لقد ظلت الفكرة الإغريقية القائلة أن بإمكان أوروبا الغربية الوصول إلى الشرق – مواطن التوابل- عن طريق الغرب ماثلة في أذهان الأوروبيين، فنشطت الملاحة البحرية في أوروبا الغربية ابتداء من القرن الثاني عشر الميلادي، وتطورت  تدريجيا خلال القرون الثلاث عشر والرابع عشر والخامس عشر الميلادي.

ومن الثوابت التاريخية تواجد الاستعمار منذ العصور القديمة، فالمعروف أن المدن اليونانية كانت تمتلك بعض سهول آسيا الصغرى كسهل طروادة، وذلك لضمان الغداء، والإمبراطورية الرومانية القديمة كان لها أملاك واسعة في أوروبا وآسيا وإفريقيا، وتجددت موجة الاستعمار في العصور الوسطى، خاصة الحروب الصليبية الموجهة إلى الشرق. أما في العصر الحديث فحركة الكشوف الجغرافية والاستعمار ما هي إلا تدعيم للطبقة البرجوازية التي ظهرت في بداية هذا العصر  والتي استطاعت إقامة حكومات موحدة مركزية، ولهذا فقد رغبت هذه الطبقة في السيطرة على المراكز التجارية الهامة وإقامة مستعمرات تعمل لمصلحتها أساسا.

1-     عوامل قيام حركة الكشوف الجغرافية:

لقد أدت عوامل كثيرة إلى ظهور حركة الكشوف الجغرافية وتنشيطها نذكر منها:

1-     ظهور الدول الأوروبية الحديثة: ظهرت مجموعة كبيرة من الدول في أوروبا الغربية كإسبانيا والبرتغال وهولندا وانجلترا وفرنسا وروسيا، وظهرت بعدها الدانمارك والسويد، ثم دولتي إيطاليا وألمانيا، وقد أخذت هذه الدول تفكر بشكل جاد في العمل على نشر مسيحيتها وبسط نفوذها خارج بلادها، فرأت هذه الدول نشر مذاهبها الدينية وحضارتها بين مجموعة الشعوب الأخرى غير الأوروبية.

2-     رغبة أوربا في نشر النصرانية: لقد كانت دولتا إسبانيا والبرتغال من أسبق الدول الأوروبية الغربية الحديثة التي قامت بالكشوف الجغرافية، وكانت الأسباب الدينية تأتي في المحل الأول. وقد كان لها دور مهم في دفع هاتين الدولتين للقيام بالكشوف الجغرافية، لأن أسبانيا والبرتغال بلدان مسيحيان فيها روح صليبية قوية.    

وكان البرتغاليون يرون أن الكشوف الجغرافية يجب أن تعمل على تحويل المسلمين في غرب إفريقيا وفي غيرها من المناطق إلى المسيحية الكاثوليكية وكان هذا من أهم أهداف قيامهم بالكشف الجغرافي، ورافق هذا روح صليبية حادة حين قالوا بضرورة تحويل الحبشة المسيحية من الكنيسة القبطية الأرثوذكسية إلى الكنيسة الكاثوليكية، وذلك من أجل فصلها عن الكنيسة القبطية الأرثوذكسية المصرية.  ومما يوضح  لنا سياسة التعصب والتزمت الديني وروح الصليبية الحاقدة عند البرتغال والأسبان ضد الإسلام والمسلمين. سياسة الدولتين في القرنين الخامس والسادس عشر الميلاديين، حيث البرتغاليون والأسبان في تضييق الخناق على القوى الإسلامية في الأندلس، وبالتالي  سقوط غرناطة آخر معقل إسلامي فيها سنة 1492م بعد أن اتحدت دولة أرجونة بزعامة حاكها فرديناند مع دولة قشتالة بزعامة حاكمتها إيزابيلا، وكان الزواج قد تم بين الحاكمين سنة 1469م. ولم تكتف هذه الدول المسيحية بإجلاء المسلمين عن الأندلس، بل أخذوا يقومون بضغط كبير على المسلمين في شمال إفريقيا.   

لقد كانت البابوية تشجع هذه الدول المسيحية للقيام بحركة الكشف الجغرافي من أجل نشر المسيحية الكاثوليكية. وصدرت عدة مراسيم بابوية منحت فيها ملوك البرتغال والأسبان حق ملكية الأقاليم الجديدة أو البحار التي يتم اكتشافها في الحاضر والمستقبل، لأنهم اعتقدوا أن الإسلام بالنسبة لهم طاعون جارف يجب العمل على عدم تسربه، مثال ذلك إرسال البابا نيقولا الخامس (1447- 1455)م عام 1454 م مرسوما إلى ملك البرتغال اشتمل على ما سمي خطة الهند وهي تقوم على إعداد رحلة صليبية تشنها أوروبا الكاثوليكية للقضاء على الإسلام.

