1- أجهزة الإدارة المركزية وأعوانها:
عرف الجهاز الإداري للجزائر خلال العهد العثماني تطورا ملحوظا، وذلك منذ استقرار الحكم التركي بالجزائر وإلى غاية استكمال تنظيماته واستقرار أجهزته مع نهاية القرن الثامن عشر. فعلى المستوى المركزي للإيّالة. ارتبط نظام الحكم بعدد من الأجهزة والمؤسسات؛ التي كانت تشرف عليها هيئة من الموظفين. وفيما يلي تعريف موجز لهذه الأجهزة (المؤسسات) وموظفيها:
-1- الديــــــــــوان:
مثلت مؤسسة الديوان الهيئة الإدارية العليا في الجزائر خلال العهد العثماني، فهي أعلى سلطة بمدينة الجزائر. ورغم افتقارنا للمعلومات الدقيقة عن تاريخ ظهورها؛ إلا أنه يمكن القول أن تأسيسها يعود إلى عهد خير الدين بربروس. وقد لعبت مؤسسة الديوان دورا مهمّا في إدارة الشؤون العامة للإيّالة؛ من خلال النظر في القضايا المتعلقة بالسياسة الخارجية والأوامر السلطانية، وغيرها من القضايا الأخرى التي كانت تُعرض عليها. وتجب الإشارة هنا إلى استحداث الأتراك لديوانين في الجزائر هما:
* الديوان الخاص: المعروف في الكتابات التاريخية بالديوان الصغير أو ديوان الباشا أو مجلس الدولة، يضم حول الباشا كل من آغا الإنكشارية، كبار ضباط الإنكشارية، الموظفين السامين (وزراء الباشا)، المفتي والقاضي الحنفيين المعينين من طرف الباب العالي، والخوجات الأربعة الكبار (الباش دفتر دار، الباش مقطاعجي، المقطاعجي الثاني، الرقمجي). ويجتمع هذا الديوان كل يوم لدراسة المسائل المتعلقة بشؤون سياسة الحكومة. أما اجتماع يوم السبت فكان يُخصص لدراسة المسائل ذات الأهمية الكبرى. وحسب وليم سبنسر فإن الديوان الصغير كان يُعقد خلال القرن الثامن عشر أربعة اجتماعات في الأسبوع، أيام الاثنين والأربعاء والخميس والسبت في دار الإمارة، وكان أعضاء الديوان يضعون قطعة من شريط الذهب تُلصق في مقدمة عمائمهم للتعريف بمقامهم القانوني.
* الديوان العام أو الديوان الكبير: الذي كان يضم بالإضافة إلى الوزراء السامين، آغا العسكر، وكاهيته وكافة الديوان. والمقتيين (المالكي والحنفي) والقضاة، ونقيب الأشراف وأعيان الناس، أي ما يربو عن ألف شخص. تحت رئاسة القائد الأعلى للجيش الإنكشاري. وكان يجتمع كل يوم سبت في دار الإمارة؛ للنظر في المسائل الهامة التي تخصّ البلاد مثل الاضطرابات الداخلية، كما يجتمع في ظروف استثنائية عند تولية باشا جديد أو مجابهة تهديد خارجي. وغالبا ما كان هذا الديوان يقوم بالمصادقة على القرارات التي يتم التوصّل إليها مسبقا؛ في ديوان الباشا كإقرار حالة السلم أو الحرب مع دولة ما.
وللإشارة فقد تراجع نفوذ هذين الديوانين مع مطلع القرن الثامن عشر، خاصة بعدما تعززت سلطة الداي في الجزائر بإلغاء منصب الباشا سنة 1711، حيث اختفى الديوان الصغير الذي حل محله مجلس الموظفين الكبار (مجلس الحكومة أو الدولة). كما اختفى الديوان الكبير الذي حُدّد نشاطه في نطاق احتفالٍ شكلي بمناسبة الأعياد الدينية، وحفلات توزيع الأجور التي كانت تُقام كل شهرين في قصر الداي. ونظرا لتطور نظام الحكم في مرحلة الدايات، فقد ازداد نفوذ الموظفين السامين، وتدعمت نتيجة لذلك سلطة الدايات، حتى أصبح مجلس الديوان وعلى رأسه الكاهية؛ مجرّد هيئة تقليدية ملزمة بقبول قرارات الداي ومساعديه من الموظفين السامين.
