Topic outline

  • محتوى المقياس

  • معلومات حول الأستاذ

  • المحاضرة الأولى

    مفهوم النقد الأدبي

     

    مفهوم النقد :  تعددت معاني النقد في اللغة فمنها : تمييز الدراهم لتبين حالة جودتها من ردائتها   فيقال: نقدت الدراهم ، ومنها نقد الجوز بالأصبع لإختياره ومعرفة حالته .

     المفهوم الاصطلاحي :  للنقد عدة مفاهيم ومنها :

     الكشف عن جوانب النضج الفني في النص الأدبي وتميزه عما سواه ،عن طريق الشرح والتحليل ومن تم يأتي بعد ذلك الحكم عليه.

    وأهم عملية يقوم عليها النقد هي التفسير والتقويم ، فالتفسير يقف فيه الناقد على مافي النص من قيم جمالية مثل : الايقاع والصوروالموسيقى ويوضح العلاقة الفنية والمعنوية بين عناصر النقد .

    أما التقويم فيستطيع من خلاله الناقد مستعينا بالممارسة الأدبية والخبرة النقدية أن يصدرأحكاما على النصوص من حيث الجودة أو الرداءة أوبقوة التأثير العاطفي أو ضعفه .

    كما أن بعض النقاد يعدون النقد عملية إبداع ، فهو بحتاج إلى موهبة تسقل بالتدريب والإكثار من قراءة النصوص الأدبية .

     

    مراحل تطور النقد الأدبي : مر النقد الأدبي بمراحل متعددة بدءا بالنقد البسيط الذي يصدر بصورة عفوية دون تدوين أو ضوابط منهجية واضحة ، ثم انتقل إلى مرحلة التدوين التي أسهمت في تطوير ورقي الكثير من العلو م والفنون والمعارف ، ثم انتهى الى نقد منهجي يقوم على قواعد وأسس مثلما يقوم على توضيح الأسباب التي أذت الى النتائج التي يتضمنها التفسير أو التقويم .

    مرحلة ماقبل التدوين : " من العصر الجاهلي حتى مطلع العصر العباسي "

    نشأ النقد في عصر الجاهلي مع نشأة الشعر وعندما ننظر الى الشعر الجاهلي نجد أنه وصل الى مستويات عالية من الجودة والإتقان حيث خضع إلى أنواع من التهديب حتى بلغ مبلغ الكمال من الإتقان ويظهر ذلك من خلال المعلقات إذ يراجع الشاعر قصيدته ويعيد النظر فيها ، فثمكت حولا كاملا عنده يحسنها ويهدبها كما يظهر ذلك عند أصحاب الحوليات ، وكانت أسواق العرب في الجاهلية وأشهرها سوق (عكاظ ) مركزتلاقي الشعراء ، يلقون ما لديهم من جديد الشعر، فيتلقاه المستمعون بالتعليق والنقد ، وبرز من هذه الأسواق علماء بالشعر يتحاكم اليهم الشعراء بجودة قصائدهم ، ومن اشهرهم النابغة الذبياني .

    مثال : إجتمع لديه حسان ابن ثابت والأعشى . فقدم الأعشى واخر حسان ، فغضب حسان وقال له : والله لا أنا أشعر منك ، فقال له النابغة ماذا تقول ؟

    فقال حسان : لنا الجفنات الغر يلمعن في الضحى     وأسيافنا تقطر من نجدة دما

    فقال النابغة : إنك شاعر ولكن أقللت أجفانك واسيافك ، فقد عاب عليه استخدام جفنات وأسياف لأنها تفيد القلة ، واما الكثير منها يقال له الجفان والسيوف وعاب عليه استعمال الضحى وكان الأبلغ أن يقول الدجى لأن الضيف كثيرا مايكون طروقا بالليل

     

    النقد في صدر الإسلام : نزل القران فثأثر الناس ببيانه وقوة إعجازه وأصبح الإعتزاز بالدين الجديد لما يحمل من مبادئ واخلاق فاضلة من أهم الموضوعات التي تطرق لها الشعراء في اشعارهم ، ومن نمادج نقد صدر الاسلام ان النبي صلى الله عليه وسلم أعجب بقصيدة ( بانت سعاد ) لكعب ابن زهير واستحسنها حتى أنه خلع رداءه والبسه إياه

