لقد عرفت المجتمعات الأوروبية تطورا كبيرا نتيجة ازدهار الصناعة والتجارة وازدياد التبادل التجاري بين الدول، فأصبحت الدول مجبرة على إنشاء مرافق جديدة أو توسيع ما هو موجود لمواجهة المتطلبات المتزايدة للأمن داخل المدن وعلى الحدود والتفتح  على الخارج، خاصة أن الملك يريد السيطرة على كل ما يجري داخل مملكته، ولن يكون ذلك إلا بتطوير أسلحة  وإقامة إدارة قوية والبحث عن أسواق  جديدة وهذا ما كان ليتحقق  إلا  بتوافر الأموال اللازمة التي لا توجد إلا عند البرجوازيين.

فقد كان للطبقة البرجوازية الناشئة دور هام في نمو نظام الدولة الحديثة وتطورها إلى نظام الملكية المطلقة وقيام الحكم  المركزي، وكانت البرجوازية ظاهرة  جديدة بدأ دورها  لإقامة هذا النوع من الحكم من أجل مصالحها، فكنتيجة للرواج التجاري والصناعي ظهرت طبقة متوسطة  ألف التجار جزءا هاما منها، وتمكنت من السيطرة على المجتمع بفضل تركز النشاط الاقتصادي في يدها.

1-     عوامل ظهور النموذج الديمقراطي الحديث:  

إن النموذج  الديمقراطي الذي كان سائدا منذ الثورة الفرنسية وما قبل الحرب العالمية الثانية يختلف اختلافا واضحا عن النموذج الحديث الذي أثرت عليه التقنية والتكنولوجيا اللتين غيرتا أساليب الحكم والحياة، فهذا النظام كان نتيجة تطور تاريخي طويل تأثر بالأنظمة القديمة، كما تأثر في نفس الوقت بالنظام الاقتصادي والسياسي والاجتماعي لمجتمعات ما بعد الإقطاع وقبل الثورة الفرنسية، فبعض الشعوب تبنت أنظمتها السابقة بما يتماشى ومصالحها، ومثال ذلك  الملكية التي أبقي عليها لكن بإدخال تعديلات كبيرة بالتدريج على اختصاصات الملك لصالح البرلمان.

   فالنموذج الديمقراطي تكون في ظل النظام الأرستقراطي والملكي الذي سيطر على أوربا قبل الثورة الفرنسية نتيجة التقدم الذي عرفته الزراعة والتجارة والصناعة  ومع ازدياد نشاط التجار وأصحاب رؤوس الأموال نشأت طبقة جديدة تقيم في المدن اعتبرت الربح هو المحرك  الأساسي للاقتصاد بدلا من استغلال الأراضي الواسعة التي اعتمدها النظام الإقطاعي  سميت بالبرجوازية وهو ما أدى إلى ظهور علاقات وقيم اجتماعية جديدة.  إلا أن هذا التطور اقتصر على بريطانيا ولم يشمل أوربا إلا بعد الثورتين الأمريكية والفرنسية في القرن الثامن عشر حيث كانت البداية  الأولى لظهورها في القرن الحادي عشر عندما تمكن البرجوازيون من انتزاع بعض الحريات، فبدأت بتمثيل بعض البلديات ومنها توسعت  إلى المستوى الوطني من خلال مجالس تضم سكان المدن البرجوازية. 

 ثم انتقلت البرجوازية إلى ربط الجانب المالي بالجانب السياسي من خلال اجتماعات مجلسها  إذ طالبت الملك بتقديم حسابات عن الأموال التي كانت تقدمها كمساعدات له لمواجهة النفقات المتزايدة،  وبالتالي فرضت رقابتها المالية وهو ما نتج عنه  انتقال السلطة السياسية وخاصة التشريعية إلى البرلمان.  

وبهذا تكونت قوة برلمانية استطاعت  أن تفرض نفسها ووجودها أمام رجال الدين والملك وبعض الإقطاعيين، وبالتالي انهارت فكرة الإقطاعية والتبعية للأمير لتحل محلها فكرة رأسمالية الربح وقوة نفوذ البرلمان الإنجليزي الذي أصبح يمارس سلطاته المحددة بالنص والعرف دون تدخل الملك ، وهو ما تأكد في القرن السابع عشر. 

 وخلال القرنين السابع عشر  والثامن عشر  ظهرت الأفكار  الحرة لكتاب هذين القرنين أمثال روسو وفولتير وجون ميلتون  وجورج فوكس، وكان أساسها  الدعوة إلى الحرية والمساواة  ونبذ السلطة أو الحق الإلهي المطلق، وكان تماشي تلك الأفكار مع التطور الاقتصادي وازدهار الصناعة والتجارة ومطامح الشعب نحو التحرر والمساواة سبب في اعتناقه لها  وبهذا اختلف التكوين  السياسي للدول الأوروبية الحديثة بين بلد وآخر تبعا لظروف كل منها في نموا الاقتصادي والاجتماعي وموقعه الجغرافي.

