الآراء حول بداية العصر الحديث

الآراء حول بداية العصر الحديث

par SAADIA SALSABIL MAKHLOUF,
Nombre de réponses : 0

إذا كان المؤرِّخون الأوربيون ينسبون بدايةَ العصر الحديث في أوروبا إلى بداية الحركة الاستعمارية الأوروبية، والتَّسابُق المحموم نحو خَلْق مستعمرات، وظهور الدولة القومية، والثورة الصناعية، فإن العصرَ العربيَّ الحديثَ كان خطُّ شروعِهِ مختلفًا تمامًا تبعًا لاختلاف الظروف وطبيعة حركة التاريخ، فلم تشهد هذه البقعةُ الجغرافيةُ تطوراتٍ سياسيةً واقتصاديةً وعلميةً وثقافيةً ذات شأن عظيم جدًا؛ لذلك ارتأى المؤرِّخون العربُ إطلاقَ تسمية العصور الحديثة على القرن الحادي عشر والقرن الثاني عشر الهجريين، واللذين يقابلان في التقويم الميلادي القرونَ السادسَ عشر والسابعَ عشر والثامنَ عشر، ثم أطلقوا تسميةَ المعاصر على القرنين التاسع عشر والعشرين، اللذين يقابلان في التقويم الهجري القرونَ الثالثَ عشر والرابعَ عشر والخامسَ عشر.

وكان رأيُ البعض أن بدايةَ العصر العربي والإسلامي الحديث هي ذاتـُها بدايةُ العصر الأوروبي الحديث، على الرغم من أن كلَّ الأحداث السياسية والاقتصادية والفكرية والعلمية والاجتماعية، لم تكن على نفس الوتيرة التي حصلت في أوروبا.

لذا ظهر رأيٌ معارضٌ يقول إن بدايةَ العصر العربي والإسلامي الحديث يجب أن تكون مؤرَّخةً حسب أحداثٍ لها صلةٌ بالجغرافية العربية والإسلامية؛ لذلك ذهبوا للقول بأن البدايةَ هي سقوطُ غرناطة في العام 1492 ميلادية.

لكنْ رأيٌ ثالثٌ يرى أن بدايةَ هذا العصر هي انتقالُ الخلافة الإسلامية من أيدي العرب إلى العثمانيين؛ لأنه حدثٌ مهمٌّ في التاريخ، ووفق ذلك يعتبرون انتهاءَ الخلافة العباسية في العام 1517 ميلادي هي بدايةُ العصر الحديث.

رأيٌ رابعٌ يقول: بأن بدايتَه هي فتحُ القسطنطينية في العام 857 هجرية الموافق 1453 ميلادية، حيث بزغ فجرٌ جديدٌ في العالم الإسلامي، على اعتبار أن الدولةَ الرومانيةَ القديمةَ كانت تمثِّل العصورَ الوسطى.

ورأيٌ خامسٌ كان يقول: بأن الحملةَ الفرنسيةَ على مصرَ في العام 1798 أتاحت أولَ اتصال غربي بالمسلمين، وهذا الحدثُ شكَّل عواملَ حاسمةً في بناء الدولة الحديثة، حيث كان أنموذجُ الدولة التي أقامها (محمد علي باشا) في مصر في العام 1805 هو أولُ نتاج لهذا الاتصال، وأن النهضةَ التي قامت في مصرَ هي أُولى ثمار هذا التلاقُح الفكري ما بين الحضارتين الإسلامية والغربية.

رأيٌ سادسٌ ذهب للقول: بأن بدايةَ العصر الحديث في العالم العربي هو ظهورُ بوادر الإصلاح الديني، الذي بدأ مشرقيًا من الجزيرة العربية بحركة التوحيد في نجد (1725- 1803)، وحركة (ولي الدين الدهلوي) في الهند (1702-1762)، وحركة (محمد علي الشوكاني) في اليمن (1758-1823)، (والشهاب الآلوسي) في العراق (1802 -1854). كما ظهر في المغرب (محمد بن علي السنوسي) (1778 -1859)، (ومحمد أحمد المهدي) في السودان (1843 -1885).

وفي ضوء ما تقدَّم يمكن القولُ بأن العصرَ النهضويَّ الحديثَ في عالمنا العربي كانت بداياتُهُ في القرن التاسع عشر؛ لأن هذه الفترةَ تميَّزت بظاهرة الاقتباس من الغرب كمرحلة أُولى مع قيام الدولة الحديثة في مصر في العام (1805) كما ظهرت حركةُ تغيير في إسطنبولَ مركزِ الخلافة الإسلامية قادها (سليمُ الثالث) ثم (محمودُ الثاني) (1808 -1840) واستهدفت إعادةَ بناء الجيش العثماني على أُسُس جديدة بغيةَ صدِّ القوى الأوروبية، لكنَّ ذلك لم يمنع انفضاضَ السيطرة العثمانية على العالم الإسلامي، ووقعت أغلبُ الدول الإسلامية تحت الاستعمار الغربي.

وفي الشرق أنـهى الاستعمارُ البريطانيُّ المملكةَ الإسلاميةَ المغوليةَ في الهند، وفرضت بريطانيا سيطرتـها على أفغانستان وإيران، ثم تقاسمت الدولُ الأوروبيةُ ممتلكات الدولة العثمانية في مؤتمر برلين في العام (1828) والذي شكَّل بدايةَ التوسُّع الاستعماري للعالم العربي، متزامنًا مع ظهور تيارات الإصلاح الديني، وكذلك انـهيار الخلافة الإسلامية العثمانية رسميًا في العام (1924) وقد تلا كلَّ ذلك فيما بعدُ طغيانُ موجة الاستلاب السياسي للعالم العربي، التي بدأت في الخمسينيات حتى أوائل سبعينيات القرن العشرين. 

متنى عبد الله، 

مفهومُ العصر الحديث ومتعلَّقاتُه العلمية والفكرية في العراقأغسطس  5 ،مجلة تاريخية 2021