مقياس علم الدّلالة 1                                                                        السّنة الثّالثة ليسانس / السّداسي الخامس

المحاضرة الثامنة                                          

علاقة علم الدّلالة بعلم النّحــــــــــــــــــــو

 

                إنَّ التّواصل الّذي هو غاية اللّغة لا يمكن أنْ يتأدَّى بالمفردات وحدها وإنْ حملتْ الدّلالة المعجمية والصّرفية معًا، لأنّها تعبِّر فقط عن معنى مفرد، وهو غير كافٍ لإقامة التّواصل، وإنَّما يكون تحديد المعنى الإفرادي من أجل الحديث عنه أو به عـنْ غيره، ولا يؤدّى التّواصل بشكلٍ كاملٍ إلاَّ بإسناد هذه الكلمة إلى تلك ممّا يصنع تركيباً يحمل معنى سليماً، وهذا لا يكون إلاَّ بين اسمين، أو اسم وفعل، إذْ بهما فقط تتحقّق الإفادة التي هي شرط الكلام. وإذا كانت الكلمات تتكوّن من تجمُّع الوحدات الصّوتية وفق نظام فونولوجي معيَّن، فإنَّ تشكُّل الجمل من المفردات يحكمه كذلك نظامٌ وتضبطه قوانين تختلف باختلافاتها دلالات هذه الجمل، وهذا هو مجال اشتغال علم النّحو، يقول الجرجاني: <<إنَّ الألفاظ المفردة التي هي أوضاع اللّغة لم توضع لتعرِف معانيها في أنفُسها، ولكن لأَنْ يُضَمَّ بعضُها إلى بعضٍ فيُعرَف ما بينها من فوائد.>>  (دلائل الإعجاز، ص: 353). ففي هذه المساحة تحديداً يلتقي علم الدّلالة بعلم النّحو، إذ إنَّ المعاني النّحوية هي المقصودة في التّواصل.

             فالغاية إذنْ التي يسعى إليها علم الدّلالة هي البحث عن المعنى المُستفاد من النّظر في إسناد المفردات بعضها إلى بعض في التّراكيب والجمل المختلفة باختلاف دلالاتها بين الاسمية، الفعلية وغيرها، يقول الجرجاني: <<...ومعلومٌ أنْ ليس النَّظْمُ سوى تعليق الكلِم بعضُه ببعضِ وجعل بعضها بسببٍ من بعض، والكلِم ثلاثٌ: اسم وفعل وحرف، وللتّعليق فيما بينها طرقٌ معلومةٌ، وهو لا يعدو ثلاثة أقسام: تعليقُ اسمٍ باسم، وتعليقُ اسم بفعل، وتعليق حرفٍ بهما.>> ومن النظر في تعليق المعاني الإفرادية بعضها ببعض تتّضح الوظائف النّحوية التي تؤدّيها كلّ كلمةٍ فتتحصَّل دلالتها.

              يقول الجرجاني في موضع أخر من كتابه مؤكّداً أهمية الدّلالة النّحوية في الفهم والإفهام: << ليت شعري كيف يُتصوَّر وقوع قصدٌ منك إلى معنى كلمةٍ من دون أنْ تريد تعليقها بمعنى كلمة أخرى، ومعنى القصد إلى معاني الكلم أنْ تُعلِمَ السّامعَ بها شيئاً لا يعلمه...، ومعلومٌ أنّك أيّها المتكلِّم لسْتَ تقصد أنْ تُعلِمَ السّامعَ معاني الكلِم المفردة الّتي تكلِّمه بها؛ فلا تقول: خَرجَ زيدٌ، لِتُعَلِّمه معنى (خَرَجَ) في اللُّغة ومعنى (زيد)، كيْفَ ومحالٌ أنْ تكلِّمه بألفاظٍ لا يعرفُ هو معانيها كما تَعرف، ولهذا لم يكنْ الفعل وحده دون الاسم، ولا الاسم وحده دون اسمٍ آخر أو فعلٍ كلاماً، أو كنْت لو قلت: زيدٌ، ولمْ تأت بفعلٍ ولا باسمٍ ولا قدَّرتَ فيه ضمير الشّأن، أو قُلتَ: زيدٌ، ولمْ تأتِ بفعلٍ ولا اسمٍ آخر، ولمْ تُضمره في نفسك، كان ذلك وصوتاً تصوِّته سواءً فاعْرفه.>> ( دلائل الإعجاز، ص: 372)

              ولعلّ الدّلالة النّحوية هي الأكثرُ حضوراً والأوفرُ حظًّا في الدَّرس اللُّغوي العربي برُمَّته؛ لأهميته من جهة، ولاشتغال اللّغويين بالدّرس النّحوي أكثر من غيره من المستويات الأخرى، كما أنَّ اللّحن الذي كان الباعث الأوّل لقيام الدّراسات اللّغوية كلّها إنَّما كان في الحركة الإعرابية أظهر منه في أيّ مستوى آخر.

آخر تعديل: الأربعاء، 11 ديسمبر 2024، 9:58 AM