-2- الموظفون السامون أو مجلس الحكومة:
شكل مجلس الحكومة أو هيئة الموظفين السامين، الجهاز الأساسي الذي ارتكزت عليه الحياة السياسيّة في الجزائر، ابتداء من القرن الثامن عشر بقيادة الداي، وللإشارة فإن لقب الداي قد أستخدم مع نهاية القرن السابع عشر للدلالة على الوالي أو الحاكم العام في الإيّالة الجزائرية؛ الذي اختلف لقبه حسب أطوار الحكم العثماني في الجزائر (البايلرباي ثم الباشا ثم الآغا ثم الداي). وباعتبار أن النظام الإداري في الجزائر لم تستقر أجهزته إلا مع نهاية القرن الثامن عشر؛ فإننا سندرس هذه المؤسسة في إطارها الزماني الذي يبدأ مع عهد الدايات.
* الـــــــــــدّاي:
الداي كلمة تركية تعني الخال، ولكنها فيما يبدو لم تستخدم للدلالة على عمل وظيفي إلا في الجزائر وتونس، وكانت في بادئ الأمر لقبا شرفيا؛ مثل كلمة ألب عند الأتراك القدامى التي يتطلب الحصول عليها إثبات الجدارة في البحر والحرب، ثم استخدم هذا اللقب الشرفي لوظيفة عسكرية في الجيش الإنكشاري في الجزائر وتونس، واستعملت بمعنى الحاكم أو الرئيس.
والداي هو المسؤول الأول عن جهاز الحكم بالإيّالة الجزائرية، والممثل الشرعي للسلطان العثماني في الجزائر، وهو بهذه الصفة يمارس كل صلاحيات رئيس السلطة السياسية المتمثلة في: تطبيق القوانين المدنية والعسكرية، توقيع المعاهدات، استقبال السفراء المعتمدين لدى الجزائر، اختيار وزراء وحكام المقاطعات أو الولايات، والإشراف بنفسه على مراقبة إيرادات الدولة وخزينتها. كما يتعين على الداي العمل على إقرار الأمن والمحافظة على النظام، ورعاية مصالح الإيّالة بتوفير المداخيل المالية من مصادرها الداخلية والخارجية، هذا فضلا عن إشرافه على النظام الاقتصادي للبلاد، ومراقبته لسير جهاز الدولة ورعاية مصالح الموظفين.
أما عن كيفية اختيار الداي، فإنها كانت تتم عن طريق الأوجاق، بحيث لم يكن لغير العسكريين المنتسبين للحامية التركية أي دخل في ترشيحه من قريب أو من بعيد، وهو غالبا ما يختار من بين ثلاثة من الموظفين السامين وهم الخزناجي، آغا العرب، خوجا الخيل، في حين ذكرت بعض الكتابات التاريخية اختيار الداي من بين موظفين اثنين؛ هما وكيل الخرج والخزناجي. وقد كان لهذا الاختيار شبه الديمقراطي دخل في الحد من سلطة ونفوذ الدايات؛ لا سيما وأن التقاليد المتوارثة والقوانين المعمول بها جعلت من الداي حسب وصف كونداميني له: "مستبد وليس له حرية، أرستقراطي لكنه محروم من أرباح القرصنة".
وبالنسبة للموظفين الكبار الذين كانوا يساعدون الداي في أداء مهامه، فيمكن ترتيبهم حسب أهمية الأعمال التي كانوا يقيمون بها في أواخر العهد العثماني كالتالي:
* الخزناجي: وهو بمثابة وزير المالية، المتصرّف في خزينة الدولة، بحيث لا يمكن أن تُفتح الخزينة إلا بحضوره؛ لأنه هو الوحيد الذي يحتفظ بمفاتيحها. كان يقوم بتسليم المداخيل ويُشرف على الإنفاق ويُراقب أمور السكة، إذ يساعده في مهامه كل من أمين السكة وبعض الموظفين من الحضر واليهود. وهو المرشح الأول لتولي منصب الداي في حالة شغوره؛ شرط أن يكون تركيا ملما بثقافة واسعة تُساعده على تأدية مهامه في وظيفة الداي السامية.
