ترتب عن حركة الإصلاح الديني في أوروبا وجود قوتين متصارعتين:
1- البروتستانتية بمذاهبها المختلفة
1- الكاثوليكية في روما.
وأدى التطاحن بين القوتين إلى إدخال أوروبا في حرب دينية عنيفة استمرت من أواسط القرن السادس ‘عشر إلى الثلث الأول من القرن السابع عشر، وقد اصطبغ الصراع بين القوتين المسيحيتين بالصبغة السياسية بالإضافة إلى الصبغة الدينية، وشمل عدة دول في أوروبا، ومن أهم هذه الصراعات :
1 - الصراع بين أسبانيا والأراضي المنخفضة
2- الصراع في فرنسا ذاتها بين الكاثوليك والبروتستانت.
3- الصراع في إنجلترا بين أتباع الطائفتين
أولا: الصراع بين أسبانيا والأراضي المنخفضة ( 1566- 1609م): قامت في اسبانيا مملكة موحدة نتيجة لزواج فرديناند أمير أرجون بايزابيلا أميرة قشتالة، وأصبح حفيدهما (شارل الأول ) الذي تولى الحكم في 1516 ملكا لأسبانيا، لكنه في عام 1519م أصبح أيضا إمبراطور شارل الخامس( Charles V )، وورث بالإضافة إلى ذلك حكم الأراضي المنخفضة ونابولي وميلان وصقلية. وكان عصر شارل الخامس حافلا بالحروب من أبرزها الحروب بين فرنسا وأسبانيا والتي اتخذت من إيطاليا مسرحا لها ولذا عرفت (بالحروب الإيطالية).
وفي عام 1556م اعتزل شارل الخامس الملك تاركا الحكم لأخيه فيليب الثاني (1556- 1598م)، وفي عهد فيليب الثاني انتهت الحروب الإيطالية بصلح كاتو كامبرسيس ( Cateau Campresis ) الذي عقد في 1556م وبموجبه احتفظت أسبانيا بسيطرتها على نابولي وميلان في إيطاليا وذلك بسيطرتها على الأراضي المنخفضة.
وكانت الأراضي المنخفضة في ذلك الوقت من 17 مقاطعة منها 7 مقاطعات في الشمال يشتغل معظم أهلها بالأعمال البحرية والزراعة، 10 مقاطعات في الجنوب يشتغل معظم سكانها بالصناعة والتجارة، وقد آلت هذه المقاطعات إلى شارل الخامس من الإمبراطور مكسمليان.
وقد انتشرت المذاهب الدينية الجديدة (البروتستانتية) في المقاطعات الشمالية على وجه الخصوص، وقد حاول شارل الخامس الموقوف في وجه انتشار هذه المذاهب البروتستانتية في الأقاليم الخاضعة له في أنحاء إمبراطوريته الواسعة فأصدر عدة مراسيم لمقومة هذه المذاهب، كما عهد إلى محاكم التفتيش بالوقوف في وجه البروتستانت بعنف وبلا رحمة وتعقبهم في كل مكان من الإمبراطورية.
وحين وصل فيليب الثاني للحكم في عام 1556 كانت أسباب الثورة تتجمع في الأراضي المنخفضة من هذه الأسباب:
- أساليب فيليب المالية التي ترتب عليها إرهاق أهل البلاد بالضرائب الباهظة.
- القسوة التي عاملت بها محاكم التفتيش الخارجين عن الكاثوليكية
- كراهية أهل البلاد للسيطرة الأجنبية.
- اتجاه فيليب لإنشاء أسقفيات جديدة أغضب البروتستانت كما أغضب الكاثوليك الذي رأوا في ذلك تفتيتا للأسقفيات القائمة.
وقد تشكلت المعارضة للحكم الأسباني في الأراضي المنخفضة من البروتستانت والكاثوليك على السواء وتزعم المعارضة (وليم أورنج).
وبلغت الثورة ذروتها في عام 1566م واقترنت بأعمال العنف، فأرسل فيليب جيشا على رأسه أحد قواده الذين اشتهروا بالقسوة هو دوق (ألف Ahva ) وأنشأ هذا مجلسا لتعقب الثوار أطلق عليهم أسم (مجلس الدم) بسبب أعمال الإرهاب التي اقترفها ، فقد تتبع كثيرين من أتباع كلفن وأعدمهم.
وتمكن الهولنديون من إيقاع الهزيمة بالأسبان ، وقد تراجعت قوة أسبانيا بسبب الحروب المتصلة، فأفلست خزانتها ونجح الهولنديين في أن يوقعوا هزيمة بالأسطول الأسباني الذي يربط أسبانيا بمستعمر اتها.
