5_التحليل البنيوي للثقافة (كلود ليفي ستراوس):
1.5_تعريف البنيوية: هي منهج أو توجّه فكري وأداة للتحليل تقوم على فكرة الكلّية أو المجموع المنتظم، اهتمت بجميع نواحي المعرفة الإنسانية، ويمكن تصنيفها ضمن مناهج النقد المادي الملحد (ماركس)
اشتق لفظ البنيوية من البنية، إذ تقول أنّ كل ظاهرة إنسانية أو أدبية تشكّل بنية، ولدراسة هذه البنية يجب علينا أن نحلّلها (نفككها) إلى عناصرها المؤلفة منها دون أن ننظر إلى أيّة عوامل خارجية عنها.
وفي مجال علم الاجتماع والانثروبولوجيا يقول ستراوس: "أنّ جميع الأبحاث المتعلقة بالمجتمع مما اختلفت تؤدّي إلى بنيات، وذلك أنّ المجموعات الاجتماعية تفرض نفسها من حيث أنّها مجموعة وهي منضبطة ذاتيا، وذلك للضوابط المفروضة من طرف الجماعة"
2.5_كلود ليفي ستراوس: انثروبولوجي فرنسي ولد في بروكسل سنة 1908 ودرس الحقوق والأستاذية في الفلسفة، وهو باحث في الانثروبولوجيا (ثقافة الشعوب) وعمل مستشارا ثقافيا بالسفارة الفرنسية في البرازيل، ما شجّعه على البحث في الانثروبولوجيا ومنهج التحليل البنيوي، وهو صاحبه مع مجموعة من الباحثين الآخرين. وهذا عندما نشر مقالا عنوانه: " التحليل البنيوي في الألسنية والانثروبولوجيا" ومن أهم أعماله: التفكير الجامع (Le pensé Sauvage)، الأسطورة، أنظمة القرابة.
التفكير الجامح: وفيه حاول ستراوس أن يثبت عكس الفكرة القائلة أنّ الشعوب البدائية عاجزة عن التفكير المجرّد، من خلال استعمال المجاز المرسل في الاستشهاد بالأدلة من المفاهيم الأخلاقية والميتافيزيقية المتباينة والمفصّلة إلى حدّ بعيد لدى هذه الشعوب في جميع أنحاء العالم، ويعتبر المجاز المرسل عند ستراوس هو قمة التجريد، ويعتمد عليه كثيرا في كتاباته، حيث تبدوا صعبة ومختلفة، ويميل في كتاباته إلى تمثيل الشيء المجرّد بالمجسّد، وهذا ما يحقّق تكاملا بين طريقة ليفي ستراوس في التفكير وطريقة هذه الشعوب في رواية أساطيرها (تجسيد الاله في جسم، بناء، صنم) وتصوّر الاله لدى هذه الشعوب هو شيء يفوق حجمهم وأقوى منهم، وبالتالي يجسّد الصورة المجرّدة في واقع يتمثل في الصنم الكبير.
وينفرد ستراوس عن الانثرولوجيين الآخرين في تحليل الأساطير من خلال ثلاثة نواحي:
- من حيث الهدف: يهدف من خلال دراسة الرموز الثقافية للوصول إلى طريقة تفكير بني البشر المشتركة بغضّ النظر عن الزمان والمكان (المقاربة الثقافية). وليس الأيدولوجية الكامنة في منطقة ثقافية معيّنة، أو مرحلة من مراحل التفكير عند الإنسان.
- قابلية الرموز إلى عدد من التفسيرات المختلفة: حيث يتمم بعضها البعض، وبالتالي فهو لا يحصر أيّ رمز من الرموز في تفسير واحد.
- الاهتمام بالعلاقات المنظمة: بين الرموز والمستوى المجرد للتفسير، هو وسيلة لإقامة هذه العلاقات وليس هدفا لذاته.
بالنسبة للهدف كان الكثير من الفهم الخاطئ لمؤلف ليفي ستراوس (التفكير الجامح) وهو يهدف إلى إعطاء فكرة عن جموح الإنسان في تفكيره من حيث لا يستعمل الكتابة والرياضيات لإثراء التفكير، مما يشكّل الوحدة النفسية، وكتابه هذا يتناول مزج بين وحدة الإنسان والوحدة النفسية، لكنّه تناول الأفكار وليس نتائجها.
