موضوع الرياضيات المعاصرة:

يسير موضوع الرياضيات المعاصرة في اتجاه معاكس للرياضيات الكلاسيكية فلم يعد الأمر يقتصر على تقسيم الرياضيات إلى كم متصل وكم منفصل كما ميزت بين جميع فروع الرياضيات من هندسة وجبر وحساب، لكن بحلول القرن التاسع عشر حدثت اكتشافات هامة في علم الرياضيات مثل الدوال المنفصلة و الهندسة التحليلية حيث أقيمت الرياضيات على فكرة العدد. والغرض من ذلك التخلص من الطابع الحسي الذي فرضته الرياضيات الكلاسيكية و الهندسة الإقليدية والاهتمام أكثر بدراسة العلاقات المجردة بين الرموز دون الاهتمام بمضامينها، فالرياضي الكلاسيكي ينطلق من المشخص ليبني مفاهيم مجردة في حين ينطلق الرياضي المعاصر من المجرد يعني من الإبداع العقلي ليجد لها صدى في الواقع المشخص، وهذا التجريد هو الذي أعطى الرياضيات خصوبة تتجلي في انطلاق الرياضي من أوليات رياضية بطريقة مجردة لا يعير فيها الاهتمام إلى الواقع و التجربة الحسية، ويبني نسقاً عقلياً مجرداً يبحث له عن تطبيقات واقعية وهذا ما يميز موضوع الرياضيات المعاصرة. 

4-المنهج الرياضيات المعاصرة: الأكسيوماتيكtristeAxiomatique) يترجم مصطلح الأكسيوماتيك للعربية بمبحث الأوليات أو المنطلقات، أما اصطلاحاً يقصد به "النسق""system، أي البناء أو الأنظومة أو البنية الرياضية، ولقد اقترن المنهج الأكسيوماتيكي بالعالم الرياضي "دفيد هلبرت" الذي بيّن دور العلاقات المنطقية التي تربط الكائنات الرياضية إذ يقول"بدل أن نتحدث عن الكلمات نقطة مستقيم ومستوى، يمكن أن نتكلم في الهندسة عن طاولة وكرسي وكأس دون أن يكون في كلامنا ما يخل بالمعني"[1].

 يعد هذا المنهج نمط جديد من العقلانية بحيث يختلف عن البرهان في الرياضيات الكلاسيكية،التي اعتمدت على مبادئ ثلاثة التعريفات و البديهيات المسلمات وميزت بين أصناف البراهين الرياضية من برهان تحليلي  مباشر (التراجع) وغير مباشر(الخلف) إلى برهان تركيبي فإن المنهج في الرياضيات المعاصرة  ينطلق من فرضيات يختارها الرياضي من بين الفرضيات الممكنة ويستنتج منها قضايا رياضية يشترط فيها ألا تكون مناقضة للأوليات و المنطلقات (الفرضيات التي انطلق منها) معتمداً في ذلك على  التناسق والتناغم الداخلي بين المنطلقات والنتائج دون الاعتماد على الصدق المسبق للمبادئ العامة كما هو الشأن في الرياضيات الكلاسيكية، هذا الطرح أدي إلى زوال   فكرة الوضوح المطلق الناتج عن ملائمة الاستنتاج الرياضي مع المبادئ الأولية، بل انحصر الاهتمام في رفع كل تناقض قد يطرأ بين المنطلقات الافتراضية و النتائج المترتبة عنها، فالأوليات التي ينطلق منها الرياضي لإقامة بحثه هي مجرد مواضعات، أي جملة من الفرضيات الممكنة نتواضع عليها ونختارها من بين فرضيات تكون تتميز بالسلاسة المنطقية التي تظهر من خلال الانسجام بين الفرضيات المقترحة وبين النتائج المتوصل إليها، يقول بورباكي" إن التطور الداخلي للعلم الرياضيات قد عمل على الرغم من جميع المظاهر المخالفة على توثيق عرى الوحدة بين مختلف أجزاءه أكثر من أي وقت مضى وأنه بالإضافة إلى ذلك خلق فيه نواة مركزية تتمتع بانسجام لم يعرف له مثيل من قبل لقد اعتمد هذا التطور في جوهره على تنظيم ومنهجة العلاقات القائمة بين مختلف النظريات الرياضية، إنه التطور الذي يسلكه ويعبر عنه ذلك الإتجاه الذي يطلق عليه بكيفية عامة اسم :المنهاج الأكسيومي"[2]