2-     التكوين السياسي لبعض الدول الأوروبية:

-          ألمانيا:  كانت الملكية الألمانية أقوى ملكية في العصور الوسطى ولكنها أصبحت أضعفها في القرن الخامس عشر  بعد أن قسمت بين أبناء شارلمان بمقتضى معاهدة فردان 843م وتولى العرش من قبل الملك أوتو الأول 962م لكن سرعان ما تلاشت  سلطة  الإمبراطور وانقسمت  ألمانيا إلى أكثر من 300 ولاية  بعضها خاضع للكنيسة والبعض يحكمه أمراء.

-          ايطاليا:  منذ بداية القرن الثاني عشر  تميز تاريخ  ايطاليا بوجود نظم سياسية تشابه  تلك التي وجدت  في بلاد اليونان في التاريخ القديم، فقد وجدت  عدة مدن  ومقاطعات  مستقلة نشأ بينها صراع عنيف ومنافسات سياسية حزبية في المدينة الواحدة ، وكانت  الدويلات الرئيسية في إيطاليا في عصر النهضة هي البندقية وممتلكات البابوية ومدن  روما وميلان  وفلورنسا.

-          انجلترا: بعد تتويج  هنري تيودور ملكا  على انجلترا وحكمه  ما بين  1485م إلى 1509م تمكن أفراد أسرة  تيودور وأصبح  ملوكها أصحاب الكلمة  النافدة في سياسة البلاد الداخلية والخارجية ، وفي عهده أيضا بدأت انجلترا تبسط نفوذها  على الجزر البريطانية وتوسيع آفاقها في الاستكشاف  والتجارة فيما وراء البحار، وتبعت أسرة تيودور في الحكم أسرة ستيوارت، لكن الفضل في تحويل إنجلترا إلى دولة قومية  ذات مصالح في العالم الجديد، يرجع  إلى أسرة التيودور.

-          فرنسا: خرجت فرنسا قوية من حرب المائة عام (1338- 1459م) ضد انجلترا، وبدأ نمو الروح القومية في البلاد، وفي بداية العصور الحديثة تم توحيد فرنسا على أساس الحكومة  الملكية ذات السلطة المركزية.

-          اسبانيا:  بدأت العهد الجديد  لإسبانيا المسيحية عندما اتحدت آراجون مع قشتالة بالمصاهرة  قي أواخر القرن الخامس عشر بزواج فرديناند ملك آراجون من ايزابيلا 1469م وقد خلق هذا الزواج وحدة اسبانيا التي تابعت تقدمها إلى غاية الاستيلاء على غرناطة 1492م، ثم كانت الكشوف الجغرافية التي أعطت لأسبانيا ممتلكات شاسعة.

-          أخذ مفهوم الدولة، منذ بداية عصر النهضة بتوطد وترسخ عمليا استجابة للظروف والمتغيرات الأساسية التي طرأت على هذا العصر، وذلك على قاعدة رسوخ الحكم الملكي وانهيار الارستقراطية الإقطاعية، وكانت المؤسسات الملكية تعمل على إرساء قواعد هذا التغيير، خاصة في كل من فرنسا وانجلترا واسبانيا، وكانت المجالس الاستشارية التي أنشأها الملوك، تلعب دورا عظيما في هذا الشأن، وقد أدت الحروب المستمرة في أوربا إلى قيام الجيوش الملكية التي أصبحت انتصاراتها وهزائمها العسكرية فيما بعد صورة حية ومعبرة عن النصر أو الهزيمة (القومية)، كما أصبحت واردات الدولة من أملاكها التي أخذت تستغلها وتصونها، والضرائب المفروضة هي القاعدة الاقتصادية الأساسية للميزانية التي على أساسها أخذت المشاريع العامة تحظى بقبول عند العامة.  وقد أخذ  الناس يشعرون بقبضة الدولة القوية ليس من خلال الصلاحيات التي كانت تعطى لمجلس الخزينة ومدققي الحسابات الذين كانوا يطلبون من الجباة الحسابات الدقيقة فحسب، بل من عدالة الدولة المتمثلة في قضائها ومجالسها التمثيلية المتعددة.

-          وهكذا خيمت سطوة <<الدولة>>  على كل رعاياها بمن فيهم النبلاء أنفسهم الذين أودت بسيطرتهم النزاعات القومية كحرب المائة عام والنزاعات المحلية (كحرب الوردتين في انجلترا) والتغيرات الاقتصادية الهائلة التي عرفتها القارة منذ القرن السادس عشر.

-          أما رجال الدين، فبعد حركة الإصلاح الديني أصبحوا أداة مشلولة بالنسبة لهيمنة السلطة الزمنية.

-           

 

آخر تعديل: السبت، 7 ديسمبر 2024، 1:55 PM