لقد انتهى التقسيم الإداري بالجزائر خلال العهد العثماني إلى تشكل عدة مقاطعات إدارية كبرى هي:
1-              دار السلطان:
يعود تاريخ ظهور النواة الأولى لهذه المقاطعة إلى عام 1516، عندما استنجد سليم التومي بعروج وخير الدين؛ لتحرير صخرة البينون الواقعة عند مدخل ميناء الجزائر من السيطرة الإسبانية. فبعد أن فشلا في مهمتهما اتجه خير الدين نحو الجهة الشرقية من المدينة حتى وصل إلى دلس، بينما اتجه عروج صوب الغرب إلى أن وصل إلى تنس، وأصبحت هذه المنطقة تشكل دار السلطان. لتكون بذلك النواة الأولى للإدارة العثمانية في الجزائر.
 يعتبر إقليم دار السلطان من أصغر المقاطعات الإدارية في الجزائر خلال العهد العثماني. إذ يتربع على مساحة تقدر بحوالي 6500 كلم2 ،  على امتداد حوالي 150 كلم؛ من جبال القبائل وواد سباو شرقا إلى واد مسلمون غربا، وعلى امتداد حوالي 50 كلم؛ من البحر الأبيض المتوسط شمالا إلى جبال الأطلسي جنوبا،  وجغرافيا يضم إقليم دار السلطان المنطقة التي تم إخضاعها على يد عروج وخير الدين، والتي تشتمل على خمس مدن هامة هي: الجزائر، البليدة، شرشال، دلس، القليعة وأوطانها، مع العلم بأن مدينة الجزائر هي عاصمة لدار السلطان وللإيّالة برمتها.
أما عن التنظيم الإداري لإقليم دار السلطان، فإنه يمكن أن نميز بين منطقتين مختلفتين هما:
* المنطقة الأولى: وهي منطقة الفحص المحيطة بمدينة الجزائر على طول 12 كلم حول المدينة، قدرت مساحتها بحوالي 150 كلم2 ، وهي تشتمل على  سبعة فحوص: زواوة، بوزريعة، بني مسوس، عين الزبوجة، بير خادم، القبة والحامة، ولا تحتوي هذه المنطقة على القبائل كما هو الشأن في الأرياف، بل تضم جماعات إدارية موزعة على الفحوص والأحياء.
* المنطقة الثانية: وهي منطقة الأوطان التي استقرت بها القبائل القاطنة بسهل متيجة وأطرافه؛ لتتخذ بذلك (الأوطان) مع مرور الوقت أسماء تلك القبائل، ومن أهم هذه الأوطان نذكر:
- وطن بني خليل الذي يشمل ساحل الجزائر والمتيجة، بين الحراش ووادي تيحميمين في الشرق ومزاغران والشفة في الغرب، وفيه مجموعة من الأحواش: بابا علي، الشرفة، الشاوش، غيلان، سركاجي ... إلخ.
- وطن السبت الذي يمتد على طول البحر من القليعة إلى تيبازة شاملا بذلك ساحل القليعة والجزء الغربي من متيجة، ثم يمتد على طول وادي الشفة ووادي مراد ووادي الناضور غربا والجبال المحادية جنوبا.
- وطن بني موسى الذي يقع بين الخندق في الشمال والحراش في الغرب، وبني سليمان في الجنوب ووادي السمار في الشرق.
- وطن الخشنة يقع بين البحر ومصب الحراش في مرسى الحاجز، ووادي مرجة ويسر في الشرق، ووادي السمار في الجنوب.
- وطن اليسر الذي يحده البحر الأبيض المتوسط شمالا وأوطن حمزة جنوبا، ومن جهة الشرق تحده أوطن سباو، أما غربا فيحده واد قورصو الذي يفصله عن أوطن الخشنة.
