معايير اختيار موقع المدينة:
لم تُغفل كتب الأحكام السلطانية والسياسة الشرعية مسألة "المعايير التي يجب أن تُراعى عند اختيار موقع المدينة" فإذا كان إنشاء المدن غرضه فرض إظهار قوّة الدّولة وتلبية حاجات الرعيّة بتوفير الحاجيات والكماليات، وذلك بمراعاة جملة من المعايير الاقتصادية والأمنية والبيئية وغيرها حتى لا تفقد المدينة سلطانها وتتقهقر فتصبح طعمة للأعداء ويهجرها أهلها.
1- حصانة الموقع:
كان على من يختطّ أي مدينة أن يتحقق من حصانة المكان المُزمع تمصيره، وذلك من أجل تحصين المنازل من الأعداء والذعّار. بأن يكون الموضع في متمنع من الأمكنة، إمّا على هضبة متوعّرة من الجبل، وإمّا باستدارة بحر أو نهر بها حتى لا يوصل إليها إلا بعد العبور على جسر أو قنطرة، فيصعب منالها على العدو، وهذا المعيار هو الذي اعتمده المنصور بعد أن هجر الهاشمية، عقب وقعة الراوندية فيها وكرهه لمجاورة أهل الكوفة، فقد قال له بعض الحكماء: (وأنت يا أمير المؤمنين بين أنهار لا يصل إليك عدوّك، وأنت قريب من البرّ والبحر والجبل).
وفي بلاد المغرب الإسلامي كانت المدينة الإسلامية في بداياتها تحترم هذا المعيار، فقبل القرن الخامس كانت المدن مركزة في المواطن الواقعة في الهضاب العليا متناثرة حول الطريق الرئيسي الممتد من إفريقية إلى المحيط الأطلسي، أما بعد القرن الخامس الهجري فإن العوامل الجديدة ونشاط الملاحة حوّلت الانتشار العمراني من الهضاب العليا إلى السّواحل بواسطة ما أحدث بين المدن الواقعة في الداخل والشريط الساحلي مثل الطريق من القلعة إلى بجاية أو من تاهرت إلى تنس أو من تلمسان إلى هنين.
2- وفرة الأقوات:
اهتمّ مؤسسوا المدن الإسلامية بتحقيق الأمن الغذائي فالمدن يجب أن تتوفّر على المياة المستعذبة، و المراعي الخصبة والمجال الغابي الكثيف الذي يضمن وفرة الحطب، وهكذا حثت كتب الأحكام السلطانية على أن يكون البلد على نهر أو بإزائه عيون عذبة ثرّة، وأنّه مما يراعى فيه طيب المراعي للسَّائمة، والمزارع والشجر للحطب والبناء، وقد يراعى أيضا قربه من البحر لتسهيل وصول السّلع من البلاد النائية ولبيع الفائض من المحصول للتجّار الوافدين من جنوب أوربا، ويعيب ابن خلدون على العرب في بدايات عهدهم مع التمدّن سوء اختيارهم لمواقع المدن، مثل مدينة القيروان التي راعوا فيها ما يلائم سائمة إبلهم. لكنّنا نظنّ أنّ ذلك الاختيار كان صائبا حينها إذا ما راعينا الظروف المحيطة آنذاك.
3- الكثافة البشرية:
نبّهت كتب الأحكام السلطانية إلى ضرورة وقوع المدن المستحدثة في مجال مأهول بأمّة موفورة العدد تكون صريخا للمدينة متى طرقها طارق من العدو. ويؤكّد ابن خلدون على ضرورة هذا المعيار من أجل ضمان بقاء المدن وصمودها، وهو ما يعبر عنه بترادف السّاكن من بدوها، فالمدن التي تفقد وفرة ساكنتها، ولا تكون بواديها سببا في ترادف السكّان بعد تحوّلهم التدريجي من البداوة إلى التمدّن ستفقد وجودها، لذلك كان النزوح البدوي يغذي الديمغرافية الحضرية عبر موجاتٍ متتالية.
4- طيب الهواء وجودة المناخ:
من أهمّ المعايير التي نصّت عليها كتب الأحكام السلطانية وغيرها فيما يتعلق بموقع المدينة المناخ وما يجب أن يتّسم به من اعتدال وأيضا طيب الهواء وجودته، ففساد الهواء قد يكون سببا في توالي الأمراض والجوائح والآفات السماوية المضرّة بالزرع والضّرع والصحّة والعمران ويؤكّد ابن خلدون هذا بقوله: (والمدن التي لم يراع فيها طيب الهواء كثيرة الأمراض في الغالب، وقد اشتهر بذلك في قطر المغرب بلد قابس* من بلاد الجريد بإفريقية).