* آغا العرب أو آغا العسكر: قائد فرق الإنكشارية وجماعات فرسان المخزن، كان يتلقى أوامره من الداي مباشرة، حيث أوكلت إليه مهمة مراقبة قيادات متيجة والساحل، وأوطان دار السلطان والمناطق الملحقة بها كسهول سباو وعريب، وقد تزايد نفوذه في أواخر العهد العثماني داخل مدينة الجزائر؛ بعد أن كُلّف بإقرار الهدوء والمحافظة على الأمن بالضواحي القريبة من المدينة (الفحص)
* بيت المالجي: وهو المشرف على مصلحة الأملاك والثروات التي تؤول للدولة؛ نتيجة المصادرة أو انعدام الورثة، كما يقوم بحفظ الودائع وتسيير أملاك الغائبين والتصرف فيها في حال شغورها (بيعها، تسليمها لمستحقيها، كرائها لفائدة البايلك). هذا فضلا على قيامة ببعض الأعمال الخيرية كتوزيع الصدقات على الفقراء، والإشراف على نفقات صيانة المؤسسات الدينية، وعلى افتداء الأسرى المسلمين في أوروبا، والمساهمة في هدايا الحرمين الشريفين.
* خوجا الخيل: وهو موظف سام يُدير أملاك البايلك ويُشرف على مواشي الدولة؛ التي يتكفل الأهالي بتقديمها في شكل ضرائب عينية، كما يشرف على تجنيد الفرسان "رجال المخزن"، مما خول له نفوذا على عرب الصحراء؛ مثل عشائر رحمان والزناخرة والبواعيش وغيرهم، وقد توسعت صلاحيات خوجا الخيل إلى أن أصبح يتولى -مع مرور الوقت- قيادة الفرق العسكرية.
* وكيل الحرج، وهو موظف سام يراقب النشاط البحري وأعمال الترسانة البحرية؛ حيث تُصنع السفن، كما يشرف على تهيئة عتاد الحرب وتوزيع غنائم البحر، وفي كثير من الأحيان تتوسع صلاحيات وكيل الحرج؛ لتشمل الشؤون الخارجية والعلاقات الدولية، مما يجعله بمثابة وزير البحرية والخارجية في آن واحد.
-3- هيئة الكتاب الكبار (الخاجة باش لار أو الخوجا باشي):
وهم كتاب القصر الأربعة الذين شكلوا أمانة الدولة وهيئتها الاستشارية، اتضحت اختصاصاتهم مع بداية القرن الثامن عشر، واكتسبوا نفوذا شرفيا وكلمة مرموقة حتى ارتقوا إلى مرتبة الموظفين الكبار في إيّالة الجزائر؛ خاصة بعدما زادت حاجة الدولة إليهم وأصبح يُعتمد عليهم في كل المحاسبات المالية والقضايا الاقتصادية، إذ نجد الداي -رغم تعيينه لهم- يستشيرهم في أمور الدولة ولا يتصرف دون أخذ رأيهم ولو في سكة واحدة من أموال الخزينة، هكذا حُظي هؤلاء الكتاب بشرف واحترام كبيرين، حيث كان القادة العسكريون يقفون عند حضورهم احتراما وتقديرا لهم.
وتتوزع مهام هؤلاء الكتاب على النحو التالي:
* الكاتب الأول أو المكتابجي: الملقب بالمقطاعجي، وهو رئيس الكتبة الآخرين، المكلف بفرض الضرائب والمحافظة على سجل محاسبات الدولة، السجل الذي كانت تُثبت به القوانين العسكرية المعمول بها، وأسماء ورتب وأجور فرق الإنكشارية من أوجاق ومحلة ونوبة.