- وطن سباو أو قيادة سباو الذي ظل تابعا لبايلك التيطري إلى غاية 1769، وهي السنة التي نقلت فيها إدارته إلى إقليم دار السلطان، ويضم كل من بني خلفون، فليسة أم الليل، بني طور، مدينة دلس، وادي الحمام، بني عيسى، بني دوالة، بني زضزر، بني بطرونة، بني خليفة، وجزء من المعاتقة. ومثله أيضا تم نقل إدارة وطن بوحلوان التابعة لقيادة مليانة وإلحاقها بإقليم دار السلطان لتكون تحت إشراف آغا العرب، ونفس الأمر كذلك لأوطان بني سليمان وعريب وبني خلفون التي ألحقت هي الأخرى بسلطة آغا العرب، بعدما تم اقتطاع وطن حمزة من بايلك قسنطينة سنة 1820.
وللإشارة فإن كل وطن من هذه الأوطان كان يسيّره قائد تركي، مقابل دفع حقوق استغلال الوظيفة بالعملة النقدية والمنتوجات المحلية، وكل منطقة أو جماعة يسيرها شيخ، وفي بعض المناطق أو الجماعات الكبيرة نجد لكل شيخ شيوخا، على أن يخضع كل هؤلاء لسلطة آغا العرب المفوض من طرف الباشا.
2-                     البايلكات الثلاثة:
2-1-   بايلك التيطــري:
يقع جنوب إقليم دار السلطان، وهو أصغر البايلكات من حيث المساحة في القطر الجزائري، وثاني بايلك من حيث تاريخ التأسيس بعد دار السلطان، علما أنه تأسس سنة 1540، يمتد من الشمال إلى الجنوب بين سلسلتي الأطلسين التلي والصحراوي على طول 70 فرسخا، ومن الغرب إلى الشرق من ضواحي حجوط إلى عريب؛ أي شرق مدينة عين بسام حاليا على طول 40 فرسخا، يحدّه من الشمال الأطلس البليدي ومن الجنوب الأطلس الصحراوي، ومن الغرب الشلف ومن الشرق جبال ونوغة، وهو بذلك يفتقر كثيرا للأراضي الزراعية الجيدة.
 تعتبر المدية عاصمة بايلك التيطري، فعلى الرغم من أن الأتراك قد تمكنوا من ضم مدينة المدية إلى سلطتهم في مدينة الجزائر منذ سنة 1517، إلا أن مقر باي التيطري قد ظل خلال أوائل العهد العثماني في تنقل ما بين المدية تارة وبرج سباو تارة أخرى. ولم تصبح المدية عاصمة لبايلك التيطري إلا بعد صدور قرار 1773 عن ديوان الجزائر؛ الذي يقضي باتخاذها عاصمة رسمية للبايلك، وهذا من أجل ضبط ومراقبة القبائل المتمردة والممتنعة عن دفع الضرائب، خاصة بعدما تم قتل أحد بايات التيطري هناك وهو الباي "سفطة".
لقد شكل بايلك التيطري منطقة حيوية واسعة للداي وأغواته، وهذا باعتباره أقرب مركز بايلك إلى الداي، كما أن قبائله كانت تمدّ الداي وأغواته بفرسان الصبايحية كقبيلة موازية، وبحكم القرب الجغرافي لهذا الإقليم بدار السلطان، فإن حاكمه (الباي) كان أقل استقلالا وأكثر خطرا من بايات وهران وقسنطينة، فهو أهم البايات في سلم ترتيب بايات الجزائر، لدرجة أنه كان يتقدم زملائه البايات في المراسيم العامة. ولأجل إضعاف مركز وخطر باي التيطري، لجأت السلطة العثمانية الحاكمة في الجزائر إلى تجريده من إدارة مدينة المدية؛ التي تم وضعها تحت سلطة حاكم تابع بصفة مباشرة لديوان مدينة الجزائر، دون أن تكون للباي أي سلطة عليه.