     

    النقد في العصر الأموي : ازدهرت الحركة الأدبية في العصر الأموي ، وساعد على ارتقاء الشعر والخطابة وجود تغيرات في الدولة الأموية ، حيث توسعت البلادوكثرت فيها الحواضرمثل : دمشق ، البصرة ، الكوفة ، بلاد الحجاز ، واصبحت هذه الحواضر مراكز ثقافية وحضارية للإستقطاب الشعراء والأدباء ، ومن أهم الشعراء الذين برزوا في هذا العصر : جرير ، الفرزدق والأخطل فيما يسمى بشعر النقائض

     

    النقد في العصر العباسي : " مرحلة التدوين "

    بدأ النقد في هذه المرحلة يخطو خطواته  نحوالتقدم وهذا بظهور النقد المنهجي ، الذي يعتمد على مقومات أساسية وما ساعد على هذا ، هو تداخل الثقافة العربية مع الثقافات الأخرى الذي أدى الى صقل ملكات العرب وارتقاء ذوقهم وتوجههم نحو تعميق البحث في شتى فنون الحياة ، ويمكن القول أن الفكر في هذه المرحلة إبتعد عن الانطباعات الشخصية في إصدار الأحكام ، وأصبح للنقد أصوله وقواعده ، ومن اشهر المؤلفات النقدية :

    ·       كتاب فحول الشعراء الأصمعي

    ·       كتاب الشعر والشعراء لإبن قتيبة

    ·       كتاب البديع لإبن المعتز

    ·       كتاب الوساطة بين المتنبي وخصومه للقاضي الجرجاني

    ·       كتاب البيان والتتبين للجاحظ مثال : رأي الجاحط أن عمرو يستحسن قول  الشاعر.

     

     يقول الشاعر :

            لاتحسبن الموت موت البلا   إنما الموت سؤال الرجال

    فالبيت يتضمن فكرة تهذيبية لحكمة السامية وهي ذل المسألة وإراقة ماء الوجه وسؤال الموت بل هو أثر على النفوس من الموت لما فيه من ذل فهذه الفكرة التي أعجب بها عمرو فإن الجاحط يخالفه الرأي لأن البيت ليس من الشعر في شيء فهو يؤيد الفكرة لكنه ينتقد الكاتب بالأسلوب والألفاظ .

     

    النقد في القرن الخامس للهجري :

    لقد وصل النقد بتأليفهم لكتب في قضايا الشعر والنقد إلى مستوى متطور فبدأو ينجزون أبحاثا دقيقة في الإعجاز القرآني وأسرار الجمال البياني وعمود الشعر العربي والسرقات الشعرية والفصاحة والبلاغة ، ومن أشهر النقاد " ابن رشيق القيرواني "صاحب كتاب العمدة في محاسن الشعر وأدبه ، وعبد القاهر الجرجاني صاحب كتاب دلائل الإعجاز وكتابه ايضا اسرار والبلاغة  ويعد القرن الخامس بداية مرحلة النضج والعمق النقدي عند العرب .

  • المحاضرة الثانية

    موقف النقاد العرب القدامى من الشعر

     

    يعرف الشعر على أنه الصورة التعبيرية الأدبية الاولى التي استخدمها الانسان ليعبر عن مكنونات نفسه وخفاياها ، وعن تجاربه وأحاسيسه ومشاعره نحو كل ما يحيط به  ،  وهو أحد الفنون الجميلة الخمس وهي :  الرقص ، الغناء ،  النحت ،  الشعر والرسم ، ولقد وجد النقاد صعوبة كبيرة في ايجاد تعريف محدد للشعر، وهذا يعكس اختلاف وجهات النظر التي تبين التكوين الشخصي والموقف الادبي لكل واحد ، لذا تجد الشاعر يقول ويعبر ، لكنه عاجز عن تعريف الشعر مما يؤكد وجود مفاهيم اختلفت من عصرالى أخر بحسب معطيات كل عصر.

     ولذا سنحاول أن نتقصى مفهوما للشعرعند النقاد العرب القدامى ابتداءا بالجاحظ وصولا إلى حازم القرطاجني حتى نوضح تطورهذا المفهوم وأهم التغيرات التي طرأت عليه  وما أضافه كل ناقد الى التعريف الذي سبقه .

