنهم كانوا یشكلون أغلبیة السكان، ولكن عند بعض المؤرخین اعتبروا أن "فئة الحضر" التي هي حقا متأصلة في مدینة الجزائر، تشكل أقلیة مقارنة مع باقي سكان المدینة.وقد كان الحضر هم العنصر المستقر في المدینة، وهم یشكلون القاعدة الاقتصادیة والاجتماعیة  بسبب نشاطاتهم الاقتصادیة والحرفیة).

ومن أهم العناصر التي كانت تتشكل منها طبقة الحضر في مدن الشمال الجزائري الجالیة  الأندلسیة وجماعة الأشراف بما فیهم العلماء والإداریین والتجارة والحرفیین.

الأندلسون: یشكلون فئة من السكان المحلیین وهم الذین اعتاد العدید من الكتاب على تسمیتهم بـ "المورسكیین"ورغم أن التواجد الأندلسي یرجع تاریخه إلى ما قبل استقرار الأتراك العثمانیين بالمنطقة تكاثر عددهم مع مجيء الأتراك وتشجیعهم للجهاد البحري ضد النصارى  وأصبحوا یؤلفون نسبة كبیرة من سكان المدن الساحلیة(.

وقد كان العنصر الأندلسي عاملا إیجابیا في الحیاة الاقتصادیة والاجتماعیة قبل أن تحد من  نشاطه مضايقة الأتراك واستبدادهم.

وقد استقر الأندلسیون في إبالة الجزائر، وتوزعوا في بعض مدنها مثل البلیدة التي امتلكوا فیها الأراضي وأنشأوا في شمال غربها مدینة القلیعة، كما سكنوا مدن دلس وشرشال، عنابة التي سكن بها عدد كبیر منهم، كما استقروا بمدن: أرزیو ومستغانم وتلسمان في غرب البلاد. وبالرغم من أن أغلب الأندلسیین كانوا یعتبرون أنفسهم في دار هجرة مؤقتة ويرتقبون الوقت الذي یتمكنون فیه من العودة إلى مواطنهم الأصلیة، إلا أن تأثیرهم في المجتمع

الحضري كان عمیقا جدا ومس مختلف نواحي الحیاة، وذلك لكونهم أكثر ثقافة وتطور ونشاطا  من باقي الجماعات الحضریة الأخرى

فبفضل نشاط الأندلسیین وثرواتهم التي حملوها معهم أو تحصلوا علیها من ممارسة التجارة والقرصنة، نهضت كثیر من المدن بعد أن كادت تنقرض كشرشال والبلیدة والقلیعة، وازدهرت زارعة البساتین، وأدخلت مزروعات جدیدة كقطن مستغانم، وعناب عنابة ، كما أصبحت القلیعة مشهورة بإنتاج الحریر الطبیعي.

وفي المجال الصناعي أقام الأندلسیون العدید من الورشات  لمختلف الحرف كالحدادة والنجارة والخیاطة والخزف والصناعة الجلدیة والصناعة الحریریة.وفي المجال السیاسي والعسكري ساهموا بما لدیهم نم خب ارت في تدعیم القوة الدفاعیة للإیالة، وقد عمل هؤلاء أیضا في سلاح المدفعیة حیث كانوا یصنعون السلاح والبارود، كما أنهم أقاموا منشآت دفاعیة كبیرة، إذ بنوا خارج باب الواد غرب مدینة الج ازئر برجا یسمى "حصن الأندلس".وقد استطاع الأندلسیون بفضل هذه الخدمات العسكریة التي قدموها للنظام العثماني بالج ازئر أن یحصلوا  على حق شغل بعض المناصب الإداریة، وهذا ما جعلهم عرضة لمنافسة فئات أخرى.

فئة الأشارف: إن هذه الجماعة القلیلة العدد والتي تتمیز عن باقي الحضر بانتسابها إلى آل البیت حسب الروایات التي تناقلتها الكتابات الأجنبیة وأطنبت فیها ، فقد اشتهر أغلب أفرادها بالورع والتقوى وهذا ما أكسبهم احتراما وتقدیرا لدى الحكام وباقي السكان فخصهم بعض الدایات بالعطایا والمساعدات مثل الداي "محمد بكداش" الذي أوقف لصالحهم بعض الأملاك، وقد اندمج أغلب أفراد هذه الجماعة في طبقة الحضر، فلم یعد ینتسب إلى  الأشراف سوى بعض العائلات التي لم یتجاوز عددها 300 أسرة.

فئة البرانیة :إن كلمة برانیة تشیر إلى فئة أو مجموعة غریبة عن المدینة وقد أصبحت هذه الكلمة في الجزائر اصطلاحا إداریا یشیر إلى الأشخاص الذین یقیمون في المدینة دون  أن یكونوا حضریین، والأمر یتعلق بمجموعة تعود أصولها إلى مناطق مختلفة من البلاد وقد حافظ أغلب أعضاء هذه المجموعات على خصوصیاتهم ولم یندمجوا مع السكان الحضر إلا في حالات نادرة.حیث تتألف مجموعات البرانیة من المجموعات السكانیة التي هاجرت من داخل البلاد إلى المدن الكبرى كالجزائر وقسنطینة، وتلمسان وغیرها للإقامة والعمل.وبشكل عام فإن البرانیة هم عمال بسطاء توجهوا لسوق العمل ولیس لدیهم إلا مجهودهم العضلي ، فهم مجردون من وسائل الإنتاج التقلیدیة.

وقد فرض علیها الوضع الاجتماعي ونوعیة النشاط الاقتصادي في المدن أن تنتظم حسب أصولها الجهویة ومواطنها الأولى فكان هناك البساكرة، والجیجلیون والأغواطیون والمیزابیون والقبائل العبید وغیرهم.وقد اختصت كل مجموعة بمهام وأعمال تقوم بها، وأغلب أفراد هذه المجموعة كانوا یشتغلون في مهن متواضعة ففي مدینة الجزائر كانت تختص كل جماعة بمهنة متواضعة تشتهر بها، وللتعرف على أوضاع مختلف هذه المجموعات المهنیة  والطوائف العرقیة المعروفة بالبرانية .

Modifié le: samedi 18 mai 2024, 17:51