وحسب ما ورد في بعض الدراسات أن إدارة المدية قد أوكل أمرها إلى آغا العرب، مما أوجد تعقيدا في إدارة هذا البايلك، بحيث انفصلت عدة مناطق إداريا عن سلطة الباي وأعوانه بالرغم من وقوعها داخل حدود البايلك، ولعل من أبرز المناطق التي أصبحت غير تابعة إداريا إلى باي التيطري -رغم وقوعها داخل أراضي البايلك-؛ تلك المناطق التي كانت تقطنها قبائل الرحمان والزناخرة والبواعيش الذين كانوا تابعين إداريا لخوجة الخيل الذي كان يفوض أمور إدارتها إلى قائد العرب، هذا الأخير الذي كان يباشر مهامه من مقره الإداري الكائن بحوش بوعقاب قرب بوفاريك؛ بمساعدة  مخزنه المكون من فرسان قبيلة حجوط.
وأشارت بعض الكتابات التاريخية، إلى تشكل بايلك التيطري عموما من واحد وعشرين وطنا؛ أي وحدة إدارية ممثلة في سلطة القبيلة أو القبائل (عدة قبائل)، بحيث يقع بعضها تحت سلطة أغوات المخزن، بينما يقع البعض الآخر تحت سلطة موظفين آخرين، تحصلوا على إدارتها عن طريق الإقطاع؛ لتكون بذلك مصدرا لمعاشهم، وهذا راجع إلى طبيعة السياسة العثمانية في الجزائر التي كانت تُمارَس على الأفراد وليس على المناطق.
هذا وتشير بعض الكتابات الأخرى إلى انقسام بايلك التيطري إلى أربع قيادات رئيسية وهي كالتالي:
- قيادة تل الظهراوي (الظهراوية) التي تضم قبائل حسين بن علي، هوارة، وزرة ...
- قيادة تل القبلة (القبلية) التي تشمل قبائل أولاد دايد العبيد والدواير، أولاد هديم وبني حسن، أولاد علان، أولاد معرف ...
- قيادة الديرة أو سور الغزلان (الديرة) وهي تضم كل من أولاد دريس، أولاد بركة، أولاد فريحة، أولاد سليم، أولاد عبد الله، العذاورة، بني عقبة ...
- قيادة الجنوب المتكونة من قبائل رحمان، السحاري، أولاد شايب، بني بوعيش، حرازلية، الرشيفة ....
وللتوضيح فإن هذا التقسيم الإداري لبايلك التيطري؛ قد ظل يخضع لنفس القوانين والأعراف إلى غاية أواخر العهد العثماني، حيث تم اقتطاع كل الجزء الشمالي الشرقي لبايلك التيطري لتشكيل قيادة "سباو"، ونظرا لحجم تلك القيادة؛ فإنها اعتبرت بمثابة البايلك أو الولاية، إذ جاء ذكرها على أساس أنها ولاية خامسة في عدة وثائق أرشيفية. كما اقتطعت منه أيضا منطقة "وطن حمزة" في سنة 1820، هذه المنطقة التي ألحقت بإدارة إقليم السلطان.
2-2-    بايلك الغـــــرب:
إن ما يسمى بايلك الغرب، عموما يعادل بالتقريب القطاع الوهراني حاليا، وهو يمتد جغرافيا من الحدود المغربية غربا إلى الحدود التي تفصله عن دار السلطان وبايلك التيطري شرقا، ومن البحر الأبيض المتوسط شمالا إلى الصحراء جنوبا. وهناك من يعطي تحديدا جغرافيا دقيقا لحدود هذا البايلك، وهي كالتالي: وادي الشلف شرقا، ووادي الملوية غربا، البحر الأبيض المتوسط شمالا، ونواحي البيض من الصحراء جنوبا. هذا مع العلم أن سيطرة الأتراك على هذا الإقليم،لم تكتمل إلا بعد تحرير وهران من قبضة الإسبان سنة 1792.  ويعتبر هذا الإقليم ثاني أكبر بايلك من حيث المساحة بعد بايلك الشرق.