     

      موقف الجاحظ من الشعر

      يقول الجاحظ : " المعاني مطروحة في الطريق يعرفها العربي والعجمي البدوي والقروي والمدني ، وإنما الشأن في إقامه الوزن وتخير اللفظ وسهولة المخرج وكثرة الماء في صحة  الطبع وجودة السبك .... فانما الشعر صناعة وضرب من النسيج وجنس من التصوير...".

      إن هذا النص الذي بين أيدينا يقدم مفهوما متطورا للشعر، والجاحظ يفرق بين المعاني التي لم يصورها الشعروبين الشعرالذي يصنع وينسج ويصور، فالشاعرعند الجاحظ صانع ونساج ومصور. كما أن المعنى الحكيم والجليل عند الجاحظ الذي لا يقدمه لنا تشكيل شعري متميز ليس أهلا لأن يكون شعرا ، وهذا يعني أن ماهية الشعروجوهره أنه نظام  لغوي خاص يبعث على المعنى الذي لاوجود له إلا فيه ، والمعنى  الشعري لهذه  الوجهة ليس المعنى  المنطقي العام الذي يعرفه الناس من خبرات الحياة .

     

    إبن طباطبا وعيارالشعر

     يعرف ابن طباطبه في كتابه عيار الشعر.الشعر  بقوله: " الشعر كلام منظوم بائن عن المنثور  الذي استعمله الناس في مخاطباتهم بما خص  به من النظم الذي ان عدل عن جهته مجته الاسماع و فسد على الذوق، ونظمه معلوم محدود فمن صح طبعه وذوقه لم يحتج الى  الاستعانه على قول الشعر بالعروض التي هي ميزانه ومن اضطرب عليه الذوق لم يستغن من تصحيحه وتقويمه بمعرفه العروض والحدق به حتى تعتبر معرفته المستفاده في الطبع الذي لا تكلف معه، ويقصد ابن  طباطبه من اللفظ هنا الوزن ويتبعه الطبع السليم

     والذوق المدرب، لكن من افتقد الطبع السليم احتاج الى تعلم العروض حتى  يصير علمه به كالطبع٠ كما ذكر ابن طباطبه في كتابه ان الشعر صناعة وان الصناعه تقتضي الفصل بين الالفاظ والمعاني فقال  sad للمعاني الفاظ تشاكلها فتحسن فيها و تقبح في غيرها)

     

    الشعرعند قدامة بن حعفر

     أراد قدامة ان تكون له إضافة حول ما قيل عن الشعرعند سابقيه ، فراى إن العلم بالشعر ينقسم الى خمسة اقسام:

    ·       علم عروضه ووزنه

    ·       علم قوافيه ومقاطع

    ·       علم غريب لغته

    ·       علم معانيه والمقصد به

    ·       علم جيده من رديئه

    وأن الناس ألفوا الأقسام الأربعة الأولى لكنهم لم يضعوا كتابا في نقد الشعر وتخليص جيده من رديئه اذ يقول: " فأما علم جيد الشعر من رديئه فإن الناس يقولون في ذلك مما تفقهوا فيه في العلم ، وقليلا ما يحسنون ولما حدث الأمرعلى ذلك تبين أن الكلام في هذا الامر خص بالشعر" عن سائر الأجناس الأخرى .

    لم يضف قدامة بن جعفر إلى الشعر جديدا ، وقدأغفل في حد الشعرعناصر جوهرية كالخيال والعاطفة ، وماجاء به قد إتفق عليه جميع النقاد .

     

     الشعر عند ابن قتيبه

     يقول ابن قتيبه في كتابه (الشعر الشعراء): " وكان حق هذا الكتاب أن أوديعه الأخبار عن جلالة قدرالشعروعظيم  خطره.....  وعن ما أودعته العرب من الأخبارالنافعة والأنساب الصحاح والحكم المضارعة لحكم الفلاسفة والعلوم في الخيل والنجوم وأنواعها والإهتداء بها والرياح ، وما كان منها بشرا او جائلا........ والسحاب وما كان منها جهاما أو ماطرا......." يرى ابن قتيبة أن الشعرفي تصورالعرب مصدررئيسي من مصادر المعرفة الموثوقة ، كما قال عمر ابن الخطاب رضي الله عنه :" كان الشعرعلم قوم لم يكن لهم علم أصح  منه" . وهو في كتابه (الشعر والشعراء) لم يتجه الى الشعر كمصطلح نقدي كما فعل الجاحظ ، لكنه وضح مكوناته وعناصره وأقسامه وأضربه  معتبرا النقد كالعلم له قيوده وقواعده