* الكاتب الثاني أو الدفتردار: الذي كان يدعى الباش دفترجي، وهو مكلف بتسجيل مصادر دخل البلاد مثل الضرائب والرسوم العينية، ويُعطى له حق مراقبة مخازن الدولة؛ خصوصا وأنه كان يعتني بنسخة ثانية من سجل أجور العسكر.
* الكاتب الثالث أو وكيل الخرج الصغير: الذي كان يقوم بحفظ سجلات غنائم الجهاد البحري، وضبط أمور الديوانة "القمارق".
* الكاتب الرابع أو الرقمجي: المكلف بالمحافظة على السجلات المتعلقة بمصالح البايلك، والمتصلة بالشؤون الخارجية للبلاد.
وحسب ما أشار إليه حمدان بن عثمان خوجة: فقد ألحق بهؤلاء الكتاب الرئيسين كل من الترجمان وأمين أملاك الحرمين الشريفين (ناظر أو وكيل الحرمين)، الذين غالبا ما كان يتم اختيارهم من بين أعيان الحضر.
-4- هيئة الخوجات:
يعتبر الخوجات -على اختلاف وظائفهم- من أهم أعوان الإدارة المركزية في إيّالة الجزائر خلال العهد العثماني، إذ كانوا يشرفون على مصالح حيوية ذات طابع إجتماعي، إقتصادي، إداري ... إلخ، وهم مُلزمون بمعرفة القراء والكتابة والحساب والقوانين والمعارف الإدارية، وقد بلغ عددهم حوالي ثمانين وقيل مائتي خوجة. ومن أشهر هؤلاء الخوجات نذكر:
* خوجة القصر أو خوجا الباب: الذي كان يتلقى الهدايا ويتوسط في إسناد المناصب وقضاء الحاجات.
* خوجة القمرق (الجمارك): الذي كان يتسلم حقوق الديوانة على البضائع التي تصل إلى المرسى من الدول الإسلامية، أما التي ترد من الدول الأخرى؛ فيدفع ما يجب عليها في قصر الحكومة بحضور الخزناجي وخوجة الوزن.
* خوجة الغنائم: الذي كان بمثابة المراقب العام لغنائم البحر؛ حيث يحرص على الحسابات المتعلقة بها وعلى الحصة العائدة للدولة (البايلك)، كما يقوم ببيع الغنائم وتوزيع عائداتها على مستحقيها.
* خوجة الرحبة: الذي كان يتسلم الرسوم على الحبوب المعروضة للبيع في الأسواق.
* خوجة الزرع: الذي يوزع الحبوب على الفرق العسكرية بالعاصمة، كما يتسلم الضريبة المفروضة على بعض الأراضي الزراعية بعد الحصاد في شكل حبوب.
* خوجة الملح: الذي كان يتكفل بشراء وتعبئة الملح، ثم الإشراف على بيعه مع العلم بأن تجارة الملح كانت محتَكرة حينذاك من طرف الحكومة.
* خوجة العيون الذي يهتم بالمنشآت المائية من عيون وقنوات وسواقي.
* خوجة الجلد: المتصرّف في تجارة مادة الجلد باعتبار أن تجارة الجلد لم تكن حينها تجارة حرة.
* خوجة الفحم: المتحصل على احتكار الرسوم والضرائب المفروضة على مادة الفحم؛ في سوقها الواقع خارج باب عزون.
* خوجة الوزن: المكلف بمراقبة الموازين.
هذا بالإضافة إلى خوجات أبواب المدينة وخوجات المنازل والدكاكين والحدائق، وغيرها من المصالح العامة.
-5- هيئة القيــــــــاد:
هم موظفون يتولون مهمة الإشراف على شؤون البوادي "الأوطان"، ويقومون بإقرار الأمن واستخلاص الضرائب من سكان الأرياف؛ من خلال الرجوع إلى شيوخ الدواوير والأعراش، والإستعانة بفرسان المخزن وفرق الحامية التركية، مع إشراف القليل منهم على سير الخدمات الاجتماعية داخل المدن. ومن أشهر القياد نذكر:
* قايد الزبل: المكلف بالإشراف على الكناسين، وإرشاد زوار الداي وضيوف الحكومة إلى مقاصدهم.