يعود تاريخ تأسيس بايلك الغرب إلى سنة 1563، وعلى ما يبدو أن حسن بن خير الدين هو أول من وضع الأسس الأولى للإدارة العثمانية في بايلك الغرب، وذلك خلال ولايته الثالثة (1562– 1567)، فقبل عودته من حصار وهران سنة 1563، إلى مدينة الجزائر، ترك حامية عسكرية في مستغانم وعين ابن خديجة (ورد ذكره باسم أبو خديجة وبوخديجة) بايا على الناحية الغربية، وتفاديا للغارات الإسبانية القادمة من وهران، ولأجل التحكم أكثر في قبائل المنطقة الغربية، فضل الباي أبي خديجة (كما ورد ذكره أيضا) نقل مر إقامته نحو المناطق الداخلية، فاختار مازونة عاصمة لبايلك الغرب، نتيجة موقعها الإستراتيجي الذي يتوسط القبائل في مستغانم وتنس، وقربها من الشلف.
وفي سياق الحديث عن عواصم بايلك الغرب، تجب الإشارة إلى أن عاصمة هذا البايلك، لم تكن مستقرة بمكان واحد؛ بدليل أن هذا البايلك قد عرف عدة عواصم متتالية خلال الفترة الممتدة من 1563 إلى 1792، ففي البداية فضل الباي ابن خديجة نقل مقر إقامته من مستغانم إلى مازونة، لتصبح بذلك هذه الأخيرة عاصمة لبايلك الغرب، حيث ازدهرت وأصبحت مدينة ثقافية مشهورة بمدرستها التي بناها الشيخ الأندلسي محمد بن الشريف منذ نهاية القرن السادس عشر ميلادي. وخلال الفترة التي ظلت فيها مازونة عاصمة لبايلك الغرب. كانت تلمسان قاعدته الهامة، وبها تواجد الباي الثاني لإقليم الغرب، هذا ما أكده محمد بن يوسف الزياني عندما تحدث عن تولي بايان إثنان لأمر بايلك الغرب مع بداية العهد العثماني، أحدهما مقره مازونة والآخر مقره تلمسان، وظل الأمر على حاله إلى غاية نهاية القرن السابع عشر ميلادي.
فأثناء تولي الباي مصطفى أبو الشلاغم أمر بايلك الغرب، وحد بين مازونة وتلمسان وجمع بينهما، ثم نقل مقر العاصمة من مازونة إلى قلعة بني راشد سنة 1687م، وضمها إلى معسكر التي تتوسط تلمسان ومازونة وذلك سنة 1701. ومما لا شك فيه أن اختيار مدينة معسكر كعاصمة لمقاطعة بايلك الغرب، راجع إلى عدة أسباب نذكر منها:
- الموقع الإستراتيجي الهام الذي يربط بين المناطق الساحلية والمناطق الداخلية،
- تحكم مدينة معسكر في المسالك التجارية الهامة، باعتبار أنها مركز هام على الطريق بين قلعة بني راشد وتلمسان، مما جعلها سوقا لمنتوجات السودان ومستودعا لبضائع فاس وملتقى لتجارة الغرب الجزائري،
- تعتبر مدينة معسكر مدينة منيعة بموقعها على منحدرات جبال بني شقران، هذا فضلا على كونها منطقة زراعية مهمة (سهل غريسي)،
- إحاطة وقرب قبائل بني راشد المعروفة بتقربها من الحكم التركي بمدينة معسكر،
- القرب الجغرافي لمدينة معسكر من وهران، وهو ما يسمح لباياتها من تضييق الحصار على وهران ومراقبة تحرك القوات الإسبانية.