وفي تفسير الرموز هو يعطي الطريقة التي تتبع الظواهر الطبيعية والاجتماعية بها وإمكانية تفضيلها تفضيلا فكريا، وأيّ اختيار للصفات التي ينطوي عليها، وأيّ الترابطات الفكرية التي يمكن إقامتها من خلال ذلك (هو لا يهمه اختلاف تفسير الرمز، بل العلاقات الموجودة في تفسير تلك الرموز ذهنيا). وعموما نقول في الجانب الرمزي أنّ ستراوس درس الكل من خلال الكل. فعلى الفرد الباحث أن يدرس نظم الرموز وليست الرموز وحدها، والصفات المشتركة والمختلفة هي التي تحدّد العلاقات الترابطية بين الرموز.
الأسطورة: عالج ستراوس الطوطمية عند المجتمعات البدائية حيث ذهب إلى أنّ الذهن البشري قادر على فرض نوع محدّد من النظام على طريقة تمثيلية للعالم، ودراسته للطوطمية من هذا المنظور فتحت زوايا جديدة لمن بعده من الانثروبولوجيين، وتعتبر الأجزاء الأربعة التي أوردها في كتابه مقدمة لعلم الأساطير، جاءت لتدعّم الفكرة الأساسية في كتاب "الفكر الجامح" أي الفكرة القائلة بأنّ الأصنام المجسّدة يمكن أن تكون أدوات للتعبير عن أفكار وعلاقات مجرّدة. وإنّ التفكير الجامح يميل إلى تنظيم عالمه بهذه الطريقة. ولقد انتقد الكثيرون ليفي ستراوس في طريقة تناوله للأساطير وتحليلها، حيث يعمل على وصفها وصفا رائعا، لكن يعاب عليه تجاهل بعض المعطيات عن طريق وصف بقية المعطيات بواسطة مجاز مرسل مجرّد تمّ اختياره بعناية، وهذا ما يؤثر على محتواها ولغتها وهذا ما يشير أيضا إلى أنّه يتناول الأسطورة كنموذج لغوي وليس كمعنى. وقد قدم ستراوس في كتابه "الأسطورة والمعنى" تحديد علاقة الأسطورة بالعلم وعلاقتها بالتاريخ، وعلاقتها بالموسيقى واللّغة. وموقعها في سياق النسق الكلّي للفكر الإنساني.
- الأسطورة كخيال وعلاقتها بالعلم (هو البحث عن الحقيقة المنظمة والمتأكد منها وفقا للقوانين)
- الأسطورة والتاريخ: فالأسطورة كالجانب الخيالي، والتاريخ حقيقة عاشها الإنسان والعلاقة الموجودة بين ذلك الخيال والنقل التاريخي.
- الأسطورة والموسيقى: يعني الخيال الموجود في الأسطورة والفكر الإنساني بالإضافة إلى الطقوس الموسيقية التي تتبعها.
- الأسطورة واللّغة: الأسطورة كقصة خيالية وجدت لتفسير ظاهرة معينة، أو حادثة معينة، وعلاقتها باللّغة المستعملة.
3.5_القرابة عند ستراوس: قام ستراوس ببحوثه الميدانية على قبائل الهنود الحمر، وذلك بقبيلة نومبو كوارا nombo Kwara، في البرازيل وقام بإبراز الدور المعقّد الذي تلعبه علاقات القرابة التي تقوم بالدرجة الأولى على نظام منع زواج المحارم والزواج الخارجي، ويعتقد ستراوس أنّ هذه العلاقات نقلت الإنسان من كائن طبيعي إلى كائن ثقافي، وبني هذا على طريقة التنظيم الاجتماعي مما جعلها كائنات إنسانية تخلّت عن الحيوانية، وعلى هذا الأساس يصلح نظام القرابة والزواج قاعدة لكل الطرق الأخرى الممكنة، وعلى اختلاف النماذج التاريخية والجغرافية (اختلاف الزمان والمكان)، ويرى ستراوس أنّ البنيات تتميّز بطابع ثنائي، وأنّ كلّ بنية تتميّز بانقسام الجماعات أو القبائل إلى نصفين أو شكلين من العلاقات لهما سلوكين مختلفين لا شعوريين مثل الود يقابله العداء، خفي /واضح، وثنائيات متقابلة مثل حار/ بارد، عدو/ صديق. فوظّف ستراوس الجانب الفونولوجي (اللغوي) في تحديد هذه العلاقات، وهذا ما أدخله على الانثروبولوجيا، والانتقاد المقدم له محل الحكم على اللّغة والفونولوجيا يمكن أن يُعطي لنا تحليل علمي لعناصر الثقافة وخاصة عند توظيفه للمجاز المرسل.