3-     الرغبة في الربح التجاري:  لما رأى الأوروبيون سيطرة العالم الإسلامي على الطريق التجارية القديمة في الشرق، ظهرت عندهم فكرة البحث عن طريق تجاري يوصلهم إلى الهند دون المرور بالطرق التجارية التي تسيطر على الدول الإسلامية في الشرق، ويكونون بذلك قد تخلصوا من الضرائب والرسوم الجمركية التي تدفعها سفنهم التجارية أو قوافلهم التجارية المارة بهذه البلاد الإسلامية، ويكونون قد جنوا ربحين أولهما؛ تجاري،  وثانيهما؛ ربح ينتج عن إضعافهم للاقتصاد الإسلامي بعد تحويلهم الطرق التجارية إلى إفريقيا والمحيط الأطلسي دون المرور بالعالم الإسلامي، بالإضافة إلى أن أوربا ستجد أسواقا جديدة لبيع منتوجاتها الفائضة عن حاجتها. وبهذا كله تكون أوروبا قد عملت على زيادة اقتصادها الوطني عن طريق نظامها التجاري الجديد، وبخاصة أن التجارة الشرقية كانت تجني أرباحا واسعة في أوروبا والتي اشتملت على التوابل والعطور والحرير والبن والأحجار الكريمة والعقاقير.

4-     الرغبة في التخلص من احتكار التجارة:   لقد رأت بعد الدول الأوروبية الغربية الحديثة القيام بالأعمال  التجارية بنفسها مع بلاد الشرق وذلك للتخلص من الاحتكار التجاري الذي أوجدته كل من البندقية  التي كانت لها ستة أساطيل بحرية منظمة، ولها موانئ على البحار التي تمر بها وهو ما جعلها تجني أرباحا  طائلة وجنوة التي نافست جمهورية البندقية في التجارة ونتج عن هذا التنافس صراع حزبي أدى إلى هزيمة جنوة. وعقد صلح  تورينو سنة 1381م، هذا ما جعل جنوة تفكر في إيجاد طريق بحري آخر تأتي منه السلع الشرقية إلى أوروبا. فكان لهذه العملية الاحتكارية للتجارة أثر في جعل البلاد الأوروبية تعمل على التخلص من هذا الاحتكار بالبحث عن طريق تجاري جديد تقوم هي بدور التاجر والناقل الوسيط.

5-     الرغبة في حب الاستطلاع وزيادة المعلومات الجغرافية:  لقد سيطر على البلاد الأوروبية شعور كبير للقيام بالرحلات الجغرافية، وذلك من أجل استطلاع ومعرفة أشياء جديدة تزيد من معلومات الأوروبيين الجغرافية وكانت هذه الرغبة تعود لروح المغامرة، ولظهور روح البحث العلمي، وتقدم علم الفلك، ثم تقدم الصناعة الخاصة ببناء السفن، والبوصلة وآلة الإسطرلاب، والبارود، والدفة المتحركة لعبور البحار مهي نتائج مباشرة للنهضة الأوروبية، بالإضافة إلى هذا فإن هناك من الأسباب الأخرى ذات الأهمية بمكان وهي:  رغبة أوروبا في الحصول على الذهب والفضة، حيث أسال لعاب الأوروبيين على ما سمعوه  عن هذه المعادن في إفريقيا، بالإضافة إلى رغبة بعض الدول الأوروبية المكتظة بالسكان في إيجاد منافذ أرضية جديدة تمتص الزائد من سكانها، وذلك عن طريق إسكانهم واستيطانهم  في الأراضي المكتظة الجديدة، هذا إلى جانب الحروب الصليبية كانت قد عودت الأوربيين على الأسفار وتحمل المشاق والصعوبات، وبهذا كانت معلوماتهم عن الأرض  قد اتسعت . وقد شجعت رحلات بعض الرحالة الأوروبيين لبلاد الشرق حركة الكشف الجغرافي، ويمثل هذا رحلة ماركوبولو إلى الصين سنة 1295م.

6-     الطرق التجارية الشرقية الموصلة إلى أوروبا:   كانت البضائع الشرقية تنقل إلى أوروبا في العصور الوسطى عن طريقين هما: الطريق البري والطريق البحري. أما البضائع التي كانت تنقل عن طريق البر، فنسبتها بسيطة إذا ما قيست بمجموع البضائع المرسلة إلى أوربا من بلاد الشرق. وكان الطريق البري يأتي من أواسط آسيا إلى القسطنطينية ومنها إلى أنحاء أوروبا. أما مسلك الطريق البحري فكانت البضائع تأتي من الصين والهند إلى الخليج العربي، ثم تحمل برا  من البصرة إلى بغداد وتعبر نهر الدجلة والفرات، ثم تسير باتجاه محاذ إلى الضفة الغربية لنهر الفرات، ثم تتجه القوافل باتجاه الغرب إلى بلاد الشام (حلب ودمشق). وهناك طريق آخر يأتي إلى البحر الأحمر حتى السويس ثم تنقل البضائع برا إلى القاهرة، ومنها إلى الإسكندرية وأحيانا إلى دمياط. وبعد هذا يأتي دور المدن الإيطالية، فكانت السفن الإيطالية تقوم بنقل البضائع من الإسكندرية ودمياط وموانئ الشام إلى المدن الإيطالية، وكان سفن جمهورية البندقية تحمل الجزء الأكبر من تجارة الشرق إلى ميناء البندقية، ومنه تباع البضائع إلى تجار أوروبا.

المراجع:

عبد الحميد البطريق وعبد العزيز نوار، التاريخ الأوربي الحديث من عصر النهضة إلى أواخر القرن الثامن عشر، دار الفكر العربي، مصر، 1997م.

صلاح احمد هريدي وآخرون ، التاريخ الأوروبي الحديث،مكتبة بستان المعرفة،الإسكندرية، 2008م  

 عبد الفتاح أبوعليه واسماعيل أحمد ياغي، تاريخ أوربا الحديث المعاصر، دار المريخ، الرياض، ط3، 1993م.

 

Modifié le: jeudi 23 janvier 2025, 16:00