لقد عمل الباي مصطفى أبو الشلاغم على تحرير مدينة وهران من سيطرة الإسبان، فتمكن بفضل إعانة الباشا الشريف السيد محمد بكداش (1707 – 1710) من محاصرة وهران، وفتحها عنوة صبيحة يوم الجمعة 20 جانفي 1708، وعلى إثر هذا الانتصار الكبير؛ أمر الباشا محمد بكداش إلحاق وهران ببايلك الغرب اعترافا بجميل الباي مصطفى أبو الشلاغم، هذا الأخير الذي قرّر نقل عاصمة البايلك من معسكر إلى وهران خلال نفس السنة، حيث سكن وهران وعمل على إعادة بنائها وتعميرها، وظل مقيما بها إلى أن احتلها الإسبان مرة ثانية سنة 1732.
وبعد الإحتلال الثاني لمدينة وهران، نقل الباي مصطفى أبو الشلاغم مقر حكمه (العاصمة) إلى مستغانم سنة 1732. وحسب الزياني أن العاصمة ثم نقلها مرة أخرى إلى معسكر سنة 1737، للاقتراب من وهران. وفي عهد الداي حسان باشا (1791 – 1798) ثم نقل عاصمة البايلك إلى وهران بعد الفتح الثاني لها على يد الباي محمد بن عثمان (1779 – 1797) سنة 1792، هذا الأخير الذي منحه الداي حسن باشا لقب "الكبير"؛ عرفانا بفضله وصدق كفاحه في سبيل تحرير وهران.
هكذا يتضح لنا أن بايلك الغرب، قد انفراد بخاصية مميزة، تمثلت في عدم ثبات واستقرار عاصمته، إذا ما قُورن بغيره من البايلكات الأخرى، وهو ما انعكس على طبيعة نظامه الإداري الذي أخذ صبغة عسكرية واضحة قبل التحرير النهائي لوهران سنة 1792. ويمكن الإشارة إلى أهم الأسباب التي جعلت نظامه الإداري نظاما شبه عسكريا في النقاط التالية:
- تعرضه للحملات المغربية ذات الأطماع التوسعية؛ التي كانت تستهدف الاستيلاء على تلمسان بصفة خاصة وعلى أراضي البايلك بصفة عامة،
- تعرضه للحروب المتواصلة مع المحتل، إذ ما انفك الإسبان يغيرون على المناطق المجاورة للمنطقة التي كانوا يحتلونها، وما انفك الأتراك يجهزون الحملات ضد هؤلاء الإسبان.
- ظهور حركات التمرد التي قادها الدرقاويّون ثم التيجانيون في القرن التاسع عشر ميلادي، وهي الحركات التي زعزعت سلطة الأتراك في المنطقة.
أما عن التقسيم الإداري لبايلك الغرب، فقد أشارت الكتابات التاريخية إلى انقسامه على ستة مناطق إدارية هي كالتالي:
* المنطقة الأولى التي تضم المرسى تحت قيادة "قايد المرسى"، وهو أعلى رتبة من سائر القواد؛ كونه كان يشرف على شؤون البحر (مدخولا ومخروجا)، ومطلع على كل من يأتي من الأفاقيين وغيرهم، مع علمه أيضا بقدوم العدوّ للاختلاس.
* المنطقة الثانية التي تضم أغا الدواير غربا وبحرا وشرقا وقبلةً.
* المنطقة الثالثة التي تضم دائرة قايد الزمالة بأعراشها الخمسة.
* المنطقة الرابعة التي تضم دايرة خليفة الباي في منطقة الشرق، من وادي مينا إلى حدود بايلك الشرق.
* المنطقة الخامسة التي تشمل مدن بايلك الغرب مثل وهران، تلمسان، معسكر، مستغانم، القلعة، مازونة، وأحوازها، هذه المدن التي كان يديرها قايد البلد بمساعدة شيخ عرفي يدعى "شيخ البلاد".
* المنطقة السادسة التي تضم قيادة فليته على يد قائد فليته، ومن يتولى قيادة فليته فإنه يسوغ له أن يتولى بايا إذا كانت له إعانة من داي الجزائر.
