المحاضرة السادسة: المقاولاتية كحلقة للتنمية

تمهيد: لقد كانت المقاولاتية في بدايتها الأولى الأساس الذي انطلقت منه الثورة الصناعية في أوروبا وانتشرت منها إلى باقي دول العالم إذ أن المبادرة الفردية الناجمة عن روح الطموح والابتكار عند الأفراد في الغرب استغلت مناخ الأعمال الذي أوجده الفكر الليبيرالي الكلاسيكي القائم على دعه يعمل دعه يمر. وإزداد الاهتمام بالمقاولاتية في نسختها الحديثة بالنظر إلى أهميتها والأدوار التي تلعبها سواء على المستوى الاقتصادي أو الاجتماعي أو حتى البيئي وسواء كان ذلك على المستوى المحلي أو المستوى الوطني بالنظر إلى انعكاسات النشاط المقاولاتي على سوق العمل والمساهمة في ارتفاع معدلات الاقتصاد الوطني وتحسين مستوى معيشة الأفراد وزيادة إنتاج السلع والخدمات في المجتمع والإسهام في إعادة توزيع الدخول وزيادة الابتكار بل وحتى الإسهام في المحافظة على البيئة من خلال المقاولاتية الخضراء. لهذا أصبح ينظر إلى المقاولاتية الحديثة في عصر الفورة التكنولوجية على أنها رافعة اقتصادية واجتماعية وبيئية في إطار التنمية المستدامة وذلك ناجم عن قدرتها على النمو والاستدامة والابتكار. ونستعرض فيما يلي مع طلابنا الكرام في خطوط وجيزة أهم الأدوار التي تلعبها المقاولاتية وأهميتها:

1-الأهمية الاقتصادية للمقاولاتية: تمثل المؤسسات الصغيرة أساس أي اقتصاد وعموده الفقري لذلك لا غرابة أن تساعد وترافق دول العالم هذا النوع من المؤسسات بالنظر إلى مساهمتها في خلق الثروة وزيادة نسب التشغيل ما يدلل على دورها في العملية التنموية. فحجم هذه المؤسسات وإن كان يتطلب مهارات وقدرات مرتبطة بروح المبادرة والابتكار ألا أنها أن تتطلب رؤوس أموال ضخمة لإطلاق استثماراتها وإنما تعتمد على ادخار الفردي ما يجعلها منشط للمدخرات الصغيرة. كما أن مساهمتها تبرز في إنتاج السلع خصوصا الصناعية والخدمات التي تغذي السوق الداخلية بإحتياجاتها بدل اللجوء إلى استيرادها. كما يعزز النشاط المقاولاتي القدرات وكفاءات الكوادر الفنية ناهيك عن دورها في زيادة صادرات الدولة من المنتجات التي أصبحت تشكل فائضا للسوق المحلية ما يرفع من رصيد الدولة من العملات الصعبة، والمقاولاتية إن تفعل كل ذلك فإنها تؤسس لقاعدة صناعية متقدمة ولقطاع خدمات راقي لذلك فإن الخيار المقاولاتي يمثل الحل الأمثل اقتصاديا خصوصا بالنسبة للدول النامية. وفيما يلي استعراضا لدورها الاقتصادي على المستوى المحلي والوطني:

1-على المستوى المحلي: تحقق المقاولاتية على المستوى المحلي الأدوار التالية:

-رفع القدرة الإنتاجية للسلع والخدمات وتعظيم الفائض الاقتصادي: تلعب المؤسسات الصغيرة والمتوسطة على رفع الكفاءة الإنتاجية وزيادة الفوائض الاقتصادية بالنظر إلى حجم الاستثمارات التي عبأتها.

-تنويع النسيج الصناعي: تعمل المقاولاتية على توسيع القاعدة الصناعية وقطاع الخدمات من خلال مساهمتها في إنتاج مختلف السلع والخدمات التي تلبي حاجات السوق المحلية من السلع الاستهلاكية وتلبية حاجات الصناعات الكبيرة.

-دعم التنمية المحلية: تساهم المقاولاتية في التنمية المحلية من خلال قدرتها على الانتشار في مختلف الأقاليم والمدن الصغيرة والأرياف وسهولة إنشاء المؤسسات في هذه المناطق وقدرتها على التكيف مع محيطها.

2- على المستوى الوطني:

-المساهمة في معالجة بعض الإختلالات الاقتصادية: تسهم المقاولاتية في رفع معدلات الادخار والاستثمار، كما تساهم في معالجة اختلال ميزان المدفوعات من خلال إحلال المنتج المحلي مكان المنتج المستورد في السوق المحلية وتصدير الفوائض منه إلى الخارج.