* قايد الشوارع: الساهر على نظافة القنوات والأزقة.
* قايد العبيد: المهتم بشؤون الزنوج، سواء الأحرار منهم أو الذين لازالوا عبيدا.
-6- مجموعة الحكـــــــام:
هم موظفين مهتمين بحكم المدن ذات الأهمية المتوسطة؛ كشرشال والبليدة ومليانة والمدية ومستغانم وميلة وتلمسان ... إلخ، وتتمثل مهامهم الأساسية في السهر على إقرار الهدوء، وتنفيذ الأحكام بالحواضر، مع مراقبة طائفة الحضر في المدن الكبرى، وأخذ الرسوم من أمناء النقابات المهنية ورؤساء المجموعات العرقية (جماعة البرانية) المستقرة هناك، هذا فضلا عن إشرافهم على شؤون القبائل بمساعدة شيوخها الملتزمين لدى هؤلاء الحكام؛ بدفع ما يترتب على عشائرهم من ضرائب عينية أو نقدية.
وللإشارة فإن طبيعة المهام المنوطة بهؤلاء الحكام، هي التي أكسبتهم نفوذا حقيقيا؛ أهلهم للاتصال المباشر مع الداي وغيره من موظفي الحكومة السامين، دون الرجوع إلى رأي البايات أو آغا العرب، فحاكم المدية مثلا كان يتصل مباشرة بداي الجزائر، ويتمتع بنفس الامتيازات التي يُحظى بها باي قسنطينة. وقد تزايدت صلاحياتهم الإدارية في أواخر العهد العثماني؛ حتى أصبحوا يعينون مباشرة من طرف الداي مثل حكام المدية ومليانة وتلمسان.
-7- مجموعة البلوك باشيات أو الآغوات (معزول آغالار أو بلوك باشلار):
هم جماعة من الضباط المتقاعدون الذين كانوا يكونون مجلس الأوجاق "الديوان الكبير"، وعلى رأسهم الكاهية أو البلوك باشي؛ الذي حُظي بهذا المنصب كونه من أقدم ضباط الأوجاق، فبفضل هذه الأقدمية يكتسب صفة أول عضو في الديوان بعد الداي، حيث يرأس الكاهية مجلس الديوان لمدة لا تتجاوز شهرين قمريين، مما أكسبه لقب آغا الهلالين، ليصبح بعدها معزول آغا، تاركا بذلك المجال لأقدم أعضاء الديوان من بعده ليتقلد هو الآخر هذا المنصب، وهكذا دواليك. وأثناء توليه لمنصبه المؤقت، كان يقوم آغا الهلالين بالإشراف على فرق الحامية التركية بمدينة الجزائر الموزعة على سبع ثكنات، ويترأس مجلس الضباط "الديوان"، ويقوم بتوزيع الرواتب، ويحق له الجلوس مكان الداي أثناء توزيعه الجرايات على الجند، كما يحق له معاقبة الأتراك عند صُدور الأحكام بشأنهم في منزله الخاص بعيدا عن أنضار السكان الآخرين من غير الأتراك.
-8- موظفوا القصر:
اشتمل قصر الداي على عدد هام من الموظفين الذين أنيطت بهم مهام عديدة ومتنوعة، ومن أشهرهم:
* الصراف أو الصايجي: وهي المهمة التي يتولاها شخصان من العنصر المحلي (من غير الأتراك)، ويتمثل دورهما في مراقبة ووزن كل ما تشتمل عليه خزينة الدولة بحضور الخزناجي.
* الترجمان الذي يتم اختياره من العنصر المحلي شريطة إتقانه للغتين العثمانية والعربية.
* الكاتبان اللذان يُختاران من العنصر المحلي، وتتمثل مهمتهما في قراءة الرسائل الواردة إلى القصر باللغة العربية والرد عليهما.