كما أشارت بعض الدراسات إلى انقسام بايلك الغرب على ثلاثة قيادات كبرى، هي قيادة الشرق التي تشمل واد الشلف والمرتفعات المجاورة له؛ من مازونة إلى حدود دار السلطان تحت أمر خليفة الباي، وقيادة آغا الدواير من عين كيال حتى مازونة، وقيادة آغا الزمالة من البحر الأبيض المتوسط حتى جنوب معسكر إلى أطراف الصحراء وبلاد اليعقوبية. هذا باستثناء قبائل أولاد عامر ومجاهد التابعة لإدارة باي الغرب مباشرة. وبالنسبة لآغا الدواير وآغا الزمالة، فإنهما كانا يتقاسمان العمل مع اثنين من الأغوات الآخرين عن طريق التداول على الاستراحة، كما كانا  مجبران على تنسيق العمل بينهما؛ أي بين آغا الزمالة وأنما الدواير، لأن السكان الواقعين تحت نظر الأول متداخلين مع السكان الواقعين تحت نظر الثاني، وقد اعتمد الأتراك إيجاد هذا التداخل حتى إذا فكر أحدهما في التمرد، أمكن إحباط مشروعه بواسطة الآخر في كل من نقط سلطته.
ولم يكن لبايلك الغرب أن يختلف عن الأقاليم الأخرى، إذ وُجدت فيه بعض المناطق شبه مستقلة، مثل المنطقة الواقعة بين وادي مينا ووادي الشلف، التي كانت تحكم بها عائلة عريقة من المرابطين، وهي عائلة أولاد سيدي بوعبد الله، الذي كانوا سندا قويا للبايات في حروبهم ضدّ كل من إسبان وهران وملوك المغرب وغيرهم، إلى أن تحولت المنطقة إلى قيادة شبه عسكرية. دون أن تفتقد لامتيازاتها المتمثلة أساسا في الزعامة الاجتماعية والحقوق الجبائية؛ التي كانت تستخلصها من القبائل المجاورة لها. كما كانت المناطق الجنوبية للبايلك وهي مناطق جد شاسعة خارجة عن نطاق سيطرة البايات، يتحكم فيها زعماء قبائل أولاد سيدي الشيخ وهم من الأجواد المرابطين.
2-3-    بايلك الشــــــرق:
هو من أكبر بايلكات إيالة الجزائر مساحة وسكانا، يعود تاريخ تأسيسه إلى سنة 1567،  وعاصمته قسنطينة، لذلك ورد ذكر في بعض الكتابات التاريخية باسم بايلك قسنطينة، حيث يشمل الشرق القسنطيني، تلك الرقعة الجغرافية الواسعة التي كانت تمثل بايلك الشرق أو بايلك قسنطينة، والتي تمتد من البحر الأبيض المتوسط شمالا إلى ما وراء بسكرة وواد سوف في حوض ريغ وايغرغر جنوبا، ومن الحدود التونسية شرقا إلى ما وراء إقليم ونوغة وبرج حمزة (البويرة) وسفوح جبال جرجرة غربا. وخلال عهد الأتراك كانت حدود بايلك الشرق كالتالي:
- من  الشمال البحر الأبيض المتوسط، إبتداء من طبرقة شرق القالة إلى حدود مدينة بجاية؛ التي لم تكن هي وحوض وادي الساحل الغربي يدخلان ضمن مجاله الجغرافي.
- من الشرق الحدود التونسية التي تبدأ من طبرقة على البحر وتمتد إلى الجنوب عبر تبسة حتى واحات وادي سوف.
- ومن الغرب جبال البيبان، وقرى: بني منصور، وسفوح جبال جرجرة الشرقية والجنوبية، إلى برج حمزة، وقريتي: سيدي هجرس وسيدي عيسى؛ اللتين تفصلانه على بايلك التيطري في الجنوب الغربي.
