-       البيوت:

أخذت البيوت العربية عدّة أسماء اختلفت بحسب مادّتها، فمثلا الخباء هو بيت مصنوع من الصوف، والنجاد من الوبر، والفسطاط من الشعر، والقشع من الجلود، والطراف من الأدم، والحظيرة من الأغصان والأقنة من الحجر، والشدة من الطين، وكان منها البيت المسطح المعروف بالأطم، والعالي المعروف بالصرح، والمربع المسمى كعبة، والمطول المرتفع المعروف بالمشيد، والمطول المعقود يسمى أزجا، والمخطط المسمى بالأبلق.

 و حرص المعماري العربي أن يحمي بيته من الحر صيفا والبرد شتاء ولذلك جعله على هيئة مربع أو مستطيل وزع حجراته حول صحن أوسط مكشوف، ثمّ عمل فيه الإيوان خلال العصر العباسي وفتح عليه غرفه وحجراته، وكيَّفه مع المناخ بإتقان تصميمه فتحكم في اختيار مواده، فعمل من اللبن في أكثر البلدان لقدرته على عزل الحرارة والرطوبة وقلة تكاليفه، وبنى بالحجر في بلاد الشام، واستخدم الآجر في شبه الجزيرة العربية ومصر، وعقدت أسقف البيوت وقببت بهذه المواد.

ونلاحظّ أنّ البيوت في المدينة الإسلامية أو حتى القرية تخضع لمجموعة من المعايير الهندسية المستمدة من روح التشريع الإسلامي، وأول هذه المعايير طريقة البناء الأفقي للمسكن، بمعنى منع المنازل العمودية أي ذات الطوابق، لأنّ ذلك كان يعد مطية لكشف العورات، ولم يكن عدد الساكنة يدفعهم إلى العمارة العمودية، والبيت الواسع من الأمور المحببة عند المسلمين لما جاء من الثناء على البيت الواسع وفق عدّة أحاديث نبوية ثابتة. وحرصا من أصحاب البيوت على حرمة بيوتهم كانوا يصنعون بابين لهذه البيوت المنفتحة على الشوارع، باب داخلي ينفتح على الفناء الداخلي للمنزل، وباب خارجي ينفتح مباشرة على الشارع وبين البابين ممر أو بهو منكسر على شكل حرف لام يسمى دهليزا، وتصميم البيت بهذا الشكل الهندسي كفيل بجعل المار على الشارع لا يتبين ما بداخل البيت.

وكان فناء البيت يضمن التهوية والإضاءة، وتطلّ عليه نوافذ الغرف، فيما يتمّ تزويد النوافذ المطلة على الشوارع بالمشربيات. وكان الفناء مكان اجتماع العائلة في فصل الصيف وفي الأيام الحارّة، وتقام فيه الأعراس والمآتم والولائم، وتوجد به بعض الأشجار، وأمّا الغرف فتكون متّسعة ومتقابلة يفصل بينها رواق ضيق ممتد طولا.

-       الأرباض:

كان لكلّ مدينة مجال حيوي خارجي هو الحاجز بينها وبين البوادي والقرى والأرياف، فيه تُنصب الأسواق خارج المدينة خصوصا الأسواق الأسبوعية، ومنه تنطلق الجيوش وقوافل التجارة والسفر، وكثيرا ما يتمّ إحاطة المدينة بحزام ريفي مُحاذي لمحيطها من خلال الرياض الأميرية مثل ما فعله أبو زكريا الحفصي (627هـ/1229م) الذي كثرت في زمنه الغراسات بفعل الهجرة الأندلسية.

ولعلّ ما يعاب على أكثر المدن الإسلامية أنّ تخطيطها لم يكن يحمل رؤية مستقبلية، بقدر ما كان استجابة لظروف آنية، فضيق المدينة عن ساكنتها جعل ضواحيها سرعان ما تنتشر فيها العمارة لكن بطريقة غير منتظمة، وشيئا فشيئا تلتحم تلك البنايات مع المدينة الأم، ولم تسلم من هذه الظاهرة حتّى كبريات المدن السلطانية التي كان الهدف منها تخليد أسماء مؤسسيها على غرار مدن بغداد وقرطبة والقيروان وفاس والمهدية والقاهرة وبجاية.

إنّ هذه المدن حين نمت سرعان ما التحمت بأكثر من نواة عمرانية نشأت في ضاحيتها وأرباضها، وكانت كل نواة منها تمثل محلة أو معسكرا حربيا نمت حوله محلة عمرانية مستقلة في البداية، فبغداد مدينة السلام، تحيط بها الحربية في الشمال والكرخ ذات الصبغة التجارية في الجنوب تقابل الرصافة عبر دجلة، ومن هنا تشبه أحيانا بالمدائن الساسانية فهي مدينة المدن.

 ومن المدن التي استبحرت في العمران إلى أن غدت قصبةً مدينةُ تيهرت، التي وصفها المقدسي ببلخ المغرب التي كان بها جامعان، وكانت مساكنها مبنية بالحجارة والجيل، وقريب من مسجديها الأسواق، وكان لها أربع دروب على حسب أبوابها، باب مجانة قبالة درب المعصومة، وأبواب قابلة  درب حارة القفيرو درب البساتين، وقد اتّصلت بها نواة عمرانية كانت تُسمّى الرُها لكنّها خربت.


آخر تعديل: السبت، 17 ديسمبر 2022، 7:37 PM