واضطرت أسبانيا في عام 1609م لقبول الهدنة على أساس الاعتراف بهولندا دولة مستقلة وتم ذلك في معاهدة وستفاليا 1648م وتحدد معاهدة وستفاليا في الحقيقة بداية طور جديد في تاريخ أوروبا بعد الحروب الدينية الطويلة، وقد جاء صلح وستفاليا بعد حرب الثلاثين سنة 1618- 1648م في ألمانيا. حدد هذا الصلح علاقات دول أوروبا من وقت إبرامه حتى الثورة الفرنسية في 1789م أي لمدة تقرب من قرن ونصف وترتب على هذا الصلح تغلغل مبدأ التسامح الديني وسيادته في أوربا.
ثانيا: الصراعات الدينية في فرنسا (1562- 1593)م: أخذت البروتستانتية تنتشر في فرنسا بفضل جهود يوحنا كلافن الفرنسي ورسالته المشهورة إلى الملك فرنسوا الأول، وكتابه عن (تعليم الدين المسيحي) وانضم إليها عدد من الأشراف ومن الطبقة المتوسطة ، وتأسست أول كنيسة كليفينية في فرنسا في عام 1555م ومن ذلك التاريخ أخذ عدد الكنائس الكالفينية وأتباعها يتضاعف مما أثار مخاوف ملوك فرنسا.
واتجه النضال الديني في فرنسا إلى النضال بين الأسر الكبيرة على السلطة، فقد تزعمت أسرة جيز (إحدى مقاطعات فرنسا) مساندة الكاثيوليك بينما كان الهجونوت أتباع الكالفينية يلقون التأييد من بعض أفراد أسرة البريون. ولعبت الملكة الوالدة (كاترين دي مديتشي) دورا حاسما في هذه الحروب والاضطرابات، فقد تولى عرش فرنسا في ذلك الوقت ملوك صغار السن فرنسوا الثاني (1559- 1560م)، شارل التاسع (1560- 1574م).
حاولت الملكة الأم الموازنة بين أسرة البريون لتستأثر هي بالسلطة. وحاولت أن ترضي البروتستانت بإصدار مرسوم في عام 1562م يبيح لهم العبادة في دورهم أو بعيدا عن المدن الكبرى، لكن هذا المرسوم أغضب الفريقين وأثار مذابح عديدة، واضطرت الملكة الوالدة لإعلان عصيان (الهوجنوت) وحرمانهم من حماية القانون فازدادت الحرب اشتعالا. وقد استمرت الحرب الدينية في فرنسا من 1562 إلى 1593م أي أكثر من ثلاثين عاما.
وكانت الحرب سجالا بين الطرفين، واشتركت الملكة الأم في تدبير مذبحة (سان برثليميو) في أغسطس 1572م التي قتل فيها ما يقارب من 30000 من الهجونوت.
وقد اعتبر فيليب الثاني ملك أسبانيا هذه المذبحة نصرا للكاثوليك كما احتفلت روما بها باعتبارها ضربة قاضية موجهة للهرطقة ووصفت بأنها لا تقل في قيمتها عن النصر الذي أحرزه المسيحيون على الأسطول العثماني في معركة لبيانتو في عام 1571م. على أن الصراع الديني في فرنسا لم ينته إلى حين أعلن (هنري الرابع) من أسره البريون، وكان بروتستانيا اعتنق الكاثوليكية في عام 1593م لمواجهة الاتجاه الكاثوليكي، فوقع الانقسام في هذا الاتحاد. واضطر البابا إلى رفع الحرمان الكنسي الذي كان قد فرضه عليه واعترف به ملكا على فرنسا كما اضطر (فيليب الثاني )بعد أن توالت عليه المصائب في نضاله مع انجلترا والأراضي المنخفضة وإفلاس خزانته إلى طاب الصلح.