* الخزندار أو أمين الخزانة وهو غير الخزناجي، الذي توُكل إليه مسؤولية الحفاظ على ممتلكات الداي الخاصة من أسلحة وأثاث.
* أهجي باشي الذي يوجد تحت أمره عدد هام من الطباخين يُساعده طباخ يدعى كيهية.
* البسكري سيدنا: وهو من العناصر الوافدة من مدينة بسكرة، فهو خادم الداي الخاص المعروف في بعض الكتابات التاريخية بالبسكري متاع الباشا.
* خوجة حرس الداي: الذي لا يغادر القصر ليلا و لا نهارا.
* منظفوا القصر.
-9- جماعة الشواش:
قدّر عددهم مع أواخر العهد العثماني باثني عشر شاوش من العنصر المحلي، ما عدا كبيرهم المعروف بــــ "باش شاوش" الذي كان من العنصر التركي، وهم مُكلفون بالأعمال الثانوية؛ بحيث يحمل كل واحد منهم لقبا يدل على طبيعة العمل الذي يقوم به، ومن أشهرهم:
* باش سايس القائم على اصطبلات البايلك.
* باش سيّار المكلف بالبريد.
* السركجي المشرف على السجون.
* آغا العزرة الدي يتولى معاقبة الأتراك المحكوم عليهم من طرف الداي.
* الدلال الذي يقوم بتعريف البضائع عن طريق المناداة عليها في السوق الكبير؛ مقابل حصوله على سهم من ثمن بيعها.
* البراح الذي كلّف بإعلان الأوامر والقرارات الصادرة عن السلطات الحاكمة، والتشهير بالمجرمين واللصوص والمحتالين أمام الملأ في الساحات العمومية.
2- مؤسسة بيت المال:
تعتبر مؤسسة بيت المال أو مؤسسة "المواريث المخزنية" مثلما ورد ذكرها في عدد من سجلات المحاكم الشرعية، جناحا مهما ومميزا ضمن أجنحة الإدارة المركزية في الجزائر خلال العهد العثماني، حيث أوكلت لها مهمة تسيير أملاك الدولة، وتحصيل عائدات الممتلكات الشاغرة (أموال المفقودين، متروكات غير مُطالب بها ...) وفق ما تقتضيه الشريعة الإسلامية، وقد كان لهذه المؤسسة مقر إداري بين قصر الجنينة ومسجد السبدة، وتحديدا في المنطقة القريبة من منقطع الطريق بين سوق القيصرية وسوق الصاغة وسوق الغزل، وهو المقر الذي عرف في عقود ووثائق المحاكم الشرعية بدكان بيت المال.
كانت مؤسسة بيت المال تتمتع بجهاز مستقل وخاص (متكامل المهام)، يُشرف على إدارتها ناظر بيت المال (بيت مالجي)؛ الذي يساعده في مهامه مجموعة من الموظفون. فمن هو ناظر بيت المال؟ ومن هم أشهر موظفي مؤسسة بيت المال؟
- ناظر بيت المال: هو المسؤول الأول على مؤسسة بيت المال، يعيّن من قبل الداي مباشرة، وتُفوض إليه مهمة المحافظة على المواريث المخزنية أو ما هو على ملك الدولة، حيث يراقب الأملاك والثروات التي تعود للدولة؛ نتيجة المصادرة وانعدام الورثة، كما يقوم بحفظ الودائع، وتسيير أملاك الغائبين والتصرف فيها وبيعها لمستحقيها ، أو كرائها لفائدة الحكومة.
أما عن الموظفين المساعدين لناظر بيت المال في مهامه فهم كالتالي:
* القاضي: الذي يتولى المسائل الشرعية للمؤسسة وإصدار الأحكام، مع العلم أن آراؤه كانت استشارية وغير ملزمة؛ باعتبار أن الناظر حر في اتخاذ قراراته.
* العادلان: اللذان تمثلت مهمتهما في تدوين وتسجيل كل ما يخص المؤسسة من ممتلكات ومعاملات من بيع وكراء ... إلخ.