-تنمية الصادرات: لا تتم معالجة اختلال توازن ميزان المدفوعات إلا من خلال زيادة حجم الصادرات خارج الموارد الطبيعية.

-تعبئة الادخار: لما كانت الحاجة إلى رؤوس الأموال محدودة وصغيرة في النشاط المقاولاتي فإنه يمكن التسليم بدوره في تعبئة الادخار الصغير الكافي لتمويل نشاط مؤسساتها ما يجعلها أكثر جاذبية للمدخرين الصغار.

2-الأهمية الاجتماعية للمقاولاتية: بالإضافة إلى الأدوار الاقتصادية التي يلعبها النشاط المقاولاتي فهو يؤدي أدوار اجتماعية مهمة وحيوية إذ أنها تمثل التجسيد الحي لمسايرة الركب الحضاري الحديث وتعمل على تحسين مستوى المعيشة في المجتمع من خلال استيعابها لليد العاملة ويمكننا أن نوجز هذا الدور فيما يلي:

-دورها في تحسين مستوى المعيشة: إن المقاولاتية من خلال رفعها لتحدي المبادرة والابتكار تسهم في تحريك الأنشطة في المجتمع كما أنها تساهم في دمقرطة التكنولوجيا الحديثة خصوصا في قطاع الخدمات ناهيك عن الدور الذي من الممكن أن تلعبه على مستوى المجتمع المدني من خلال تحولها إلى مقاولاتية اجتماعية تجمع كمؤسسة بين أهداف تحقيق الربح الاقتصادية وبين دور اجتماعي تكافلي وتضامني.

-استيعاب العمالة الشبابية: تلعب المقاولاتية دورا اجتماعيا هاما يتمثل في زيادة التشغيل خصوصا بين الشباب كما أن حاجتها المحدودة إلى التكنولوجيات المتطورة تجعلها تستخدم عمالة كثيفة وبذلك فهي تساهم في محاربة أفة البطالة في المجتمع.

-التوزيع العادل للثروة: بالنظر إلى صغر حجم المؤسسات المقاولاتية فإنها تنشأ بأعداد كبيرة تعمل في ظروف تنافسية متقاربة وهذا ما يساهم في التوزيع العادل للدخول، فلما كان إنشاء مؤسسة مقاولاتية لا يتطلب استثمار مالي كبير فإن ذلك سيسمح لعدد أكبر من الأفراد بإ،شاء مؤسسات اعتمادا على مدخرات فردية بسيطة وهذا يسمح بتوسيع الطبقة المتوسطة وتقليص الطبقة الفقيرة.

-مكافحة الفقر والترقية الاجتماعية: نظرا لمساهمة المقاولاتية في تقليص نسب البطالة في المجتمع من خلال كونها وسيلة الأفراد لإنشاء أعمالهم الخاصة مما يساعد على مكافحة الفقر وإدماج الفئات المهمشة في المجتمع.

-الدور البيئي في تحقيق التنمية المستدامة: في ظل ظروف بيئية مستجدة ولكن أيضا في ظل انفتاح أبواب فرص أعمال جديدة لم تكن معروفة من قبل برزت مفاهيم جديدة مثل رائد الأعمال البيئي وحتى رائد الأعمال الأخضر معلنة عن نموذج اقتصادي جديدة هو الاقتصاد الأخضر مع نهايات ستينيات القرن الماضي وبدايات سبيعينياته في أبحاث كل من "بينث" Bennett و"بلو" Blue و"بيرل" Berle حيث بدأت الحاجة إلى الأنشطة الاقتصادية والتكنولوجية في إنتاج السلع والخدمات التي تقلل من انبعاث الغازات المسببة للاحتباس الحراري وترشد استغلال الموارد الطبيعية وتعيد تثمين المستعملة منها، تفرض نفسها على الساحة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية على حد سواء، ولدت المقاولاتية الخضراء كديناميكية اقتصادية جديدة وترعرعت وهي في حالة تطور على ضوء تأجج الوعي بالرهانات الايكولوجية جاعلة من أهدافها تنمية مستدامة عن طريق الاقتصاد الأخضر. ونميز بين المقاولاتية الخضراء التجارية الميالة إلى اقتناص الفرص من أجل تحقيق أكبر قدر ممكن من المكاسب الاقتصادية لكن نشاطها ينصب على إنتاج السلع والخدمات الايكولوجية في إطار الاقتصاد الأخضر، وبين المقاولاتية الخضراء الاجتماعية التي وإن لم تستغني عن هدف تحقيق الأرباح إلا أن هدفها الاستراتيجي هو الترويج للأفكار والابتكارات والمنتجات الخضراء والصديقة للبيئة  وتنفيذها كمشاريع اقتصادية

آخر تعديل: الخميس، 28 نوفمبر 2024، 6:40 PM