أبعاد بنــــاء ونـمـــــو الشخصيـــــــــة (الجزء الاول)
أولا: الجانـــــب النفســـــــي الحركـــي:
إن النشاط الحركي أداة أساسية في التعرف على المحيط والسيطرة عليه ولا يمكن الاقتصار على النشاط العصبي الفيزيولوجي فقط، بل يعكس أيضا الحياة النفسية مما يشير إلى أهمية التفاعلات النفسية والحركية في عملية النمو.
وتجدر الاشارة إلى أن مصطلح Moteur يعني التركيز على العوامل البيولوجية والميكانيكية المؤثرة في الحركة، ولا يستقيم الامر عند الحديث عن النمو الحركي دون الاشارة الى مصطلحي النضج والخبرة Maturation et Experience (ويتميز النضج بمستوى ونظام ثابت من التقدم) فربما يكون هناك اختلاف في معدل السرعة ولكن لا يوجد اختلاف من حيث النتائج والتسلسل كمثال تقدم الطفل والعمر التقريبي الذي يتعلم فيه الجلوس والوقوف والمشي.
- فلقد أدخل Dupret هذا المفهوم لأول مرة في علم النفس، الذي تطور فيما بعد إلى "قانون التوازي النفسي الحركي". فلا يمكن فصل الذكاء عن عملية النشاط النفسي الحركي أثناء عملية النمو، لأن عملية النشاط تستدعي من الفرد أن يقوم بعملية التكيف وتوظيف قدراته العقلية. إذن الذكاء مرتبط بالحركة والنشاط الحركي مرتبط بالنمو الذهني.
- ولقد أدمج H.Wallonالعناصر البيولوجية في نمو الجهاز العصبي والعوامل الاجتماعية العلائقية في النمو النفسي للطفل وحدد مراحل مختلفة في عملية النمو. فعملية النمو حسب Wallon تبدأ منذ فترة الحمل، موضحا طبيعة العلاقة بين الجنين والام واثرها على عملية النمو
فالاشهر الثلاث الاولى من عمر الطفل تشكل "الاندفاعية الحركية ويسميها" Wallon بـــ: القوة الطاردة من المركز – كتلك الحضربة العضلية عند المولود الجديد- وهي موجهة نحو الخارج، وبذلك تتم عملية النمو والتكيف مع البيئة الجديدة. وفي هذه المرحلة تعتبر العلاقة مع الأم المحور الأساسي الذي تدور حوله عملية التطور.
ملاحظة: تكوين البنية النفسية المرضية للطفل تكون في الاشهر 3 الاولى ، إذ يكون تمة الاتصال الوظيفي بين الرضيع والام. فالنمو الحسي الحركي السليم يتوقف على مدى إشباع حاجات الرضيع (إشباعا لا إفراط ولا تفريط فيه).
+ المرحلة الانفعالية: هي المرحلة العلائقية الوطيدة بالأم بحسب Wallon
+ المرحلة الحسية الحركية: تبدأ من السنة الثانية حتى السنة الثالثة، وحسب Wallon تتصدر الحركة مركز النمو وتزداد اللغة الجسدية تطورا، ولذلك يزداد النمو الحركي والتعبير الجسدي وظهور اللغة وفقا لمبدأ "القوة الجاذبة نحو المركز"، ويقصد بها الطاقة التي تحقق القدرة على التوافق أو التكيف. وفي هذه المرحلة يحدد Wallon فترتين أساسيتين:
* الفترة الحسية الحركية: قدرة الطفل على الملامسة اليدوية للأشياء والعبث بها والتنقل إلى غاية الوصول للمشي. وأخيرا تظهر اللغة باستخدام بعض الكلمات لتسمية الاشياء والمحيطين به.
* الفترة الاسقاطية: يكون عمر الطفل في حدود السنة الثالثة، حيث يتكون لديه الموضوع من خلال نمو الوظيفة الرمزية والتي تتكون ابتداء من الشهر 18 بحيث تسمح له بتكوين موضوع وتكوين الصورة الذهنية للشيء. وأخيرا تظهر ثلاث متغيرات تعبر عن تكوين الموضوع وهي: المعارضة/ الإثارة/ تأكيد الأنا.
في حين يربط Geselle (1880- 1961) بين عوامل النضج العصبي البيولوجية وأنماط السلوك الذي يمكن مراقبتها وتسجيلها وقياسها. ويرى بأن التطور الحركي لا يرتبط فقط بالتطور الذهني كنمو اللغة والترميز، بل يتعلق أيضا بالنمو الانفعالي الذي يؤثر على المقوية والنمو الموضعي للجسد.
كما ان الجسد يمتلك لغة علائقية تسبق اللغة الكلامية وتحمل شحنات عاطفية قوية. ولذلك يتأثر النمو الحركي والتعبيري للجسد بالقيمة العاطفية وما تحمله من أمن ومتعة أو خوف وقلق. إذن حسب Geselle نمو الجهاز العصبي يؤدي إلى النمو النفسي الحركي. فلقد برهن كل من " سبيتز وبولبي" أن نمو الطفل قد يتأخر بسبب النقص العاطفي. فهناك من الامهات اللواتي لا يصغين لأطفالهن، ومنهن من تمنعه من الوقوف على رجليه خوفا من أن تتقوص ساقاه، أو تتجنب أن تجلسه خوفا من ان يتعب عموده الفقري. وبعضهن يقمن بإلباس الولد ثيابه حتى عمر ثماني او عشر سنوات، وهناك من لا يعرفون ابنائهم على الاشياء ومسمياتها ولا يعرضون عليهم صورها ولا يروون لهم قصصا، كل هاته النماذج قد تكون سببا في تأخير وعرقلة مسار النمو.
ثانيـــا: النمـــــو الذهنـــــــــــــي:
من أهم الدراسات التي مرت بهذا الجانب هي دراسة Piajet.J (1896- 1980) وهو أخصائي نفسي سويسري. وقد اتبع كل المناهج المعروفة في دراسة النمو المعرفي: مثل الطرق التتبعية (وذلك بتتبع الطفل من الميلاد إلى غاية الكهولة) ودرس كل المميزات التي تعبر عن نمو الذكاء والنشاط العقلي للطفل. واعتبر أن وظيفة الذكاء تتمثل أساسا في تكييف الفرد مع مستجدات الحياة والمحيط، وذلك من خلال آليتين متلازمتين هما: الاستيعاب Assimilation والمطابقة Accomodation.
ثم إن أبرز ما قرره J.Piajet هو أن التكوينات أو الابنية العقلية هي التي تتغير خلال نمونا العقلي أما الوظائف العقلية فتبقى على ما هي عليه. فنحن لا نرث التكوينات ولكننا نرث طريقة القيام بالنشاط العقلي.
كما ان بياجيه يقصد بالثوابت الوظيفية أمرين هامين هما: التنظيم والتكيف (organisation- adaptation) . فالتنظيم حسبه هو ذلك التلاحم الذي يحدث بين مختلف الوظائف العقلية، أي أن الافعال العقلية ليست منعزلة.
أما التكيف فهو عمل من اعمال الذكاء حيث يتم التوازن من خلاله بين آليتي المطابقة والاستيعاب، وهذا ما يخلق حالة توازن فكرية وسلوكية وبيئية.