* الشاوش: الذي كان ينوب عن ناظر بيت المال في بعض المهام بتكليف منه؛ كقبض الأمانات وعتق الأسرى ... إلخ.
* الدلالين: وعددهم أربعة مهمتهم بيع ممتلكات بيت المال في المزاد العلني.
* الغسال: من جنس ذكر وأنثى، مهمتهمها غسل وتكفين الموتى.
هذا بالإضافة للصايجي (العداد) الوكيل على المال أو الخازن، ومنصب الخوجة الذي يتولى مهمة التفتيش في المحاسبات لصالح الدولة .... هؤلاء الموظفون الذين كانوا يتمتعون بحق اقتطاع جزء من أموال البايلك المصادرة كأجرة لهم، هذا زيادة على ما كان يدفعه لهم الورثة الغائبون لتسيير أملاكهم الشاغرة.
3- الجهاز الأمنـــــــي:
شكل الجهاز الأمني، الإطار القانوني الرسمي لتنظيم العلاقات بين السلطات والسكان الأصليين بمختلف فئاتهم، في شتى الجوانب السياسية والاقتصادية والأمنية، وهو الجهاز الذي أشرفت عليه مجموعة من الموظفين؛ الذين اقترنت وظائفهم بالسلطات الرسمية العليا وبجهاز الدولة المركزي. ومن أبرز هؤلاء الموظفين نذكر:
* كاهيّة الداي: الذي يعتبر بمثابة المحافظ العام للشرطة، خُصّص له مقر إداري بالقرب من دار الإمارة سُمي بحانوت الكاهية؛ أين كان يترأس مجموعة من الضباط الذين قدّر عددهم بحوالي 24 ضابطا (أياباشي) من ذوي الخبرة والرأي، وكثيرا ما كان ينوب كاهية الداي بمقره عن الآغا في استقبال شكاوي العسكر وتبليغها له، كما كان يفصل في بعض القضايا التي يحيلها إليه الداي.
* كاهية الخزناجي: الذي تقع تحت إشرافه الرقابة العامة للشرطة النهارية.
* المزوار أو قائد الليل، وهو المسؤول عن رقابة الشرطة الليلية، عُرف نائبه بالباش ساركجي بينما عُرف أعوانه بالحرس، مهمته الأساسية هي إقرار الأمن خلال فترة الليل ومراقبة الحمامات ومنازل الدعارة، وهذا بمساعدة أعوانه (شيخ البلد، آغا الإنكشارية، قول آغا ...).
وفي سياق حديثنا عن وظائق الجهاز الإداري المركزي في الجزائر خلال العهد العثماني، تجب الإشارة إلى وظيفة المحتسب الذي يستمد سلطته من مصلحة الدين العليا، فهو الحارس والمسؤول الأول عن السير الحسن للأوضاع على المستويين المادي والأخلاقي، إذ ارتبطت وظيفته في الدولة الإسلامية عبر التاريخ بوجود الأسواق، باعتبار أن السوق يدخل -بما يتضمنه من بضائع وأسعار ومعاملات- في دائرة مسؤولية المحتسب.
لقد اهتم المحتسب بالسهر على تنفيذ أسعار الأسواق، ومراقبة كل السلع المعروضة للبيع في الأسواق والدكاكين من مأكل ومشرب وملبس ... إلخ، وذلك حسب أحكام القضاء والإفتاء، وغالبا ما يتجوّل في الأسواق وهو حامل الميزان لمعاينة نوعية وكمية المعروضات في الأسواق، والتأكد من عدم تحايل التجار وتدليسهم، ومن التزامهم بتحديد الأسعار وضبط المكاييل والموازين، وينال مقابل عمله هذا نسبة معينة من ثمن البضائع الواردة إلى السوق.
يمكننا القول في خاتمة هذه الدراسة أن الإدارة المركزية في الجزائر خلال العهد العثماني، قد تميزت بجملة من التنظيمات الدقيقة والمتناهية في تحديد المهام، وهي في نظرنا صورة مصغرة لواقع الإدارة المركزية للدولة العثمانية.