     وجملة القول أن إبن قتيبة حدد ثقافته النقدية في الشعر فرأى أن له أربعة أضرب في معناه ولفظه وهي :

    ·       ضرب حسن لفظه وجاد معناه

    ·       ضرب حسن لفظه وحلا ولكنك اذا بحثت فيه لم تجد فائده في المعنى

    ·       ضرب جاد معناه وقصرت ألفاظه

    ·       ضرب تأخر معناه وتأخر لفظه.

     كما إهتم إبن قتيبه بالحالة النفسية لقائل الشعروهو ينتمي لفئة النقاد الذين يرون الشعرتعبيرعن ما وقع في النفس وليس محاكاة يقصد منها الإثاره والتعجيب ، لكنه أغفل هذا الأساس عند مناقشته لأضرب الشعر، كما إتسم نقده بالوضوح والميل ألى التصنيف والقوة والإستدلال.

     

    موقف الأمدي من الشعر( عمود الشعر)

     يرى الأمدي في عمود الشعر الأسس الجمالية التي ينهض عليها بنائه عند العرب القدامى ، ويظهر أن التسمية مستوحاة من عمودي الشعرالذي لا يقوم بدونه ، وغيرغريب أن يستوحي النقاد العرب القدامى مصطلحاتهم النقدية من معطيات الحياة البدوية العربية ، وقد رأى الأمدي أن من علامة حدق الشاعرأن يصورلك الأشياء بصورها ويعبرعنها بألفاظها المستعملة واللائقة بها .

     نفهم من ذلك أن الشعرعند الأمدي ليس مجرد لفظ  موزون مقفى ، وإنما هو كل هذا مضاف إليه عنصرالتصويرأوالخيال الذي يتميزبه كل شاعر عن آخر.

     

    الشعر عند القاضي الجرجاني

    رأى القاضي في كتابه الموازنة أن لعمود الشعر عند العرب ستة أسس لا  يقوم بناؤه دونها فقال: " وكانت العرب إنما تفاضل بين الشعراء في الجودة والحسن بشرف المعنى وصحته وجزالة اللفظ واستقامته ، وسلامة الوصف لمن وصف فأصاب وشبه فقارب ، ولمن كثرت سوائل أمثاله وشواهد أبياته ، تضيء بالتجنيس والمطابقة ، و تحفل بإلابداع والاستعارة إذا حصل لها عمود الشعر ونظام القريض" .

    يبدو أن أسس عمود الشعر تمثل تصورا للشعر بوصفه فن يقدم لنا الحقيقة  والخيال والشاعر بوصفه مبدعا قادرا على تقديم الحقيقة في قالب من الجلال.

  • المحاضرة الثالثة

    مقارنة بين الشعروالنثر

     

    وجد فن النثر في مرحلة مبكرة لتاريخ البيان العربي ، ومنذ العصر الجاهلي أخذ الكلام الفني المنثورعلى شكل قصص وحكم في التطور بدءا من المرحلة الإسلامية ، حيث اتخذ شكل خطب ورسائل تمليها ظروف موضوعية لعل أبرزها تنافس الأحزاب على الخلافة حتى العصر العباسي حيث ازدهر فن النثروشمل جوانب فكرية ونقدية وفلسفية ، لكن هناك حقيقة نقدية مهمة هي تهميش فن النثر في النقد العربي ، لأن الثقافة الرسمية السائدة كانت مرتبطة أشد الإرتباط بالشعرمادفع النقاد إلى المقارنة بين الشعروالنثر،  فانقسموا فريقين ، الأول يفضل الشعروالثاني يفضل النثر، ويقدم  كل فريق براهين لإثبات تفضيله .

