مفهوم الاستقراء:

الاستقراء (Induction) من اللفظ اللاتيني (Inductio) بمعنى تسديد أو توجيه أو مؤد إلى ( Lead to)، وهو أحد الأساليب الأساسية في الاستدلال والبحث[1]. وهو ما يتوافق مع الكلمة اليونانية (Epagoge) وهي معنى كلمة الاستقراء  وتعني " مؤد إلى" إلاّ أن اشتقاقها غير معروف. كما يمكن ترجمتها بقولنا " إضافة "(Adduction) أو " استيراد" (َImportation)[2]. وقد استخدمها أرسطو في كتبه المنطقية خاصة التحليلات الأولى والثانية والطوبيقا.

واستخدمت خطوات المنهج التجريبي في العصر الحديث لتمثل الجانب الإجرائي للإستقراء التي وضعها كل من فرنسيس بيكون وجون ستيوارت مل وهي الملاحظة والتجربة وفرض الفروض وتحقيقها[3].

ويعرّفه أرسطو بأنه الاستدلال الذي ينتقل من الخاص إلى العام*؛ ومصطلح الاستقراء Induction  ،في حد ذاته قديم قدم التراث الفلسفي اليوناني، فقد استخدم اليونانيون الكلمة (ايباجوجي= Epagoge ) للإشارة إلى القضية الكلية (universal proposition) التي تندرج تحتها الجزئيات المدركة إدراكا حسيا.

عند الفلاسفة و المناطقة هو الحكم على الكلي لثبوت ذلك الحكم في الجزئي،أو هو الانتقال من حكم خاصة إلى حكم عام قال ابن سينا:" الاستقراء هو الحكم على كلي لوجود ذلك الحكم في جزئيات ذلك الكلي، إما

كلّها، وهو الاستقراء التّام، وإما أكثرها، و هو الاستقراء المشهور"[4]. وهو ما يؤكده مجمع اللغة العربية في معجمه الفلسفي حيث يشير إلى الاستقراء بنوعيه على أنه،" الحكم على الكلي بما يوجد في جزئياته جميعها؛ وهو الاستقراء الصوري الذي ذهب إليه أرسطو وحده وسمّاه " الايباجوجيا " أو الحكم على الكلي بما يوجد في بعض أجزائه وهو الاستقراء القائم على التعميم، وعلى الأخير اعتمد المنهج التجريبي فهو ينتقل من الواقعة إلى القانون، ومما عرف في زمان أو مكان معين إلى ما هو صادق دائما وفي كل مكان"[5]. و قد ورد أيضا، في موسوعة الفلاسفةالنظرة التقليدية إلى الاستقراء هي أنه الانتقال من الجزئيات إلى الكليات، أو بعبارة أدق: الانتقال ممّا هو أقل كلية إلى ما هو أكثر كلية - وذلك في مقابل القياس أو الاستدلال القياسيDéduction  الذي هو انتقال من الكلي إلى الجزئي المندرج تحته* أو بعبارة أدق: من الأكثر كلية إلى الأقل كلية.[6] أما في دليل أكسفورد للفلسفة فقد عرف الاستقراء تقليديا بأنه الاستدلال من الخاص إلى العام. بوجه أكثر عمومية، يمكن تعريف الاستدلال الاستقرائي على أنه استدلال نتيجته رغم أنّها لا تلزم استنباطيا من مقدماته، معزّزة بطريقة ما من قبلها أو أنها تصبح معقولة في ضوء تلك المقدمات. الاستدلال العلمي من الملاحظات على النظريات، يعد في الغالب نموذجا للاستدلال الاستقرائي[7].

أنواع الإستقراء:

الاستقراء نوعان كما تقرّر موسوعة لالاند الفلسفية:

الاستقراء التام: إذا كان الاستقراء يعني تتبع الجزئيات قصد الوصول إلى حكم كلي، فانه يستحق أن يكون تاما أو كاملا إذا ما تم فيه إحصاء كل الأمثلة الجزئية التي تندرج تحت النتيجة العامة التي ينتهي إليها إذن هو الحكم على الكل من خلال الحكم على جميع أجزاءه دون استثناء. فهو الاستقراء الذي لا تكون فيه العلاقة التي تعلنها القضية المخلّقة، متضمنة أي شيء، أكثر مما تتضمنه القضايا المحثّة...هذا هو حال القياس الاستقرائي الأرسطي،و يشترط في صدقه أن يحصر جميع جزئيات الكلي*. يستتبع ذلك أن الإستقراء الصوري هو" استدلال ويشكل برهانا يقينيا. فان كان المقصود بالاستنتاج، كما هو عموما حال المناطقة المعاصرين، وكما هو حالنا هنا، كل عملية قوامها الانتقال من قضية أو عدة قضايا إلى قضية هي لزومها الواجب بموجب قوانين منطقية. ويكون الفرق بين هذا النوع من الاستقراء والقياس، كما يرى جميل صليبا أن هذا الأخير" يحكم على جزئيات الكلي لوجود ذلك الحكم في الكلّي بينما يقلب الاستقراء الناقص تلك الحركة فيحكم على الكلي لوجود ذلك الحكم في جميع جزئياته. وهو نافع في البرهان لأنه يلخّص الأحكام الجزئية ويجمعها في حكم كلّي واحد.[8] على أن الاستقراء الرياضي يشكل إحدى صوره، فما يقوم به الرياضي**  هو أنه يبرهن أولا على قضية خاصة جزئية ثم ينتقل منها إلى قضية أعم منها. *** فيكون إما انتقال من الخاص إلى العام أو من العام إلى الأعم.

الاستقراء الناقص: استخدم أرسطو الاستقراء للدلالة على معنى مختلف عن الاستقراء التام.[9] وقد أشار أرسطو إلى هذا المعنى في الكتاب الأول من الطوبيقا على أنه:" انتقال من الأفراد الجزئية إلى الكليات... مثال ذلك إذا كان الربان الماهر هو الأفضل، فالأمر كذلك بالنسبة للفارس، ومن ثم يصبح الماهر في كل هذه الأمور هو الأفضل."[10] أي انه الطريقة التي ندرك بواسطتها أن مثالا* أو بعض الأمثلة الجزئية دليل على صدق تعميم ما، أو حقائق كلية، ضرورية. وفي التحليلات الثانية يشير إلى الاستقراء بمعنى" أننا نصل لمعرفة المقدمات الأولى بالاستقراء، لأن الاستقراء هو المنهج الذي يمكن بواسطته أن يصل الإدراك الحسي إلى الكلي."[11] وإذا علمنا أن التوصل إلى معرفة الكلي لا يتم إلا بالحدس حيث" لا يوجد نوع آخر من التفكير، باستثناء الحدس، أكثر دقة من المعرفة العلمية."  - حسب أرسطو- فقد اعتقد بعض المناطقة أن حديث أرسطو في التحليلات الثانية نوع متميز تماما من أنواع الاستقراء، مما جعل البعض، يطلق عليه الاستقراء الحدسي.لكننا إذا ما نظرنا لموقف أرسطو لا يتضح لنا أنه لازال يتحدث عن معرفة تتعلق بالكلي، ومن ثم تصبح قوة الحدس مسألة متعلقة بنظرية المعرفة وليس بالاستقراء كمنهج.

المراجع:

[1] إبراهيم مصطفى إبراهيم، منطق الاستقراء، مساق المعارف، الإسكندرية، د.ط، 1999، ص18

[2] المرجع نفسه، ص 28

[3] المرجع نفسه، ص 20

* سوف نتعرض بشيء من التفصيل للاستقراء عند أرسطو في المبحث الموالي الكرونولوجيا

[4] صليبا جميل ، المعجم الفلسفي،(م،س) ، ص72

[5] مجمع اللغة العربية، المعجم الفلسفي، الهيئة العامة لشؤون المطابع الأميرية، القاهرة، ب.ط، ص.12

[6] بدوي عبد الرحمن، موسوعة الفلسفة، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، ج1، ط1، 1984، ص145

[7] هوندرتش تد ، دليل أكسفورد للفلسفة، تع نجيب ألحصادي، المكتب الوطني للبحث والتطوير، الجماهيرية الليبية، د.ط، د.ت ، ج 2 ، ص735

[8] صليبا جميل، المعجم الفلسفي،(مر، س)   ص72

[9] زيدان محمود فهمي، الاستقراء والمنهج العلمي، دار الجامعات المصرية، الإسكندرية، ب.ط،1977، ص.35

[10] عبد القادر، ماهر فلسفة العلوم، المنطق الاستقرائي، ج1،(مر. س)، ص.26

[11] نقلا عن، عبد القادر، ماهر فلسفة العلوم، المنطق الاستقرائي، ج1، (مر. س)،ص.25

 

Modifié le: dimanche 1 décembre 2024, 07:45