5-مشكلة البداهة: قامت هذه العقلانية الجديدة على تحطيم فكرة البداهة، فلا يوجد في الرياضيات أفكار فطرية واضحة بذاتها بل كل فكرة تحتاج إلى برهان بما فيها البديهية، ويعتقد الرياضيين المعاصرين أن فكرة البداهة التي اعتمدت في الرياضيات الكلاسيكية هي التي كانت سبباً في الكثير من المغالطات خاصة تلك التي تتعلق بالتميز بين البديهيات و المصادرات، ذلك أن البديهية في حد ذاتها مسلمة أولية تحتاج إلى برهنة.

لقد بيّنت هذه العقلانية المعاصرة كيفية تجاوز البديهية من خلال البرهنة على عكس ما هو معتقد في الرياضيات الكلاسيكية، وعلى سبيل المثال نأخذ بديهية "الكل أكبر من الجزء" حيث بّين "جورج كانتور" صاحب نظرية المجموعات أنه بإمكان البرهنة على أن مجموع الأجزاء تصبح أكبر من المجموعة الأصلية.

مثال رقم1:            

(xأ -xب-xج) =  المجموعة الأصلية

نستطيع أن نستخرج منها مجموعات لها نفس خصائص المجموعة الأصلية، تمثل مجموعة وتشتمل على عنصر أو عناصر وتوجد بها علاقة الانتماء.

(xأ)/(xب)/(xج)/(xأ xب)(xأxج)(xجx ب)       المجموعات المشتقة أو الفرعية.

هذه المجموعات الفرعية هي في الأصل "جزء من الكل" أي من المجموعة الأصلية، إلا أننا نلاحظ أن كل مجموعة من المجموعات الفرعية تتمتع بخصائص المجموعة، ومن تم تكافئ المجموعة الأصلية مع المقومات الأساسية، الشيء الذي يسمح لنا بالقول أن "الجزء وهو"7" مجموعات أكبر من الكل(7 /1) وهذا يخالف الفكرة التي كانت مألوفة وهي أن الكل دائماً أكبر من الجزء.

مثال رقم2:

في المفاهيم الخاصة بالرياضيات الكلاسيكية هو "أن الجزء لا يساوي الكل" هذه البديهية يمكن إثبات ما يخالفها.

لنأخذ مجموعة الأعداد الطبيعية الصحيحة من 0 إلى ما لا نهاية.

0-1-2-3-4-5-8-7-8-9 ...

نستخرج منها الأعداد الفردية حتى ما لا نهاية

1-3-5-7-9-11-13...

فإذا ما تأملنا في المجموعتين (الطبيعية والفردية)، نجد أن الأعداد الفردية المتضمنة في مجموعة الأعداد الطبيعية، وهذا يعني أنها جزء منها، إلا أننا نلاحظ من جهة أخرى أن كلا المجموعتين لا نهاية لهما ومن تم فهما يتساويان في اللانهاية  وإذا تساويا في الطرف فإنهما يتساويان في جميع الأطراف، ويترتب عن ذلك أن الجزء يساوى الكل، وهذا يخالف ما هو مألوف.

إن المنهج الأكسيومي يعتبر أداة عملية فعالة ذات أهمية كبيرة في الرياضيات المعاصرة  فهو يساعد على تجريد العقلي من خلال استخدام الرموز وإيجاد إمكانية تطبيقات متعددة، كما يمكننا من تنظيم المعارف و المعلومات ويعطي حيوية لمختلف العلاقات الرياضية.

 


[1]  - عبد السلام بنعبد العالي/سالم يفوت، درس الإبستمولوجيا، مرجع سابق، ص89.

[2] - عبد السلام بنعبد العالي ومحمد سبيلا،دفاتر فلسفية، نصوص مختارة، دار توقبال للنشر، دار البيضاء، الطبعة 2، 1996م، ص57.

 

Modifié le: mercredi 6 novembre 2024, 00:20