     

     1 - تفضيل الشعر:

     

     موقف المظفربن فضل العلوي :  بين المظفر في نظريته النقدية خمسة فصول لوصف الشعروأحكامه وتبيين أحواله وأقسامه وذكر ألاته من بلاغة ونحووفصاحة وحقيقة ومجازوما يجوزللشاعروما لا يجوز، وفضل الشعرومكانته في البيئة العربية والمفاضلة بينه وبين النثر لينتهي بذلك إلى تفضيل الشعرونصرته وتعدد فضائله التي يمتاز بها ، لأن النثريفتقرإلى عناصرتعودتها الذائقة  الفنية العربية ويمتلكها الشعر، وهذه العناصرهي :

    الإيقاع المطرب الذي يخاطب مشاعر السامعين فيحرك ساكنه ويسلّي حزينه ويكشف عن المخبئ في نفوسهم من فرح وحزن ، وفي رأي المظفرلا يمكن للنثر أن يقوم بتولي هذه المهمة إلا اذا تخلى عن هويته العقلية واستعارهوية الشعر العاطفية ، كما نجد أن الجاحظ هو الاخر يفضل الشعرعن النثر

     

      2 - تفضيل النثر:

     يرى فريق آخر أن النثرلغة العرب وكلامهم ويجمع بعضهم على الأسبقية التاريخية للنثر،  إذ يرون أن النثرإبداعيا أصل الشعر، فالشعر قبل أن يكون شعرا هو كلام منثور جمعت أشتاته الصيغة الفنية ، وحين يتردد على أن النثرهوالحديث اليومي فهذا لا يعني الهبوط بالنثرإلى مستوى الحديث اليومي المألوف بين الناس وإنما المقصود النثرالذي أنتج أدب المحاورات والخطب والرسائل والقصص وحديث الرسول صلى الله عليه وسلم وبلاغة العرب والحكماء ، ولذا نجد عددا من النقاد القدماء يفضلون النثركعابد الكرخي الذي يقول: " من شرف النثرأن الكتب القديمة والحديثة النازلة من السماء على ألسنة الرسل والأنبياء بالتأييد الإلهي كلام منثور" . ويرى أيضا في أفضلية النثرعلى الشعرأن النثرأصل الكلام والنظم فرعه والأصل أفضل من الفرع والفرع أنقص من الاصل ، ويلح على أهم سبب يجعل النثر شريفا أن لغة الكتب السماوية تفتقد الوزن وتدخل في الأعاريض ، ومن شرف النثرأن الوحدة فيه وأثرها فيه أقرب ، فالكرخي يمدح النثر في شبهه للكتب السماوية وبعده عن التصنع الذي نجده في النظم

     

     أنواع النثر

    ·       النثر العادي : وهو الذي يبلغ معاني منطقية بأدق الألفاظ المختارة نحويا من غيرأدنى إهتمام بالجانب الصوتي(الإيقاع ) .

    ·       النثر الفني : وهو الذي يعنى باللفظ والتركيب النحوي والصوتي لتكون له في النهاية سياق إيقاعي موسيقي ملائم .

     

     فريق المساواة بين الشعروالنثر

     بإزاء النقاد الذين يفضلون الشعر، والنقاد الذين يفضلون النثر، نجد فريقا آخر يساوي بين الشعروالنثرمستندين إلى فكرة رئيسية وهي البناء ، فالشعروالنثرمتساويان لأن لكليهما بناء يعتمد على التوزيع الشكلي فمثلما تنقسم القصيدة إلى أبيات ينقسم النص النثري إلى فقرات

     

     موقف ابو هلال العسكري

     يرى العسكري أن المنظوم مثل المنثورفي سهولة مطلعه وجودة مقطعه وحسن رصفه وتأليفه وكمال صياغته وتركيبه لأن الكلام يحصل بسلاسة وسهولة وفصاحة وتخيراللفظ وإصابة المعنى

    و يرى أيضا أنه لا يحصل منثور الكلام ولايجلوحتى يكون مزدوج .

     

    موقف حازم القرطاجنّي

     أما حازم القرطاجنّي فيشبه بناء النثرببناء الشعر، فبناء الشعر يبدأ بالأبيات فالفصول فالقصائد وهذا يناظرفي النثربناء الحروف فالكلمات فالعبارات يقول :" إعلم أن الأبيات بالنسبة للشعرالمنظوم نظائرالحروف المقطعة في الكلام المؤلف والفصول المؤلفات من الأبيات نظائر الكلمات المؤلفة من الحروف ، والقصائد المؤلفة من الفصول نظائرالعبارات المؤلفة من الألفاظ ، كما أن الحروف إذا حسنت ، حسنت الفصول المؤلفة منها ، إذا رتبت على ما يجب ، كما أن ذلك في الكلمات المفردة كذلك يحسن نظم القصيدة من الفصول الحسان .