وأصدر هنري الرابع في عام 1598م مرسوم نانت الذي أنهى الصراع الديني في فرنسا، وقد أجاز هذا المرسوم للبروتستانت إقامة شعائرهم الدينية في مدن محددة (25 مدينة)، وأصبح من حقهم تولي المناصب العامة العسكرية والمدنية على قدم المساواة مع الكاثوليك، وصار البروتستانت حق عقد مجلس عام ينعقد كل ثلاث سنوات للبحث في شؤونهم
ثالثا: الصراع الديني في انجلترا (1509- 1603)م: استمر هذا الصراع فترة حكم أربع من ملوك وملكات انجلترا، هم هنري الثامن وأولاده الثلاثة. وفي عام 1509م اعتلى هنري الثامن عشر انجلترا، وكان هذا الملك قد زوج من (كاترين) الأسبانية ابنه فردينايد وازابيلا وعمة الإمبراطور شارل الخامس، وكان هذا الزواج في الحقيقة زواجا سياسيا قصد منه كسب صداقة الملكية الأسبانية الكاثوليكية، وقد حاول الملك أن يحذو حذو الأمراء الألمان في التخلص من سيادة الكنيسة الكاثوليكية الرومانية، وتأسيس كنيسة أهلية على أساس أن هذا يحقق عدة أهداف منها: أن يحقق استقلال الكنيسة البريطانية عن كنيسة روما مما يثري خزائن الملك الذي سيصبح رئيسا للكنيسة بدلا من بابا روما.
وقد تميزت حركة الإصلاح الديني في انجلترا في عهد هنري الثامن مايلي:
- كنت حركة إحياء العلوم على أيد مصلحي أكسفورد وغيرهم قد نبهت الأذهان إلى ضرورة الإصلاح وإلى مساوئ رجال الدين.
- كان الرأي العام الانجليزي يؤيد الملكية في مساعيها لتوطيد سلطانها بعد أن عانت البلاد من الصراع بين الأسر المختلفة (فيما أطلق عليه حرب الوردتين التي أدت إلى تأسيس أسرة (تيودور))
- لم يكن الاتجاه في ذلك الوقت لتغيير العقيدة الكاثوليكية أو المساس بها، لكن المذاهب الجديدة ستنتشر وستنحاز لها أكثرية أفراد الشعب الإنجليزي. وحين وصلت ماري تيودور إلى العرش ، انحصرت جهودها في إلغاء كافة القوانين التي صدرت من البرلمان وغيره ضد الكنيسة الرومانية في فترة هنري الثامن وإدوارد السادس واستئناف العلاقات بين الكنيسة الإنجليزية والكنيسة الرومانية. واستخدمت العنف في ذلك حتى أطلق عليها اسم ماري الدموية( Bloody Mary ). وقد تزوجت ماري تيودور هذه من فيليب الثاني ملك اسبانيا، لكنها توفيت بعد فترة قصيرة وتركت قيادة انجلترا في هذه الفترة لشقيقتها إليزابيت ابنة هنري الثامن .
- إليزابيت 1558- 1603م والنظام الإنجلكاني: اتجهت الملكة إليزابيت إلى إتباع حل وسط في المسألة الدينية واستندت على البرلمان فاستصدرت قانونين:
أ - قانون السيادة العليا: ألغت القوانين التي استصدرتها ماري تيودور فأرجعت وضع الكنيسة في انجلترا وعلاقتها بكنيسة روما إلى ما كانت عليه في أيام هنري الثامن.
ب – قانون المذهب الموحد: أوجد هذا القانون نظاما كنسيا موحدا هو الذي أطلق عليه (نظام الكنيسة الإنجليكانية) وهو نظام كاثوليكي المظهر بروتستانتي العقيدة ، أقر بعض المظاهر الكاثوليكية، لكنه ركز على العقيدة البروتستانتية في جوهرها. وكانت ردة فعل الكاثوليك المتعصبين محاولة قتل إليزابيت معتمدين على تأييد فيليب الثاني ملك اسبانيا والبابا في روما، فأرسل ملك اسبانيا فيليب الثاني أسطولا ضخما (الأرمادا) ضد انجلترا لغزوها سنة 1588م لكن انتهى الأمر بتحطيم هذا الأسطول في 5 يوليو/ جويلية 1588م وترتب على ذلك أن انتهت سيادة اسبانيا البحرية.
وكان من نتائج هزيمة الأرمادا توطيد المذهب الإنجليكاني في انجلترا، وبوفاة إليزابيت في سنة 1603م انتهى عهد أسرة تيودور. وفي عهد أسرة (استيوارت) اتجه نضال الشعب الإنجليزي إلى تغيير السلطة الملكية وإقرار حق الشعب الممثل في البرلمان في محاسبة الحكومة.
المراجع :
- عبد العظيم رمضان، تاريخ أوروبا والعالم في العصر الحديث، الهيئة المصرية العامة للكتاب، الاسكندرية، ط1، 1997م، ج1.
- شوقي عطا الله الجمل وعبد الله عبد الرزاق إبراهيم، تاريخ أوروبا من النهضة في الحرب الباردة، المكتب المصري لتوزيع المطبوعات، القاهرة، 2000م.
- جلال يحي، أوروبا في العصور الحديثة: الفجر، الهيئة المصرية للكتاب، الإسكندرية، 1981م.