- ومن الجنوب الصحراء الكبرى غير المأهولة جنوب واحات وادي سوف، وتقرت ورقلة ومزاب.
ونظرا لشساعة مساحة بايلك الشرق، فإن عملية بسط سلطة الحكم التركي فيه لم تكن سهلة، فالزعماء والشيوخ المحليين سواء كانوا في الصحراء أو في الجبال الشمالية، تمتعوا بنفوذ واسع، وكانوا يترأسون قبائل قوية جدّا، الأمر الذي جعلهم ينظمون ثورات عديدة، اعتمدت في أغلبها على وجود سخط شعبي ضد الحكم التركي. وهو ما يعكس مدى صعوبة تسيير هذا البايلك وإخضاع قبائله لأوامر الباي.
ومن الناحية الإدارية، قسم بايلك الشرق إلى أربعة أقسام إدارية، يُشرف على كل واحد منها حاكم مستقل عن الآخر، يخضع مباشرة للباي بقسنطينة، وهذه الأقسام هي:
* القسم الشرقي الذي يشمل مواطن الحنانشة، ووادي زناتي، وعامر الشراقة، ومن أبرز زعمائه الأحرار كبار الحنانشة.
* القسم الشمالي الذي يمتد من عنابة إلى بجاية، ومن أبرز زعمائه أولاد بن عاشور في فرجيوة وأولاد بن عز الدين في الزواغة.
* القسم الغربي الذي يمتد من سطيف إلى جبال البيبان وقرى بني منصور وونوغة، ومن أبرز زعمائه أولاد مقران بقلعة بني عباس ومجانة.
* القسم الجنوبي المتاخم للصحراء، ومن أبرز زعمائه الدواودة وأولاد بن فانة.
كما كان الإقليم الشرقي مشكلا من صنفين من المقاطعات هما:
* القيادات في المقاطعات التي كانت تقطنها قبيلة أو عرش، يرأسها قائد تركي، ويشرف فيها على العديد من شيوخ القبائل، مثل قيادة الحراكنة أو القائد الحواسي الذي يقيم بمدينة قسنطينة لأهميته الكبيرة، وتحت سلطته 32 قبيلة صغيرة، تشمل معظم سكان الشاوية، وقيادة الأوراس وقيادة أولاد التلاغمة وقيادة تبسة... إلخ.
* المشيّخات التابعة للبايلك مباشرة أي دون قائد وسيط، حيث كانت للشيخ نفسه وظيفة القائد، غير أن وظيفة الشيخ كانت تمنح في كثير من الأحيان للأهالي بصفة وراثية، مثل مشيخة شيخ العرب بالزاب (بسكرة)/ وتحته 11 قبيلة من البدو والرحل، ومشيخة فرجيوة وتحت سلطة شيخها 06 قبائل ... إلخ.

    وكغيره من الأقاليم الأخرى، فقد تواجدت في أقاليم الشرق عدة مناطق خارجة عن سلطة البايلك؛ من ذلك مثلا حوض وادي الساحل بما فيه مدينة بجاية الذي لم يكن تابعا لإدارة بايلك قسنطينة، بل كان عبارة عن مقاطعة يُديرها قائد من مقره المتواجد بمسجد المدينة. ولم تضم لبايلك الشرق إلا في عهد الحاج أحمد باي، ففي عهده أصبحت المناطق التابعة لهذه المقاطعة تدفع ضرائبها إلى محلات الباي التي كانت تجوب مناطق ولنوغة والجبل الأبيض وبجاية. ومن أهم المناطق الأخرى التي  ظلت غير خاضعة للسلطة في بايلك الشرق نذكر: واحات ثقرت التي كانت تحت حكم آل بن جلاب. والمناطق الجبلية ببلاد القبائل التي كان يخضع أهاليها لنظام حكم الجماعة.


آخر تعديل: الثلاثاء، 28 نوفمبر 2023، 10:43 AM