     إذا فقد حل النقد إشكالية المفاضلة بين الشعروالنثربالتوحيد بينهما ومساواتهما جماليا لأنهما لا يقفان على طرفي النقيض بل يكمل أحدهما الأخرويقوم كل منهما بالمهمة في الدرجة نفسها من الأهمية ، فالفن السامي قد يكون شعرا وقد يكون نثرا فليس من نقطة تحدد نهاية الشعرأوالنثرأوالعكس وإن نشأ خلاف بين الشعروالنثر فهو خلاف كمي وشكلي وليس خلافا جوهري .

  • المحاضرة الرابعة

    قضية الفحولة في النقد الأدبي القديم

     

    لقد استطاع النقاد الأوائل على رغم  حداثة التجربة  النقدية لديهم أن يستنبطوا بعض المصطلحات النقدية التي اعتمدوا عليها في دراساتهم للشعر، والحكم على الشعراء وإنزالهم المراتب التي يستحقونها ، من حيث جودة أشعارهم أوضعفها ، ولعل من بين أشهر المصطلحات النقدية القديمة التي نقع عليها في الإرهاصات (البدايات) الاولى للنقد العربي القديم مصطلح الفحولة ، وهو ما سنتتبع شأنه ونقف على بعض خصائصه .

     

     الفحولة لغويا :

     الذكر من كل حيوان وذكر النخل ولا يقال لغير الذكر والفحل لغه إتصاف بالقوة والغلبة  ،  ويطلق على نجم سهيل لإعتزاله النجوم وعظمته ، والفحولة مفهوم ذكوري محظ ، إلا أنه يطلق أحيانا على المرأة سليطة اللسان لأن سلاطة لسان المرأة قد يعطيها نوعا من القوة التي قد تصل بها الى درجة السيطرة .

     

     الفحولة اصطلاحا :

    فحول الشعراء إصطلاحا هم الذين غلبوا بالهجاء من هاجاهم مثل جرير ، الأخطل والفرزدق ، وأمثالهم وكذلك كل من عارض شاعرا فغلّب عليه فهو فحل مثل علقمة بن عبيدة ، وهذا المفهوم لم يقف عند حدود الفحولة في ميدان الشعر بل تعداه إلى الفحولة عند البلغاء ، ويرى بعض النقاد أن مصطلح الفحولة يتضمن مفهومين .

      الأول :   تفوق الشاعر على خصمه  في غرض الهجاء دون غيره من الأغراض الشعرية   الأخرى

     الثاني :  تفوق الشاعر على خصمه في ميدان المعارضة ولعل الدافع وراء هذا  التحديد لمفهوم الفحولة ناتج عن المعارضة التي جرت بين امرئ القيس وعلقمة الفحل، حيث ذكر انهما  كانا يتنازعان الشعر فحكمت بينهم ام جندب زوج امرئي القيس ، فحكمت  لعلقمة على حساب زوجها فسمي الفحل.

     

     ومع مرور الوقت إمتدت الفحولة إلى ضرورة الإلمام بجميع أغراض الشعر حتى يصبح الشاعر فحلا ويلتحق بطبقة الفحول 

     إن الفحولة ليست بالأمر الهين وليست في متناول أي كان ، فهي طاقة شعرية متميزة تحتاج إلى موهبة إبداعية وقدرة كبيرة على أداء الفنون الشعرية المختلفة.

     

     شروط الفحولة :

     للفحولة شروط  متنوعة ، لا يصير الشاعر  فحلا حتى يروي أشعار العرب ويسمع الأخبار ويعرف المعاني وتدور في مسامعه الألفاظ ، وأول ذلك أن يعلم العروض والنحو ليصلح به لسانه ويقيم به إعرابه أن يعرف نسب وأيام العرب ليستعين بذلك على معرفة المناقب وذكرها بمدح أوذم ، وكل هذه الشروط لابد من توفرها حتى يستطيع الشاعر أن يصل الى درجة الفحولة .

     لعل مما ينبغي  أن نشير إليه أنه ليس  إلزامنا على الشعراء جميعا أن يكونوا ممن يتقنون شعرهم ويهذبونه حتى يكونوا  فحولا ، فهذه القاعدة تنطبق على الشعراء جميعا وإن كانت هي الغالبة ، إلا أن ثمة شعراء لم يكونوا  يهتمون بتثقيف أشعارهم وتهذيبها ومع ذلك فهم من فحول الشعراء مثل جرير.

     

    الفحولة وترتيب الشعراء :

     ظهرت فكرة تقسيم الشعراء الفحول إلى طبقات عند إبن سلّام الجمحي في كتابه طبقات  فحول الشعراء ، وقد صنّف الشعراء الجاهليين  في شعرهم إلى طبقات وكذلك الأمر بالنسبة  للشعراء الإسلاميين ، وتضمنت كل طبقة أربعة شعراء ، كما جعل بعض الشعراء الأخرين في طبقات بحسب الفن الشعري الذي غلب على شعرهم كطبقة أصحاب  المراثي ، أو المكان الذي ينتمون إليه  كشعراء مكة أوالطائف ، أو الديانات التي يدينون بها كالشعراء اليهود والنصرانيين .

     يقول إبن سلاّم  الجمحي ( فقسمنا الشعراء من أهل الجاهلية والإسلام والمخضرمين الذين كانوا في الجاهلية وأدركوا الاسلام فأنزلناهم منازلهم واحتجاجنا لكل شاعر لما وجدنا له من حجة  وما قال فيه العلماء فاقتصرنا من الفحول المشهورين على أربعين شاعرا ). وهذا يدل على أن إبن سلاّم الجمحي قد اقتصرعلى الفحول المشهورين من الشعراء ولم يتجاوزهم إلى غيرهم ممن لم يكونوا من الفحول ، أو كانوا من الفحول ولكنهم لم يشتهروا بين الناس بأشعارهم .

     إن تصنيف الشعراء إلى طبقات يدل على أن الشعراء الفحول ليسوا جميعا في مرتبة واحدة في الأداء والبراعة والموهبة الشعرية بل إن بينهم من التفاوت والتباين ما يجعل تصنيفهم في طبقات أمرا ممكننا على الرغم مما في اقتصار الطبقة الواحدة على أربعة شعراء فقط من الظلم .

    وهذا ما أدركه إبن سلاّم عندما تحدث عن " أوس ابن حجر" الذي جعله في الطبقة الثانية من الجاهليين فقال: أوس نظير الأربعة المتقدمين إلا أننا اقتصرنا  في الطبقات على أربعة شعراء فقط ، وأوس مماثل في طاقاته الشعرية الإبداعيه لكل من شعراء الطبقة الأولى من الجاهليين كامرؤ القيس وزهيربن أبي سلمى والنابغة الذبياني والأعشى ، إلا أن تحديده للطبقة الواحدة على أربعة شعراء هو الذي جعله يؤخر إلى الطبقة الثانية ، ولا شك أن في هذا من الظلم ما فيه .

  • المحاضرة الخامسة

    قضية عمود الشعر في النقد الادبي القديم

     

     يرتبط مفهوم عمود الشعر بأحوال العربي قديما ، ذلك أن المصطلح( عمود الشعر) يحمل تشبيها ضمنيا يرى أن بيت الشعريشبه بيت الشّعرأوخيمة البدوي ، وموقع العمود في وسط البيت أو الخيمة يعدّ شيئا أساسيا ، فإن إهتز العمود إضطرب البيت كله من جهة مكوناته الفنية لا من جهة وزنه العروضي ، وإن أُزيل هبط السقف على الأرض وألغى معنى البيت وجودا أو تكوينا ، وإن تغيرموضعه أزال فكرة التوازن بين شطري البيت من جهة ثقل السقف على العمود الحامل ،  فثقُل بعضه وخفّ بعضه ، فكأنّ العمود عاتق الميزان في تأكيد نظرية الوسطية والإعتدال عند العرب . وأسموه عمودا لإن منهج القصيدة  يتناول سطحها من جهة تنوع موضوعاتها وترتيب سردها ، على نحو ما حمل برواية ابن قتيبة من أنها تبدأ بالأطلال مشتكيا بالنسيب (الغزل)٠وتردُفُ بوصف الرحلة إلى الممدوح أو ما يسمى إَيجاب الحقوق عند القدماء . فيذكر الشاعر ما يلقاه في الطريق ، ويعمد إلى تشبيه ناقته ببعض الحيوان تسلية وتنبيها على براعته الفنية ثم يصل إلى المديح وبه يختم القصيدة ، وبعض الشعراء يتبع المديح بخاتمة من الحكمة كما كان يفعل زهير بن أبي سلمى .

     وأما عمود الشعر فلا يطفوا على السطح بل يخترق النص إلى أعماقه بمقدار نفوذ بصيرة الناقد و دُربته وثقافته ، ومدى تكشّف النص له ومقداررؤيته له .

     

     أركان عمود الشعر

     

      لعمود الشعرأركان أجمَلها المرزوقي بقوله: " إنهم كانوا يحاولون شرف المعنى وصحته وجزالة اللفظ واستقامته ، والاصابة في الوصف " .

     و من اجتماع هذه الأسباب الثلاثة كثرت سوائر الأمثال و شوارد الأبيات والمقاربة في التشبيه والتحام أجزاء النظم على تخيّرجميل الوزن ، ومناسبة المستعارمنه للمستعارله ، ومشاكلة اللفظ للمعنى وشدّة اقتضاءهما للقافية حتى لا تكون مُنافرَة بينهما ، فهذه سبعة أبواب هي عمود الشعر، ولكل باب منها معيار فعمود الشعر له سبعة أركان تتحقق في القصيدة من غيرقسمة على البيت لكل عنصر، لكنها تقع مواقع الاستحسان باعتدالها وتأخذ منابر الكراهة بزيادتها وإجتلابها .

  • المحاضرة السادسة

    نظرية النظم عند عبد القاهر الجرجاني

    ملخص المحاضرة:

    يعد عبد القاهر الجرجاني ( ت 091 هـ) رائدا في نظرية النظم في تراثنا النقدي والبلاغي ، ومما ساعده على ذلك اطلاعه على جهود النقاد والبلاغيين من قبله ، كالجاحظ والقاضي عبد الجباروالباقلاني فضلا عن أنه كان نحويا ومتكلما، وكان فيما يظهر مطلعا اطلاعا جديدا على ما ترجم ولخص من آثار الفكر اليوناني، كما كان مطلعا على المناقشات التي دارت بين النقاد الذين سبقوه.

    وقد تبلورت نظرية عبد القادر الجرجاني في النظم من خلال دلائل الإعجاز، واستمد عناصرها من أسلوب القرآن الكريم المعجز لعالم البشر وغير البشر عامة ، بأن يأتوا ولو بسورة من مثله، وللعرب أهل القصاحة والبلاغة خاصة.

     

    ظواهر لغوية شكلت النظرية:

     

    لقد تحددت ملامح نظرية النظم بصورتها المتكاملة بعد أن وقف الجرجاني على مجموعة من الظواهر اللغوية ، فاتضح بعد أن وقف على كل منها أنها في مجموعها أو أقل في تأليفها يكمن سر الإعجاز الأسلوبي للقرآن الكريم وتكمن " نظرية النظم "  ومن أهم تلك الظواهر التي تناولها الجرجاني وقادته إلى بلورة نظرية النظم ما يلي :

     

    • إذا كانت الألفاظ تابعة للمعاني فإن المعاني بمعزل عن الألفاظ ليست جديدة على اللغة ، ولذلك نرى عبد القاهر الجرجاني في معرض حديثه عن بلاغة الشعر، يهاجم أصحاب المعنى المقابلين لأصحاب اللفظ  فيقول: "واعلم أن الداء الدوي والذي أعيا أمره في هذا الباب غَلطٌ من قدم الشعر بمعناه ، فأنت تراه لا يقدم شعرا حتى يكون أودع حكمة وأدبا واشتمل على تشبيه غريب ومعنى نادر ... وأعلم أنا وإن كنا اتبعنا العرف والعادة وما يهجس في الضمير وما عليه العامة أرانا ذلك أن الصواب معهم وأن التحويل ينبغي أن يكون مع المعنى.

    •  ثم ناقش الجرجاني قضية الإيقاع الذي يتشكل من خلال حركات الأسلوب وسكناته ، ولا تخلو منه السور القرآنية كما هو معلوم.